في الأسبوع الأول من شهر يوليو 2026، نشبت أزمة دبلوماسية بين غانا وجنوب أفريقيا، بعد أن ألغت السلطات الغانية زيارة كانت مقررة لرئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا إلى العاصمة الغانية أكرا في الأسبوع الأول من أغسطس 2026. وتهدف هذه الزيارة، التي وُصفت بأنها زيارة دولة، إلى تعزيز العلاقات التاريخية بين البلدين وإتاحة الفرصة لإجراء مناقشات حول التعاون الثنائي.
ولقد جاء هذا التأجيل في أعقاب تصاعد موجة من أعمال العنف الموجهة ضد الأجانب (الزينوفوبيا) في مختلف أنحاء جنوب أفريقيا، والتي تسببت في نزوح المهاجرين من غانا ودول أفريقية أخرى مثل نيجيريا، وزيمبابوي، وملاوي. ودفعت هذه الهجمات المتصاعدة والاحتجاجات الحاشدة العديد من الحكومات الأفريقية إلى تنظيم عمليات إجلاء طارئة لمواطنيها.
ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا التقرير الأسباب الكامنة وراء هذا الخلاف الدبلوماسي، والمواقف الرسمية لكلتي الحكومتين، والوضع الحالي لعلاقاتهما، والمسار المتوقع لهذا النزاع.
الموقف الرسمي لغانا
وفقاً للسلطات الغانية، فإن قرار الاعتذار عن عدم استقبال الرئيس رامافوزا في أكرا يأتي نتيجة لارتفاع وتيرة العنف المناهض للأجانب في مناطق عدة من جنوب أفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة. وقد أدى هذا الوضع إلى إعادة نحو ألف مواطن غاني إلى بلادهم، في حين سُجِّل 900 غاني آخرين بانتظار ترحيلهم. كما وردت تقارير تفيد بمقتل مواطن غاني يُدعى “بشيرو إسحاق” (40 عاماً) في منطقة كايليتشا خلال هجمات وقعت في 30 يونيو، عندما كثّف مواطنو جنوب أفريقيا حملتهم ضد المهاجرين الأفارقة في البلاد؛ وهو حادث وصفته السلطات الغانية بأنه “عمل عنف طائش يعكس تصاعد حركات كراهية الأجانب”.
وأكد المتحدث باسم الحكومة، فيليكس كواكي أوفوسو، أن أكرا أبلغت بريتوريا رسمياً بقرار تأجيل الزيارة، موضحاً الأسباب بشكل مباشر، حيث قال: “أرسلنا لهم مكتوبة تفيد بأنه من الأفضل تأجيل الزيارة بالنظر إلى المناخ الحالي المحيط بقضية الزينوفوبيا”. وأشارت التقارير إلى أن “الحكومة الغانية تشعر بقلق عميق إزاء سلامة وكرامة مواطنيها في جنوب أفريقيا” ولا يمكنها المضي قدماً في الزيارة رفيعة المستوى المقررة في أغسطس “تحت ظل الظروف الحالية”.
ووصف مصدر دبلوماسي غاني موقف الحكومة بعبارات حاسمة قائلاً: “إن موقف الحكومة بشأن حماية الغانيين في الخارج أمر غير قابل للتفاوض”. وأكد المصدر أن هذه الرسالة نُقلت بوضوح إلى جنوب أفريقيا، مع حثها على اتخاذ إجراءات حقيقية لوقف الهجمات وتأمين سلامة المواطنين الغانيين، وهو ما يجب أن يتحقق قبل إجراء أي زيارة رسمية.
موقف جنوب أفريقيا
ردت السلطات في جنوب أفريقيا على الرفض الغاني لزيارة الرئيس رامافوزا بالتشكيك في الحقائق والملامح الدبلوماسية لهذا الخلاف. وفيما يتعلق بحادثة القتل المتنازع عليها، ذكرت شرطة جنوب أفريقيا أنه ليس لديها أي سجل لأي حادثة من هذا القبيل في منطقة كايليتشا، وأصرت على أن الضحية الغانية الوحيدة هو “كوابينا بواجين” (35 عاماً)، وأن وفاته لا علاقة لها بالاحتجاجات على الإطلاق، حيث قُتل بالرصاص في 29 يونيو في هجوم يُشتبه في ارتباطه بعملية ابتزاز داخل صالون حلاقة في منطقة نيانغا بمدينة كيب تاون.
واتهمت وزيرة العدل في جنوب أفريقيا، ممامولوكو كوباي، حكومة غانا مباشرة بنشر معلومات مضللة، وقالت: “من المقلق أن تستمر السلطات الغانية في نشر معلومات خاطئة مضلّلة عن جنوب أفريقيا فيما يتعلق بالتطورات المرتبطة بالهجرة غير النظامية”. وأضافت: “إن نشر معلومات كاذبة لتكريس رواية غير صحيحة بأن جنوب أفريقيا معادية للأجانب أمر غير مقبول”.
كما شككت بريتوريا في فكرة أن “زيارة دولة” كانت مطروحة من الأساس؛ حيث أوضح المتحدث باسم الرئاسة، فينسينت ماغوينيا، أن الزيارة مرتبطة حصرياً بانعقاد اللجنة الثنائية المشتركة بين غانا وجنوب أفريقيا وليست زيارة دولة رسمية. وقال: “كان الطلب يهدف إلى تأكيد موعد انعقاد اللجنة الثنائية التي يرأسها رئيسا البلدين بشكل مشترك، والتي تم الاتفاق عليها بالفعل بعد الاجتماع الأخير للجنة. لم يكن هناك أي طلب لإجراء زيارة دولة”.
وقلل ماغوينيا من شأن أي حديث عن وجود أزمة دبلوماسية، مطمئناً الصحفيين بأن جنوب أفريقيا لا ترى أي مبرر لنشوء خلاف دبلوماسي مع غانا، قائلاً: “لا نعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك أي توتر على الإطلاق مع غانا”.
الوضع الحالي للأزمة الدبلوماسية
يكمن خلف البيانات الرسمية الواردة خلاف جوهري حول الحقائق الأساسية؛ فموقف غانا يرتكز على مقتل أحد مواطنيها وسط اضطرابات معادية للأجانب، وشعور الحكومة بأنه لا خيار أمامها سوى إعطاء الأولوية لسلامة جاليتها في الخارج على حساب المظاهر الدبلوماسية لزيارة رفيعة المستوى.
وفي المقابل، ترى جنوب أفريقيا أن الزيارة مجرد دورة عادية للجنة الثنائية المشتركة وليست زيارة دولة، وتعتبر رواية غانا غير دقيقة وأنها تضر بسمعتها.
ولم تتراجع أي من الحكومتين عن موقفها حتى الآن؛ وما نشهده حالياً هو مواجهة لا تتعلق بالزيارة نفسها بقدر ما تتعلق بالرواية التي ستلقى قبولاً أوسع نطاقاً داخل القارة الأفريقية.
المسار المتوقع لهذا النزاع
من غير المرجح أن تكون الزيارة الملغاة نهاية هذا التوتر الدبلوماسي؛ فقد نقلت غانا هذا النزاع بالفعل إلى خارج القنوات الثنائية قبل إلغاء الزيارة بفترة طويلة. ففي مايو 2026، تقدم وزير الشؤون الخارجية الغاني، صامويل أوكودزيتو أبلاكوا، بالتماس رسمي إلى الاتحاد الأفريقي، حيث كتب إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي يطلب فيه إدراج الهجمات المناهضة للأجانب في جنوب أفريقيا على جدول أعمال اجتماع التنسيق نصف السنوي الثامن للاتحاد الأفريقي في مصر.
ووصف الالتماس أعمال العنف بأنها مسألة ذات “اهتمام قاري عاجل”، وحذر من أنها “تُضعف روح الوحدة الأفريقية (Pan-Africanism)”، داعياً الاتحاد الأفريقي إلى تعزيز آليات المراقبة وتشكيل بعثة رسمية لتقصي الحقائق للتحقيق في الأسباب الجِذرية لهذه الهجمات. ودفعت غانا بأن الأزمة تنتهك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وتقوض أهداف حرية الحركة والتنقل التي تسعى إليها منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وجاء رد جنوب أفريقيا على التماس غانا حاداً بدورها، حيث وصفت خطوة غانا بتصعيد الأمر إلى الاتحاد الأفريقي بأنها “مؤسفة”. وردت وزارة العلاقات الدولية والتعاون في بريتوريا بأنها تحركت بالفعل بحسم ضد الاضطرابات، حيث صرح الوزير رونالد لامولا قائلاً: “نحن شعب يعيش على قيم ’أوبونتو‘ (الإنسانية تجاه الآخرين). ولا ينبغي لنا أبداً أن نسمح للمخاوف المشروعة لمجتمعاتنا بشأن الهجرة غير الشرعية بأن تولد أحكاماً مسبقة تجاه إخواننا الأفارقة”.
ومع ذلك، ليست غانا وحدها من ينتقد حكومة جنوب أفريقيا بسبب الحملة الواسعة ضد المهاجرين؛ إذ تواجه دول أخرى لديها جالية كبيرة في جنوب أفريقيا، مثل زيمبابوي ونيجيريا وموزمبيق، ضغوطاً محلية مماثلة لحماية مواطنيها، وتضم أصواتها مع غانا لإدانة الهجمات. فقد استدعت نيجيريا المفوض السامي لجنوب أفريقيا بعد مقتل مواطنَيْن نيجيريَّيْن، وبدأت في تسهيل العودة الطوعية لمواطنيها. كما قدمت موزمبيق شكاوى رسمية بشأن معاملة مواطنيها، بينما أصدرت كينيا وملاوي وليسوتو وزيمبابوي تحذيرات سفر لمواطنيها من وإلى جنوب أفريقيا تنبههم فيها من المخاطر.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن تبني الاتحاد الأفريقي لالتماس غانا رسمياً من عدمه، أو نجاح جنوب أفريقيا في إعادة تأطير النقاش حول الهجرة غير النظامية بدلاً من كراهية الأجانب، هو ما سيحدد حجم الضغوط الدبلوماسية التي ستواجهها بريتوريا مستقبلاً.
علاوة على ذلك، إذا تم حسم حقيقة حادثة القتل التي وقعت في 29/30 يونيو بشكل مستقل بين الحكومتين، وأظهرت جنوب أفريقيا تقدماً ملموساً في حماية المهاجرين، فقد تصبح تلك الزيارة المؤجلة للجنة الثنائية المشتركة هي الساحة التي تحاول فيها الحكومتان التوفيق بين روايتيهما المتضاربتين، والمكان الذي يُختبر فيه مطلب غانا بضمانات أمنية ملموسة.
ومع تعبير نيجيريا وموزمبيق ودول أخرى عن مظالم مماثلة، تواجه جنوب أفريقيا تحدياً أوسع يتعلق بمصداقيتها في القارة بأكملها، وليس مع غانا وحسب؛ مما يرفع سقف المطالب لبريتوريا لإظهار محاسبة فعلية وواضحة بدلاً من الاعتماد على سياسة الإنكار وحدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
** المقال مترجم من أصل إنجليزي، وهو متوفر عبر الرالط أدناه
Ghana-South Africa Relations: A Review of the Diplomatic Fallout Amid Ongoing Xenophobia
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.