شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين وزامبيا خلال العقدين الأخيرين تحوّلاً متدرجًا من شراكة بنية تحتية -قائمة على قروض واستثمارات في قطاع المعادن- إلى شراكة متعددة الأوجه تضم تجارة، استثمارات مباشرة، وإعادة تصميم للأطر الائتمانية عقب أزمة ديون زامبيا التي تفجرت مع إعلانها عدم قدرة السداد في 2020. مع تقدم عملية إعادة هيكلة الديون التي شملت دائنيْن رسميين وتجّار سندات دوليين، برزت لحظة مفصلية جديدة في نهاية 2025 تجسدت بزيارة رسمية لرئيس الوزراء الصيني (لي تشيانغ) إلى لوساكا في 19–20 نوفمبر 2025 وبتوقيع اتفاقات كبرى في مجالات النقل والطاقة، مما أعاد الزخم للعلاقات الثنائية وطرح تساؤلات جوهرية حول حدود استعادة النفوذ الصيني وإمكانات إعادة ضبط الشراكة التنموية لصالح زامبيا.[1] يطرح السياق الراهن سؤالاً محورياً: “هل تمثل إعادة هيكلة الديون والزيارة الصينية رفيعة المستوى لزامبيا في نوفمبر 2025 نقطة تحول نحو استعادة النفوذ الصيني، أم أنها فرصة لإعادة ضبط الشراكة التنموية بما يخدم المصالح الزامبية؟”
خلفية موجزة: أزمة الديون وإعادة الهيكلة
أدت تراكمات الدين الخارجي ونمط الاقتراض في السنوات السابقة إلى ضغط مالي حاد على الاقتصاد الزامبي، ما أسفر عن عدم قدرة على السداد وافتتاح مسار إعادة هيكلة شامل شمل دائنيْن رسميين (بما في ذلك الصين) وحملة سندات دولية. خلال 2023–2025، قطعت لوساكا خطوات تقنية وسياسية لتوقيع اتفاقات إعادة هيكلة مع معظم الدائنين الرسميين، وتم إحراز تقدم ملحوظ على نحو بلغ تغطية حوالي 94% من المطالبات داخل محفظة إعادة الهيكلة حتى منتصف 2025، ضمن إطار برنامج صندوق النقد الدولي الذي يهدف لاستعادة الاستدامة المالية. هذا المسار مهّد لمرحلة “انتقال” من إدارة أزمة مالية إلى استقطاب استثمارات جديدة وإصلاحات هيكلية سياسية واقتصادية. [1]
ماذا حملت الزيارات والصفقات الأخيرة؟
أفرزت زيارات القادة الصينيين وانفتاح مؤسسات صينية على مشاريع كبيرة إعلانات محددة خلال نوفمبر 2025: أبرزها اتفاق لتمويل وتجديد خط سكة حديد تازارا بقيمة تُقدَّر بـ1.4 مليار دولار، وهو مشروع حيوي لربط مناطق التعدين الزامبية بموانئ شرق إفريقيا، ومعنى ذلك زيادة قدرة تصدير النحاس والمواد الخام الحيوية. كما أُعلن عن تحركات للاستثمار في قطاع التعدين (بما في ذلك تعهدات لشركات صينية بالاستثمار في مناجم ونشاطات معالجة) واتفاقات تعاون في مجالات الصحة والزراعة وبُنى تحتية مجتمعية. تشير التغطية إلى أن الاستثمارات الصينية المباشرة في زامبيا منذ عقدين تقارب 6 مليارات دولار، مع تركيز قوي في قطاع المعادن[2].
من ناحية الشركات، توجد أمثلة عملية على تدفق الاستثمارات الصينية إلى المناجم؛ ففي 2024 أعلنت شركة JCHX الصينية استثماراً بقيمة 300 مليون دولار في منجم Lubambe للنحاس، ما يعكس استمرار اهتمام الشركات الصينية بالحصول على أصول إنتاجية في قطاع المعادن الزامبي. مثل هذه الصفقات لا تُعيد فقط الرأسمال إلى المشروعات، بل تعيد تركيب الملكية والقدرة الفنية في قطاع يشكّل أكثر من نصف الصادرات الزامبية. [3]
تُظهر هذه التطورات أن بكين تتحرك وفق استراتيجية مزدوجة:
– استعادة الثقة بعد فترة توتر خلال مفاوضات إعادة الهيكلة،
– وتثبيت حضورها داخل القطاعات التي تُعدّ محورية لمستقبل الاقتصاد العالمي، مثل النحاس والمعادن الحرجة.
ومن منظور زامبي، فإن هذه الصفقات تمثل عودة لتدفقات التمويل بعد سنوات من الانكماش الاستثماري، لكنها في الوقت ذاته تضع لوساكا أمام ضرورة التفاوض الحذر لضمان عدم إعادة إنتاج أنماط الاعتماد السابقة.
هل تعني الزيارة واستئناف الاتفاقات استعادة نفوذ صيني؟ — أبعاد متعددة
1. بعد جيوستراتيجي: منافسة متصاعدة على المعادن الحيوية
الصين تنظر إلى زامبيا باعتبارها مورداً استراتيجياً للنحاس والمعادن النادرة الضرورية لسلاسل القيمة العالمية في الطاقات المتجددة والإلكترونيات؛ لذلك فإن عملية تجديد سكة حديد تركز على تسهيل تصدير المعادن تُعدّ خطوة لتأمين سلاسل الإمداد وليس مجرد مشروع بنية تحتية محلي. في المقابل، تشهد القارة اهتمامًا متزايدًا من قِبَل الفاعلين الغربيين والآسيويين الآخرين، مما يجعل علاقات لوساكا مع بكين جزءًا من تنافس أوسع على النفوذ الاستثماري والتكنولوجي. [4]
2. بعد اقتصادي داخلي: فرص أم فخ تمويل؟
مشروعات مثل تحديث تازارا ومداخل الاستثمار في المناجم تعيد فرص التشغيل والإيرادات التصديرية، لكن الفائدة الفعلية لزامبيا تعتمد على بنود العقود (شروط المحتوى المحلي، نقل التكنولوجيا، شروط الإيرادات الضريبية، وحماية الموارد البيئية والمجتمعية). إذا ضَمَنت لوساكا اتفاقات تُحَسِّن محتوى المردود المحلي وتخفف من قيود تقاسم الإيرادات، فقد تكون النتيجة تعزيزًا للنمو وتعبئة إيرادات. أما إذا كانت الاتفاقات قريبة من صيغ “إعادة رسملة” للأصول مع شروط تصديرية مفصَّلة تُضعِف القدرة المحلية على التصنيع أو زيادة القيمة المضافة محلياً، فستكون الولاية الانتقالية في أفضل الأحوال مؤقتة ولن تُغيّر جذريًا إمكانات التنمية المستقلة. [5]
3. بعد السيادة المالية والسياسية: ماذا عن شروط إعادة الهيكلة؟
تُظهِر تجارب إعادة الهيكلة الزامبية أن التعامل مع دائنين رسميين مثل الصين يختلف عن التعامل مع سوق السندات: على الرغم من أن بكين عملت ضمن آليات أوسع لإعادة الهيكلة، بقي هناك تساؤل حول الشفافية وشروط الضمانات المرتبطة بالمشروعات. إن تعهدات جديدة للاستثمار قد تفسَّر على أنها “مقايضة سياسية” لتعزيز الثقة وتخفيف ضغوط خدمة الدين، لكن إذا شملت المشاريع أحكام ضمان أو استخدام الموارد كضمانات، فقد تُعيد إنتاج ضغوطات الدين على المدى المتوسط. لذا فإن مراقبة نصوص الاتفاقات التنفيذية (قروض، استثمارات، عقود تشغيل) أمر أساسي لتقدير العواقب.[6] ويُلاحظ أن الصين، عبر هذه الاستثمارات الجديدة، تسعى إلى تحويل “تكلفة” مشاركتها في إعادة الهيكلة إلى “عائد استراتيجي”، من خلال تعزيز حضور شركاتها في موارد استراتيجية. هذا الربط بين السياسة الائتمانية والاستثمار المباشر يعكس التحول في أدوات النفوذ الصيني من الاعتماد على القروض وحدها إلى النفوذ الاقتصادي متعدد القنوات.
4. الأثر الاجتماعي والبيئي: مخاطرة التهميش المحلي
توسُّع الاستثمار في قطاع التعدين دون سياسات قوية للإدارة البيئية والاجتماعية قد يزيد من مخاطر نزوح السكان، تلوّث المياه، وإضعاف الأمن الغذائي في مناطق التعدين، وهو ما يتعارض مع أهداف “الشراكة التنموية” المعلنة. لذلك، قياس “نجاح” الشراكة لا يمكن أن يقتصر على تدفق رؤوس الأموال فحسب، بل يجب أن يشمل مؤشرات رفاهية محلية قابلة للقياس (وظائف محلية، دخل حقيقي، خدمات عامة، وحماية بيئية). [7] مقارنةً بتجارب دول إفريقية أخرى، مثل إثيوبيا وأنغولا، يتضح أن زامبيا تمتلك فرصة فريدة لإعادة تشكيل علاقتها مع الصين لأن سياق إعادة الهيكلة أتاح لها مساحة تفاوضية لم تكن متاحة في سنوات الازدهار التمويلي. فبينما دخلت دول أخرى في نماذج تعتمد على ديون ضخمة مقابل بنى تحتية، فإن زامبيا أمام نموذج يمكن أن يوازن بين الاستثمارات المباشرة والحوكمة الرشيدة إذا ما أحسنت إدارة المرحلة الحالية.
سيناريوهات مسار العلاقة الزامبيـة_ الصينية
1. الشراكة المعاد ضبطها (السيناريو الإيجابي): اتفاقات بنودها تهدف لزيادة القيمة المضافة محلياً، بنسب محتوى محلي واضحة، ونقل تكنولوجي، وضرائب عادلة، ثم يُعقَد إطار للحوكمة والشفافية يقوده صندوق رقابي مشترك مع مشاركة المجتمع المدني. هذا المسار يعزز قدرة لوساكا على تحويل الموارد إلى قاعدة صناعية وتنموية. (مصادر: زيارات رسمية واتفاقات بنية تحتية واستثمارات متزامنة).[8]
2. الشراكة التقليدية المشروطة (السيناريو الوسطي): الصين تموّل وتستثمر وتُحافِظ على السيطرة على سلاسل القيمة في التعدين، مع منافع اقتصادية قصيرة الأمد (وظائف، إيرادات تصديرية)، لكن دون إصلاحات هيكلية عميقة، ما يترك خطر الاعتماد على صادرات خام دون تنويع.[9]
3. اعادة إنتاج التبعية (السيناريو السلبي): صفقات تعيد تشكيل الأصول برأسمال أجنبي مع شروط تفضيلية لصالح الشركات الأجنبية، وتستمر فجوة التصنيع المحلي، مع احتمالية تحميل الدولة ضمانات إضافية للديون. هذا السيناريو يعكس مخاطر تراكم اعتماد هيكلي على مورد وحيد.[10]
توصيات عملية لزامبيا سياسات وإجراءات مستمرة
1. الشفافية العقدية وإتاحة النصوص: إتاحة نسخ ملخّصة ومنقّحة من الاتفاقات الاستثمارية والدين العام للرأي العام الوطني والمجتمع المدني لضمان مساءلة أفضل وتقليل مخاطرة العقود ذات الأحكام المجحفة. (تجارب دولية تؤكد أن الشفافية تقلل فساد الصفقات).[11]
2. محتوى محلي والتدريب المهني: فرض شروط محتوى محلي تدريجي ونقل تكنولوجيا ضمن العقود، مع صندوق لتدريب الكوادر المحلية وإلحاق نسبة متفق عليها من الوظائف للمجتمعات المحلية. هذا يعظّم من المكاسب البشرية ويقلل من الصدمات الاجتماعية.[12]
3. آليات مشاركة الإيرادات والضرائب التقديرية: مراجعة نظام تحصيل الضرائب على شركات التعدين وتطبيق آليات شفافة لتوزيع الإيرادات (حصة للتنمية المحلية، استثمارات بنية تحتية، حساب استقرار مالي).[13]
4. ضمانات بيئية واجتماعية ملزمة: ربط الموافقات الاستثمارية بشروط بيئية واجتماعية قابلة للفرض والمتابعة، مع آليات لتعويض المتضررين وفتح قنوات للشكاوى المحلية.[14]
5. تنويع السياسات الاقتصادية: استثمار جزء من إيرادات التعدين في قطاعات تضيف قيمة مضافة محلية (تصنيع، طاقة متجددة، زراعة متطورة) لتقليل عرضة الاقتصاد لصدمات أسعار الخام.[15]
ختاما، إن زيارة رئيس الوزراء الصيني إلى زامبيا في نوفمبر 2025 والصفقات المرتبطة بها تمثل لحظة إعادة توازن محتملة في علاقة طويلة ومركّبة بين بلدين؛ فهي تعكس رغبة بكين في الحفاظ على نفوذها وتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وفي نفس الوقت تمنح لزامبيا نافذة لإعادة إطلاق النمو بعد سنوات من الضغوط المالية. لكنّ حصاد هذه الفرصة يعتمد جوهريًا على كيفية كتابة شروط الاتفاقات، ودرجة الشفافية والمساءلة، ونجاح لوساكا في تحويل مواردها الطبيعية إلى قاعدة إنتاجية مستدامة تخدم التنمية البشرية والاقتصادية على المدى المتوسط والطويل. بدون سياسات داخلية صارمة وإجراءات حوكمة قوية، ستبقى هذه الصفقات معرضة لإعادة إنتاج أنماط الهشاشة والاعتماد. الوقت الآن لمراجعة العقود وإعادة تأسيس إطار شراكة يضع مصلحة الزامبيين في مركز المعادلة التنموية.
خلاصة تقدير الموقف
تُظهر المعطيات الحالية أن الصين تسعى إلى تثبيت موقعها داخل قطاع حاسم في زامبيا وفي إفريقيا عموماً، بينما تحاول لوساكا الاستفادة من الزخم الاقتصادي الجديد دون الوقوع في فخ الاعتماد المتجدد. إن نجاح الطرفين في خلق شراكة متوازنة سيعتمد على قدرة زامبيا على فرض شروط شفافة، وضمان محتوى محلي فعّال، وتعزيز آليات الحوكمة، مقابل قدرة الصين على تقديم استثمارات مستدامة لا ترتبط بضمانات مرهقة أو ترتيبات قد تعيد إنتاج هشاشة الدين. وفي ضوء ذلك، فإن العلاقة بين بكين ولوساكا تقف اليوم بين مسارين: استدامة تنموية حقيقية، أو إعادة صياغة التبعية في ثوب جديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1] International Monetary Fund. (2025, August 5). Zambia: 2025 Article IV Consultation, Fifth Review under the Extended Credit Facility Arrangement, and Financing Assurances Review (Staff Country Report No. 2025/225). https://doi.org/10.5089/9798229019378.002
International Monetary Fund. (2024, June 26). Zambia: IMF Executive Board completes third review under the Extended Credit Facility and approves augmentation of the arrangement (Press Release No. 24/242). https://www.imf.org/en/news/articles/2024/06/26/pr-24242-zambia-imf-completes-3rd-review-under-ecf-and-approves-augmentation
[2]https://apnews.com/article/zambia-china-critical-minerals-mining-us-2a74961247a3af62a6db9e49a9b01805
https://www.cnbcafrica.com/2025/china-signs-agreement-to-revamp-tazara-railway-in-zambia
[3]https://www.reuters.com/markets/commodities/zambia-says-chinas-jchx-will-invest-300-mln-lubambe-copper-mine-2024-07-11/
[4] https://www.cnbcafrica.com/2025/china-signs-agreement-to-revamp-tazara-railway-in-zambia
[5]https://apnews.com/article/zambia-china-critical-minerals-mining-us-2a74961247a3af62a6db9e49a9b01805
[6] Mak, C. H. W. (2025). Sovereign debt restructuring in Zambia: A Chinese approach. In M. S. Erie (Ed.), A Casebook on Chinese Outbound Investment: Law, Policy, and Business (pp. 235–247). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781009457859.017
[7] https://apnews.com/article/zambia-china-critical-minerals-mining-us-2a74961247a3af62a6db9e49a9b01805
[8] https://www.reuters.com/world/china/china-premier-makes-landmark-zambia-trip-west-vies-investment-foothold-2025-11-19/
https://www.cnbcafrica.com/2025/china-signs-agreement-to-revamp-tazara-railway-in-zambia
[9]https://www.reuters.com/markets/commodities/zambia-says-chinas-jchx-will-invest-300-mln-lubambe-copper-mine-2024-07-11/
[10] Mak, C. H. W. (2025). Sovereign debt restructuring in Zambia: A Chinese approach. In M. S. Erie (Ed.), A Casebook on Chinese Outbound Investment: Law, Policy, and Business (pp. 235–247). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781009457859.017
[11] https://blogs.law.ox.ac.uk/oblb/blog-post/2025/10/sovereign-debt-restructuring-zambia-chinese-approach
[12]https://apnews.com/article/zambia-china-critical-minerals-mining-us-2a74961247a3af62a6db9e49a9b01805
[13] https://www.reuters.com/markets/commodities/zambia-says-chinas-jchx-will-invest-300-mln-lubambe-copper-mine-2024-07-11/
[14]https://apnews.com/article/zambia-china-critical-minerals-mining-us-2a74961247a3af62a6db9e49a9b01805
[15] International Monetary Fund. (2025, August 5). Zambia: 2025 Article IV Consultation, Fifth Review under the Extended Credit Facility Arrangement, and Financing Assurances Review (Staff Country Report No. 2025/225). https://doi.org/10.5089/9798229019378.002
[1] Cash, J. (2025, November 19). Chinese premier makes landmark Zambia trip as West vies for investment foothold. Reuters. https://www.reuters.com/world/china/china-premier-makes-landmark-zambia-trip-west-vies-investment-foothold-2025-11-19/
Xinhua. (2025, November 20). Chinese premier arrives in Zambia for official visit. Xinhua. https://english.news.cn/20251120/3b613835bfdb4e319075e2bf2da89848/c.html
آية محسب عبد الحميد مصطفى
باحثة دكتوراه/معهد البحوث والدراسات الافريقية ودول حوض النيل- جامعة أسوان