تُعد الإدارة المحلية، في العرف السياسي والإداري، هي المستوى الحكومي الأكثر قرباً من جماهير الشعب، حيث تمثل الواجهة المؤسسية التي يتفاعل من خلالها المواطنون بشكل مباشر مع كيان الدولة. وفي الواقع السياسي النيجيري، كان من المفترض أن تترجم هذه القربة الجغرافية إلى نظام حكم ذاتي حقيقي يُمكّن المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها، ولكنها –للأسف- نادراً ما تحولت إلى تمكين سياسي فعلي على أرض الواقع.
منذ نيل نيجيريا استقلالها عام 1960، شهدت سلطات الحكم المحلي (LGAs) حالة من التذبذب المستمر بين محاولات نيل استقلال نسبي وبين التبعية المطلقة للسلطات العليا. ولم تكن هذه التحولات مدفوعة بالمبادئ الدستورية الراسخة، بل خضعت للحسابات السياسية والمصالح الشخصية لحكام الولايات. وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء أزمة حوكمة حادة؛ حيث تظل أجهزة الحكم المحلي البالغ عددها 774 في نيجيريا — والتي تخدم كتلة سكانية تتجاوز 200 مليون نسمة — عاجزة من الناحية الهيكلية. فهي غنية بالاعتراف الدستوري والنصوص القانونية التي تمنحها الشرعية، ولكنها فقيرة ومهمشة في الممارسة الفعلية للحوكمة، مما يجعلها مجرد هياكل إدارية تفتقر إلى الفاعلية.
تناول هذا التحليل التوترات العميقة والمستمرة بين نصوص الدستور الفيدرالي النيجيري وبين الواقع السياسي المرير الذي تعيشه سلطات الحكم المحلي في نيجيريا. ويسعى إلى تتبع الجذور التاريخية والقانونية، وفهم كيف تضافرت مصالح النخب السياسية مع حالة الجمود المؤسسي لعرقلة أي توجه نحو الاستقلال الذاتي للحكم المحلي.
مفهوم الاستقلالية في الحكم المحلي
يشير مفهوم الاستقلال الذاتي (Autonomy) في سياق الحوكمة المحلية، إلى قدرة الوحدة الإدارية (دون مستوى الدولة و الولاية) على ممارسة سلطة حقيقية وجوهرية في إدارة شؤونها الإدارية والمالية والسياسية، بمنأى عن أي تدخلات غير مبررة من المستويات الحكومية العليا. ويستلزم هذا المفهوم وجود قيادة منتخبة، وإمكانية الوصول المستقل إلى مصادر الإيرادات، وخضوع المسؤولين للمساءلة المباشرة أمام ناخبيهم المحليين. ولا يعني هذا الاستقلال انعزال الحكم المحلي عن النظام الفيدرالي، بل هو استقلال وظيفي يتيح للسلطات المحلية ممارسة مهامها ضمن إطار دستوري متفق عليه.
في ظل نظام ديمقراطي فيدرالي مثل نيجيريا، لا يُعد الاستقلال الذاتي للمحليات مجرد تفضيل في أسلوب الإدارة، بل هو ضرورة هيكلية. فبدونه، ينهار الترتيب الفيدرالي ثلاثي المستويات ليتحول إلى واقع ثنائي المستويات، حيث تتدفق السلطة من الحكومة الفيدرالية إلى عواصم الولايات مباشرة، مع تجاوز المستوى المحلي بالكامل. وبناءً عليه، يمثل الاستقلال الذاتي الشرط الأساسي الذي يمكن بموجبه للحكومة المحلية أداء مهامها الجوهرية، والتي تشمل:
- تقديم الخدمات الأساسية: مثل الصحة والتعليم الأولي والبنية التحتية المحلية.
- تحفيز المشاركة الشعبية: إشراك المواطنين في صنع القرارات.
- بناء دولة تنموية: صياغة نموذج تنموي يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، مما يضمن وصول ثمار التنمية إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً.
الحكم المحلي في الإطار الدستوري النيجيري
يقر دستور نيجيريا لعام 1999 (المعدل) رسمياً بالحكومة المحلية كطبقة ثالثة من طبقات الحوكمة. وتضمن المادة السابعة من الدستور وجود مجالس محلية منتخبة ديمقراطياً، في حين يعدد الجدول الرابع وظائف هذه المجالس، والتي تشمل الرعاية الصحية الأولية، والتعليم الأساسي، والتنمية الزراعية، وصيانة البنية التحتية المحلية. وكذلك يُلزم الدستور الولايات بإنشاء حسابات مشتركة بين الولاية والحكومة المحلية (JACC) لتوجيه المخصصات الفيدرالية إلى سلطات الحكم المحلي.
وكذلك، يضع الدستور الحكومة المحلية ضمن قائمة التشريعات المشتركة (Concurrent Legislative List)، مما يمنح الولايات وَلاية قضائية وإشرافية واسعة. وقد أثبت هذا الغموض الدستوري خطورته البالغة على أرض الواقع؛ حيث استغلت بعض الولايات دورها الإشرافي لحل سلطات الحكم المحلي المنتخبة، وتعيين لجان تسيير أعمال غير منتخبة، واستنزاف أموال الحساب المشترك (JACC) قبل وصولها إلى أجهزة الحكم المحلي. وباختصار، فإن الهيكل القانوني يمنح الحكومة المحلية مقعداً دستورياً على طاولة الحكم، بينما يسمح للولايات بسحب الكرسي من تحتها.
التطورات لقضية استقلالية الحكومات المحلية
إن لقضية استقلال الحكومة المحلية تاريخا طويلا ومثيرا للجدل في نيجيريا؛ فقد مثّلت خطة إصلاح الحكومة المحلية لعام 1976 في عهد الجنرال مورتالا محمد المحاولة الأكثر طموحاً في البلاد لتأسيس الحكم والإدارة على مستوى القاعدة الشعبية، حيث سعى هذا الإصلاح إلى توحيد هياكل سلطات الحكم المحلي في جميع أنحاء نيجيريا، وضمان حصولها على حصة مباشرة من إيرادات الاتحاد. وقد وضع هذا الإصلاح النموذجَ الذي حاولت الدساتير اللاحقة، بما فيها دستورَيْ 1979 و 1999، الحفاظَ عليه. ومع ذلك، كانت الفجوة بين التصميم الدستوري والواقع السياسي تزداد اتساعاً مع كل انتقالٍ ديمقراطي للحكم.
خلال الثمانينيات والتسعينيات، استخدم الحكام العسكريون سلطات الحكم المحلي كأدوات للسيطرة السياسية، حيث قاموا بتعيين الموالين لهم لإدارة مجالس الحكم المحلية مع انعدام المساءلة. وكان من المتوقع أن تؤدي العودة إلى الحكم المدني في عام 1999 إلى عكس هذا النمط، ولكن بدلاً من ذلك، ورث الحكام المنتخبون السير على مناول العسكريين بالسيطرة على الحكومات المحلية وتسخيرها لرغبات حكام الولايات. وبدلاً من تمكين مجالس الحكم المحلية من أداء مهامها، استخدمت العديد من حكومات الولايات صلاحياتها الإشرافية الدستورية لإخضاع سلطات الحكم المحلي كأداة سياسية للحزب الحاكم على مستوى الولاية. وبدأ العديد من رؤساء مجالس الحكومات المحلية في نيجيريا يعملون كبدلاء سياسيين لحكام ولاياتهم — حيث ينفذون التوجيهات الصادرة من عواصم الولايات بدلاً من الاستجابة لاحتياجات ناخبيهم المحليين.
فإن تحويل سلطات الحكم المحلي إلى أدوات للمحسوبية السياسية للدولة، قد أدى إلى إفساد المبنى الديمقراطي للحكم المحلي. ولقد كشف النزاع السياسي الذي وقع بين حاكم ولاية ريفرز، فوبارا، وسلفه وعَرَّابه السياسي، نيسوم ويك، كيف يتم احتجاز حوكمة سلطات الحكم المحلي كرهينة لصراعات القوى بين النخب، حيث تحرك مجلس نواب ولاية ريفرز — المتحالف مع نيسوم ويك — لعزل الحاكم، من خلال إعلان أن نتائج مجالس الحكم المحلي غير حاسمة، مما أدى فعلياً إلى إيقاف الحكم المحلي الديمقراطي لشهور. وظلت المخصصات الفيدرالية المستحقة لسلطات الحكم المحلي محل نزاع، وأكدت الأزمة كيف أن الصراعات داخل الحزب الواحد على مستوى الولاية تحرم مجالس الحكم المحلي بشكل مباشر من الاستمرارية المالية والإدارية.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها حين أعلن الرئيس بولا تينوبو، في مارس 2025، حالة الطوارئ في ولاية ريفرز وعلّق سلطات الحاكم فوبارا والمجلس التشريعي لستة أشهر، قبل أن تُجرى انتخابات المجالس المحلية الثلاثة والعشرين تحت إشراف اللجنة الانتخابية المستقلة للولاية في أغسطس 2025 وتعود السلطة إلى فوبارا في سبتمبر من العام نفسه. غير أن “حل” الأزمة السياسية لم يُترجم إلى استقلال فعلي للمجالس المحلية؛ ففي يوليو 2026 أعلن فوبارا مصالحته الكاملة مع ويك وانضمامه إلى تحالفه السياسي دعماً لإعادة انتخاب الرئيس تينوبو عام 2027، في مشهدٍ رأى فيه محللون تكريساً لهيمنة ويك على حكومة ريفرز المحلية بدلاً من إنهائها، بما يؤكد أن تسوية النزاعات بين النخب لا تعني بالضرورة تحرر المجالس المحلية من الوصاية السياسية.
شهدت فترة رئاسة محمد بخاري تدخلاً بارزاً تمثّل في الأمر التنفيذي رقم 10 لعام 2020، والذي استهدف تحقيق الاستقلال المالي للسلطتين التشريعية والقضائية على مستوى الولايات، تفعيلاً لنص المادة 121(3) من الدستور بصيغته المعدَّلة بموجب قانون التعديل الدستوري الرابع لعام 2017؛ إذ وجّه الأمر المحاسب العام للاتحاد باقتطاع مخصصات المجالس التشريعية والهيئات القضائية الولائية من التحويلات الفيدرالية المستحقة للولايات، وتحويلها مباشرة إليها متى امتنعت حكومات الولايات عن الإفراج عنها. وقد طعنت الولايات الستة والثلاثون جميعها في دستورية الأمر أمام المحكمة العليا، مستندة إلى حجة مفادها أن الدستور لا يعترف بأي طرف ثالث يتدخل في العلاقة الفيدرالية القائمة حصراً بين الحكومة الاتحادية والولايات — وهي الحجة ذاتها التي أثيرت لاحقاً في قضية استقلالية الحكومات المحلية.
وفي فبراير 2022، أيّدت المحكمة العليا هذا الطعن بأغلبية ستة قضاة مقابل قاضٍ واحد، وأبطلت الأمر التنفيذي رقم 10 لتجاوز الرئيس صلاحياته الدستورية. ورغم أن هذا الأمر لم يكن معنياً بصورة مباشرة باستقلالية الحكومات المحلية، فإن مصيره شكّل سابقة تحذيرية مهمة: إذ أثبت أن الأوامر التنفيذية وحدها عاجزة عن فرض إصلاح مالي دائم في مواجهة معارضة منظمة من الولايات، وأن أي إصلاح راسخ يستلزم مساراً قضائياً أو دستورياً أكثر صلابة.
ثم جاء التطور الأخير والأكثر أهمية في يوليو 2024، عندما أكدت المحكمة العليا النيجيرية، في حكم تاريخي بالإجماع، السلطةَ الدستوريةَ للحكومة الفيدرالية لدفع مخصصات سلطات الحكم المحلي مباشرة إلى المجالس المحلية، متجاوزة حكومات الولايات. وأعلنت المحكمة أن الحكام الذين يحجزون أموال البلديات يتصرفون بشكل غير دستوري. ومع ذلك، أفاد مراقبو المجتمع المدني أن العديد من الولايات قد ابتكرت آليات إجرائية جديدة — بما في ذلك اتفاقيات حكومية بين الولايات والمجالس المحلية وبروتوكولات معدلة للحساب المشترك — لمواصلة ممارسة السيطرة على أموال البلديات، في غضون أشهر من صدور قرار المحكمة، مما يثبت أن الأحكام القضائية وحدها لا يمكنها زعزعة المصالح السياسية الراسخة.
وبحلول الذكرى الثانية للحكم في يوليو 2026، أظهرت المراجعات الصحفية والمدنية أن التطبيق ما زال بعيداً عن الاكتمال. فوفقاً لتحليل صادر عن صحيفة “بنش” استناداً إلى بيانات لجنة توزيعات إيرادات الاتحاد (FAAC) والمكتب الوطني للإحصاء ومكتب المحاسب العام للاتحاد، تلقّت الحكومات المحلية ما مجموعه 10.479 تريليون نيرة بين اجتماعات “FAAC” في يوليو 2024 ويونيو 2026، أي ما يعادل نحو 24.5% من إجمالي التوزيعات على مستويات الحكم الثلاثة، بزيادة سنوية بلغت نحو 33% في العام الثاني بعد صدور الحكم. غير أن هذا النمو في حجم المخصصات لم يقترن بدليل واضح على وصولها فعلياً إلى حسابات المجالس المحلية؛ إذ لا تزال ولايات كادونا وكانو وبينوي وبلاتو وسوكوتو وأبيا تُدير تحويلات مجالسها عبر الحساب المشترك القديم (JACC)، ولم تفتح أي من الوحدات المحلية الـ774 حتى تلك اللحظة حساباً مصرفياً لدى البنك المركزي النيجيري لتلقي مخصصاتها مباشرة، بينما رجّح مراقبون أن يظل الملف مرهوناً بحسابات السياسة الانتخابية قبيل انتخابات 2027.
التحديات الرئيسية أمام نجاح استقلالية الحكومات المحلية
تبقى التبعية المالية العائق الأشد خطورة في سبيل نجاح استقلال الحكومات المحلية في نيجيريا ؛ فبالرغم من أن الهدف من اعتماد الحساب المشترك بين الولاية والحكومة المحلية (JACC)، هو أن يعمل كقناة تحويل شفاف، فقد تحوّل فعلا إلى نقطة اختناق للاستنزاف السياسي. وبينما يأتي ما يزيد على 90% من إيرادات المجالس المحلية من حساب الحكومة الفدرالية، فإن الولاة يعترضون هذه الأموال باستمرار، ولا يُحيلون إلى مجالس الحكومات المحلية سوى أجزاء يسيرة منها، وقد لا يُحيلون شيئاً على الإطلاق أحيانا. وبذلك تجد الحكومات المحلية نفسها عاجزة مالياً في ظل نقص مواردها الضريبية الذاتية. وقد كشفت التحليلات الاستقصائية الصادرة عن “مركز الديمقراطية والتنمية” (CDD) ومؤسسة “BudgIT” أن العديد من الولايات لا تحوّل سوى ما يتراوح بين 20% إلى 40% فقط من مخصصات سلطات الحكم المحلي، بينما يتم امتصاص المتبقي في صناديق الولايات الموحدة أو توجيهه لمشاريع تخدم أولويات الولاة الشخصية بدلاً من المهام الأساسية للحكومات المحلية.
جدول بيانات توزيعات الدخل بين الحكومة الفيدرالية النيجيرية وحكومات الولايات والحكومات المحلية (2015-2025)

المصادر : المراجعات الربع سنوية لـ (FAAC) (2016–2025)؛ المكتب الوطني للإحصاء (NBS) — التقارير الشهرية لتوزيعات إيرادات الاتحاد (FAAC)؛ بلاغات وزارة المالية الاتحادية؛ مكتب المحاسب العام للاتحاد (OAGF).
وتُظهر أحدث مراجعة لبيانات FAAC، غطّت العامين الكاملين اللاحقين لحكم المحكمة العليا (يوليو 2024 – يونيو 2026)، أن مخصصات الحكومة الفيدرالية ارتفعت من 5.911 تريليون نيرة إلى 8.709 تريليون نيرة (بزيادة 47.3%)، بينما ارتفعت مخصصات الحكومات المحلية من 4.496 تريليون نيرة في السنة الأولى بعد الحكم إلى 5.984 تريليون نيرة في السنة الثانية (بزيادة 33.1%)، لتبلغ حصيلتها التراكمية على مدى العامين نحو 10.479 تريليون نيرة، أي ما يعادل 24.5% تقريباً من إجمالي التوزيعات على مستويات الحكم الثلاثة.
أما على الصعيد الانتخابي، فقد تعرضت لجان الانتخابات المستقلة بالولايات (SIEC) لعمليات تقويض ممنهجة، حيث أصبح الولاة يُحكمون قبضتهم على هذه اللجان بصورة فعلية، مما يُمكّنهم من تنظيم انتخابات صورية تُعيد موالِيهم إلى مناصب المجالس، أو من حلّ المجالس المنتخبة واستبدالها بلجان تسيير مؤقتة لا تخضع لأي محاسبة. والنتيجة أن معظم المجالس المحلية في أي وقت من الأوقات تُدار بأيدي معيَّنين سياسياً لا بأيدي ممثلين منتخبين. وفي ولاية لاغوس على سبيل المثال، حقق حزب مؤتمر التقدميين (APC) اكتساحاً كاملاً في كل انتخابات محلية منذ التأسيس. وقد عزى المنتقدون هذا النمط إلى تلاعب الولاة باللجان الانتخابية وغياب الشفافية في عمليات الفرز على مستوى المحليات، مما جعل مجالس لاغوس — وهي أغنى ولايات نيجيريا — تعمل دون مساءلة ديمقراطية حقيقية أمام مواطنيها. وهكذا الحال في ولايات متعددة.
وفي سياق متصل، تقدم ولاية “إيمو” نموذجاً صارخاً للتكلفة الباهظة لتفكيك المجالس المحلية المنتخبة، حيث قام الحاكم هوب أوزودينما بحل تلك المجالس وتعيين لجان تسيير أعمال من الموالين سياسياً، في خطوة تنتهك المادة السابعة من دستور عام 1999 التي تفرض وجود مجالس منتخبة ديمقراطياً. وهذه اللجان، التي تفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، تعمل كامتيازات لمكتب الحاكم وتفتقر تماماً للمساءلة أمام السكان المحليين.
وتتجاوز سطوة الولايات الجوانب المالية والانتخابية لتصل إلى التبعية الإدارية المطلقة، حيث يفرض الحكام قراراتهم بشكل كبير على شؤون تقع في اختصاص الحكومات المحلية وفق نصوص الدستور. ففي عدة ولايات شمالية، يتدخل الحكام مباشرة في تعيين رؤساء سلطات التعليم المحلي وصرف رواتب المعلمين وتحديد أولويات المشاريع الرأسمالية، مستبدلين بذلك تقدير المجالس المحلية بتفضيلاتهم الشخصية.
وإن المحرك الأساسي لكل هذه الممارسات هو الاقتصاد السياسي لمناهضة الإصلاح، حيث يمتلك حكام الولايات النيجيرية شبكات محسوبية هائلة تُعتبر الحكومات المحلية عقدًا مركزية فيها لتوفير الوظائف والعقود والبنية التحتية للحشد الانتخابي. ومن ثم، فإن تمكين المجالس المحلية بشكل حقيقي يعني خلق 774 مركز قوة محتملاً قادراً على تحدي سلطة الحكام، وهذا ما يفسر لماذا يندر قيام الحكام — حتى أولئك الذين يتحدثون علناً لصالح استقلال المحليات — بتنفيذ ذلك فعلياً بمجرد توليهم المنصب. إن الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي الداعم للاستقلال وبين الواقع المرير ليست محض صدفة، بل هي النتيجة المتوقعة لبنية سياسية واقتصادية قائمة على مركزية السلطة المطلقة.
مواقف المحللين والمجتمعات المدنية من استقلالية الحكومات المحلية
استقبل كثير من المراقبين المرسومَ التنفيذي رقم 10 –الذي أصدره الرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري لصالح استقلالية الحكومات المحلية- بوصفه إجراءً جريئاً لكسر هيمنة الحكام على المجالس المحلية. فقد وصفه مركز السياسات والمناصرة القانونية (PLAC) بأنه إضفاء “للأسنان” على قانون التعديل الدستوري الرابع لعام 2017، الذي كفل الاستقلال المالي للسلطتين التشريعية والقضائية في الولايات إلا أنه ظل حبراً على ورق. ورأى المراقبون أن الحكام حوّلوا القضاء إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، وأن مرسوم بخاري ذاك جاء لكسر هذه الهيمنة البنيوية.
غير أن المنتقدين رفعوا اعتراضات دستورية وجيهة؛ إذ أكد المحلل القانوني وونمي بيواجي (Wunmi Bewaji) من تحالف الديمقراطيين لإصلاح الانتخابي (CODER) أن المرسوم ينتهك البنية الاتحادية للدولة، مستنداً إلى أن الاتحاد الفيدرالي بموجب الدستور قائم بين الحكومتَين الفيدرالية والولائية دون أن اعتراف بالحكومات المحلية كوحداتٍ اتحادية بموجب نص الدستور. وقد أيّدت المحكمة العليا هذا الطعن لاحقاً بإبطال المرسوم، مؤكدةً أن الإصلاح الهيكلي الدائم لا يتحقق بمراسيم تنفيذية، بل بالتقاضي والتعديل الدستوري.
وبعد أن أصدرت المحكمة العليا في 11 يوليو 2024 حكماً تاريخياً، أكدت فيه الاستقلال المالي لجميع الوحدات المحلية البالغة 774 وحدة، وقضت بعدم دستورية توجيه التخصيصات عبر الحسابات المشتركة الخاضعة لسيطرة الولايات، رحّبت المجتمعات المدنية بالحكم ترحيباً حاراً؛ فوصفته غرفة الأوضاع في المجتمع المدني النيجيري — وهي تحالف يضم أكثر من سبعين منظمة — بأنه “تدخل مهمّ في المسيرة الديمقراطية لنيجيريا”، مطالِبةً الولايات بالامتثال الفوري. كما أبدى شركاء حوكمة مجموعة بالاديوم، العاملون ضمن برنامج PERL منذ 2015، أملاً في أن يُشكّل الحكم نقطة تحول في قطاعات الصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية التي طالما “كبّلها غياب الاستقلالية الحكومية”.
بيد أن المحللين وممثلي المجتمع المدني أبدوا قلقاً مشروعاً؛ إذ حذّر مدير برنامج PERL قائلا: “إن أضعنا هذه اللحظة، سنعود إلى نقطة الصفر.” وقد صدقت هذه التحذيرات؛ ففي يناير 2025 أخفق البنك المركزي النيجيري في تنفيذ التحويلات المباشرة لحسابات الوحدات المحلية، فيما سعت ولايات كأنامبرا إلى التحايل على الحكم بتشريعات محلية تُعيد توجيه التخصيصات الفيدرالية عبر حسابات مشتركة خاضعة لسيطرة الولاية، في التفافٍ قانوني مكشوف على مضمون الحكم.
ويمكن الاستنباط مما سبق أنه يتفق الباحثون وممثلو المجتمع المدني والمحللون السياسيون على موقف مشترك بخصوص استقلالية الحكومات المحلية، وهي: أن كلّا من المرسوم التنفيذي لبخاري وحكم المحكمة العليا لعام 2024 تدخلٌ ضروري، لكن لا أحدهما يكفي وحده لتحقيق الاستقلالية الفعلية المنشودة للحكومات المحلية. ويرى الأستاذ المشارك قاسم عويدل لامدي من جامعة أوبافيمي أوولو أن الحكم يستلزم جملةً من الإصلاحات المؤسسية لاستكمال أثره، منها آليات مستقلة لمكافحة الفساد على مستوى الوحدات المحلية، وإنشاء هيئة مظالم للحكومة المحلية، والتوظيف القائم على الكفاءة في الخدمة المدنية، وأنظمة الميزانية الشفافة التي تُمكّن المواطنين من متابعة الإنفاق.
السيناريوهات المستقبلية
ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة تطرح نفسها على الساحة السياسية النيجيرية في ما يخص مسألة استقلالية الحكومات المحلية. ويتمثّل السيناريو الأول في إجراء تعديل دستوري؛ أي المراجعة الرسمية لدستور عام 1999 بهدف منح الحكومات المحلية استقلاليةً صريحة في شؤون المال والإدارة، وتحصين لجان الانتخابات المحلية المستقلة من الهيمنة السياسية للولايات، وسلب الأخيرة صلاحية حلّ المجالس المنتخبة. غير أن هذا المسار ينطوي على عقبات سياسية جوهرية، إذ يستلزم موافقة المجالس التشريعية للولايات التي يُعدّ أعضاؤها في الغالب من المستفيدين من الوضع الراهن. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار الحلَّ الأكثر ديمومةً وأعمقَ أثراً في بنية الحوكمة الاتحادية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا السيناريو لم يعد نظرياً بحتاً؛ إذ صوّت مجلس النواب النيجيري في ديسمبر 2025 على الدفعة الأولى من 44 مشروع تعديل دستوري، ثم أعلنت الجمعية الوطنية في يونيو 2026 عن قائمة مُحدَّثة تضم 37 مشروعاً ذا أولوية من أصل 260 اقتراحاً، تشمل ثلاثة مشاريع قوانين مخصصة تحديداً لضمان الاستقلال المالي للحكومات المحلية، والاعتراف الدستوري الصريح بها كطبقة حكم محمية، وعزل لجان الانتخابات المستقلة بالولايات عن هيمنة الحكام. بيد أن مصير هذه المشاريع يظل رهيناً بالعقبة التاريخية ذاتها التي أفشلت محاولات مماثلة سابقاً: وهي ضرورة حصولها على موافقة ثلثي مجالس الولايات التشريعية، وهي الهيئات التي يهيمن عليها غالباً حلفاء الحكام المستفيدين من الوضع القائم.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تطبيق حكم المحكمة العليا الصادر عام 2024، مدعوماً بإرادة تنفيذية راسخة وضغط مستدام من مؤسسات المجتمع المدني. فإذا أقدمت الحكومة الاتحادية على تحويل مخصصات الحكومات المحلية إليها مباشرةً بصورة منتظمة، وفرضت تبعات فعلية على الولايات غير الممتثلة، فإن الإصلاح التدريجي يغدو في متناول اليد دون الحاجة إلى تعديل دستوري. بيد أن مسار هذا السيناريو يظل رهيناً في معظمه بمدى توافر الإرادة السياسية في مركز القرار الاتحادي.
وأما السيناريو الثالث — وهو الأرجح تحققاً في غياب تدخّل سياسي حازم — فهو سيناريو الاستمرارية والجمود؛ حيث تتكرّر دورة مألوفة من التصريحات الإصلاحية، وانتصارات قضائية، وإخفاق في التطبيق، تبقى بموجبها الحكومات المحلية مستقلةً من الناحية الشكلية، خاضعةً عملياً لسلطة الولايات. وهذا السيناريو لا يعني مجرد الركود؛ بل يُجسّد عجزاً ديمقراطياً فاعلاً، تظل بموجبه ملايين النيجيريين محرومين من خدمات مستوى حكومي قائم على الورق أكثر مما هو قائم على أرض الواقع.
الخاتمة
إن أزمة الحكم المحلي في نيجيريا هي في جوهرها أزمة إرادة سياسية. فالنصوص الدستورية قائمة، والقرارات القضائية تسير في أغلب اتجاهاتها نحو تكريس الحقوق، والتوافق المدني واضح وجليّ. غير أن ما يظل بعيد المنال هو التزام أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة على مستوى الولايات — والذين يخسرون بالتخلي عنها — بالوفاء بروح الفيدرالية التي يُلزمهم الدستور صراحةً بصونها والتمسك بها.
وإن الاستقلالية الحقيقية للحكومات المحلية في نيجيريا ليست حاشيةً إدارية عابرة، ولا تفصيلاً هامشياً في بنية الحوكمة. بل هي الشرط الجوهري الذي بموجبه يمكن للحكم الديمقراطي أن يبلغ غالبية النيجيريين الذين يعيشون خارج دائرة نفوذ العواصم الفيدرالية والولائية. ومن ثَمّ، فإن سدّ الهوّة القائمة بين النص الدستوري والواقع السياسي ليس مجرد ضرورة حوكمية — بل هو التزام ديمقراطي لا يقبل التهاون أو التسويف.

أحمد البدوي عبد الرحيم
باحث في شركة الأفارقة للدراسات والاستشارات