ما هو اتفاق أكرا 2026؟
في مُحاولة لتعزيز الحضور الأوروبي في غرب إفريقيا، اتجه الاتحاد الأوروبي في 24 مارس 2026، لتوقيع الشراكة الأمنية والدفاعية مع غانا، وتُعد هذه الشراكة الأولى من نوعها بين الاتحاد الأوروبي ودولة إفريقية، وهو ما يعكس إدراكاً بأن “أمن أوروبا وإفريقيا مترابط بعمق”. وعليه، يحاول هذا المقال الإجابة عن عدد من التساؤلات: أولاً، ما طبيعة وأبعاد الشراكة الأمنية والدفاعية بين الجانبين؟ ثانياً، ما العوامل المحفزة لتوقيعها؟ ثالثاً، كيف تنعكس هذه الشراكة على موازين القوى في غرب إفريقيا؟
ما هي أبعاد الشراكة الأمنية والدفاعية؟
يتمحور الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وغانا حول بلورة رؤية مُشتركة حيال التهديدات الأمنية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتعميق الشراكة في قضايا السلام والأمن والدفاع، بما يتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للأمن في غانا التي تم صياغتها عام 2020، والبوصلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي (Strategic Compass for Security and Defence) الصادرة عام 2022، مما يضمن ربط الاتفاق بالاستراتيجيات الوطنية للجانبين. وعليه، نجد أن الاتفاق لم يقتصر على المفهوم التقليدي للأمن، بل امتد ليشمل المجالات الأمنية غير التقليدية، وهو ما يمكن ملاحظته عند استعراض أبرز بنود الاتفاق بحسب ما تم إعلانه على موقع الاتحاد الأوروبي، والتي يمكن تناولها، وذلك على النحو التالي:
- التعاون بشأن معالجة التهديدات الأمنية البحرية: تم التوافق على تنظيم مناورات بحرية مشتركة بين البحرية الغانية وقوات بحرية تابعة لدول الاتحاد الأوروبي، بهدف مواجهة المخاطر التي تهدد الملاحة البحرية وأمن الممرات المائية، وأبرزها الاتجار بالمخدرات، والقرصنة، والصيد غير القانوني. فمن خلال دمج الأمن البحري في إطار الشراكة الأمنية، يمكن تحقيق مكاسب مشتركة للطرفين. فتعزيز الأمن البحري وحماية الممرات المائية يسهمان بشكل مباشر في دعم اقتصاد غانا، الذي بات يعتمد بشكل متزايد على الأنشطة البحرية. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن سعيه لتأمين إمداداته من الطاقة يأتي في ظل التوترات الجيوسياسية التي أعقبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وبناءً على ما تقدم، يُعد التعاون الأوروبي مع غانا لتأمين الملاحة في خليج غينيا استثماراً في أمن الطاقة الأوروبي.
- مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف العنيف: التعاون بشأن مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف العنيف، من خلال تعزيز الإدماج الاجتماعي للمجتمعات المهمشة، ومعالجة الأسباب الجذرية الأخرى للإرهاب، وتجفيف منابع تمويل الإرهاب.
- التعاون بشأن ضبط الحدود: سيتم التنسيق المُشترك بشأن الإدارة المتكاملة للحدود ومكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود، والاتجار غير المشروع، ولا سيما الاتجار بالأسلحة والمخدرات، وتهريب المهاجرين، والاتجار بالأشخاص.
- مواجهة التهديدات السيبرانية: تكثيف التنسيق بشأن مجال الأمن السيبرانى، من خلال تعزيز الحوار وتبادل المعلومات بشأن الهجمات الالكترونية كالقرصنة والهجمات على البنية التحتية الحيوية، إلى جانب العمل على بناء القدرات السيبرانية وتدريب الكوادر في غانا للتصدي للجرائم الالكترونية.
- رصد تهديدات التلاعب بالمعلومات: للحفاظ على الاستقرار والتماسك المجتمعي، سيتم تعزيز قدرات التعاون لرصد التهديدات الناجمة عن التلاعب بالمعلومات والتصدي لها في غانا، مع العمل على تعزيز قدرات وسائل الاعلام والمجتمع المدني في غانا على مواجهة التلاعب بالمعلومات.
- تعزيز قدرات القوات المسلحة الغانية: سيقوم الاتحاد الأوروبي من خلال آلية مرفق السلام الأوروبي (EPF) اتخاذ عدد من التدابير لبناء قدرات غانا في مجالي الدفاع والامن، لتعزيز الامن على الصعيد الداخلي، ومواجهة التهديدات القادمة من منطقة الساحل، والقرصنة في خليج غينيا. علاوة على ذلك، تعزيز التعاون مع الكلية الأوروبية للأمن والدفاع لتأهيل وتدريب الكوادر الأمنية في غانا.
- تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة: يدعم الاتحاد الأوروبي جهود غانا في تنفيذ الخطة الوطنية بشأن المرأة والسلام والأمن، وسيتعاون الطرفان لتمكين المرأة باعتبارها ركيزة أساسية للسلام والاستقرار، والعمل على حلحلة العراقيل التي تحول دون مشاركة المرأة، والتصدي بشكل جماعي لتحديات مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي وتراجع حقوق المرأة.
- الأمن الصحي: هناك توافق بين الجانبين بأن الأمن الصحي ركيزة أساسية للأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي، ومن هذا المنطلق سيتم تبادل المعلومات بشأن قضايا الصحة العالمية، وكذلك التأهب للأزمات الصحية العالمية والاستجابة لها.

على يسار الصورة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس ، وعلى يمين الصورة نائبة رئيس جمهورية غانا، جين نانا أوبوكو-أغيمانج في توقيع الشراكة الأمنية والدفاعية بين الاتحاد الأوروبي وغانا في العاصمة الغانية أكرا، مصدر الصورة: موقع الاتحاد الأوروبي.
ما هي الاعتبارات الجيوسياسية للاتفاق؟
يهدف هذا الجزء إلى تجاوز التركيز على الشراكة الدفاعية الثنائية، محاولاً قراءة الحدث من منظور دولي وإقليمي أوسع، وهو ما يمكن تناوله، وذلك على النحو التالي:
- تباعد أمريكي – أوروبي: يشهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) حالة من التوتر الشديد بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، تجسدت بوضوح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع هذا العام بشأن توزيع التكاليف داخل الحلف. فترامب يرى أن الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من الإنفاق الدفاعي (نحو 68%)، مطالباً حلفاءه الأوروبيين برفع إنفاقهم إلى 5% من ناتجهم المحلي، أي أكثر من ضعف المستوى المستهدف حالياً (2%) . وهذا الضغط الأمريكي دفع الاتحاد الأوروبي إلى الإسراع في تحقيق “الاستقلال الدفاعي الأوروبي”، عبر مبادرات مثل “إعادة تسليح أوروبا” (Rearm Europe) . وقد تزامن هذا التوجه مع التوجه الأوروبي لتعزيز الحضور في مناطق استراتيجية خارج حدود القارة، تأميناً لمصادر الطاقة وحماية من التهديدات غير التقليدية. وتأتي منطقة غرب إفريقيا، ولاسيما خليج غينيا، على رأس هذه المناطق. وفي هذا السياق، يندرج الاتفاق الدفاعي بين الاتحاد الأوروبي وغانا، ليجسد ترجمة لهذا التوجه الأوروبي.
- محفزات الشراكة الأوروبية مع غانا: تتبنى غانا نموذجاً سياسياً قائماً على التعددية والديمقراطية وسيادة القانون، وهو ما يتماشى مع القيم الأوروبية، إلى جانب امتلاك غانا سواحل حيوية على طول خليج غينيا. لذا، يُعد تأمين الملاحة فيها ركيزة أساسية لأمن الطاقة الأوروبي. ولكن نجد أن هناك تحديات أمنية، قد تهدد الاستقرار في غانا، فوفقاً لتقرير الإرهاب العالمي لعام 2026، أن منطقة غرب إفريقيا تحولت إلى بؤرة للتنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة، لا سيما “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، في وقت تشهد فيه دول مجاورة لغانا مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا نشاطاً إرهابياً ملحوظاً. وقد حفزت هذه المعطيات الاتحاد الأوروبي على عقد شراكة دفاعية مع غانا، تهدف إلى تعزيز قدراتها الأمنية لمنع تسلل التنظيمات الإرهابية من دول الجوار. وبذلك يساهم هذا التعاون في خلق منطقة عازلة تحمي الساحل الأوروبي الجنوبي من موجات الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
- إعادة تشكيل التحالفات في غرب إفريقيا: يبدو أن الاتفاق الدفاعي المبرم بين غانا والاتحاد الأوروبي سيساهم في تعميق الاستقطاب في بنية التحالفات الأمنية في غرب إفريقيا. فمن جهة، يتشكل المعسكر الأول من الدول التي لا تزال تدور في فلك النفوذ الغربي، وتأتي غانا على رأس هذه الدول باعتبارها شريكاً محورياً للاتحاد الأوروبي في المجال الدفاعي. على النقيض من ذلك، يضم المعسكر الثاني الدول التي اتخذت خطوات واضحة للابتعاد عن النفوذ الغربي، ويأتي على راس هذه الدول كلاً من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الدول التي شكلت “تحالف دول الساحل” (AES) . وفى ظل هذا الاستقطاب، تعتبر غانا الاتفاق تعزيزاً لأمنها الوطني، بينما تنظر دول التحالف إلى الاتفاق الدفاعي باعتباره أداةً من أدوات إعادة إنتاج الهيمنة الغربية وتقويضاً لاستقلالية القرار الإفريقي.
- تراجع الثقة بالنموذج الأمني الروسي بالساحل: تعاني دول تحالف الساحل الموالية لروسيا من تدهور أمنيحاد. ونجد أن المؤشر الأبرز لذلك يتضح جلياً في قيام متمردي الطوارق من “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (المرتبطة بالقاعدة) بشن هجمات تكتيكية في يومي 25 و26 أبريل 2026، والتي بموجبها تم استهداف عاصمة مالي باماكو والرموز العسكرية. فقد تم شن هجمات ضد قاعدة “كاتي” العسكرية، وصولاً إلى اغتيال وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، ويُعد اغتياله خسارة باعتباره أحد الرموز العسكرية في مالي الموالية لروسيـا، وذلك في ضوء تلقيه التدريبات العسكرية في روسيا، كما كان أبرز المدافعين عن استبدال الشراكة الأمنية الفرنسية بالروسية.
تعكس هذه الشواهد ضعف فاعلية المؤسسات الأمنية المالية في السيطرة على مجريات الأحداث، إلى جانب هشاشة التحالف الأمني مع روسيا، التي تنتشر قواتها في مالي تحت مظلة “فيلق إفريقيا” (Africa Corps) التابع لوزارة الدفاع الروسية. فقد تم إسقاط طائرة هليكوبتر روسية في 25 أبريل، وإعلان خسائر بشرية في صفوف “فيلق إفريقيا”، وهو ما يُعد مؤشراً لهشاشة القدرات الأمنية والاستخباراتية الروسية وضعف فاعلية التحالف معها، بينما نجد تفوقاً نوعياً للقدرات العسكرية التي يمتلكها التحالف المكون من الحركات الانفصالية “كجبهة تحرير أزواد” والتنظيمات الإرهابية “كجماعة نصرة الإسلام والمسلمين”. في ضوء هذه المعطيات، نجد أن التدهور الأمني لن يقتصر على مالي فحسب، بل من المحتمل أن يمتد ليشمل دول الجوار في غرب إفريقيا مثل النيجر وبوركينافاسو وغانا. وبالتركيز على غانا، نجد أنه من المرجح أنها ستعمل على توظيف الشراكة الدفاعية مع الاتحاد الأوروبي، لتزويدها بالمعلومات الاستخباراتية والمعدات العسكرية لتعزيز قدرتها على تأمين حدودها الشمالية المتاخمة لدول الساحل غير المستقرة، لمنع تسلل الإرهابيين والتصدي لموجات الهجرة غير الشرعية. لا شك أن هذه الجهود ستصب لصالح الجانب الأوروبي، حيث إذا أصبحت غانا -والتي تُعد بمثابة البوابة البحرية التي تنطلق منها قوارب الهجرة نحو أوروبا- غير مستقرة، فإن أوروبا ستواجه أزمة هجرة وإرهاب غير مسبوقة.
الخلاصة
يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يسعى لاتخاذ خطوات عملية مدروسة لاستعادة نفوذه المتراجع في غرب إفريقيا، وذلك من خلال إبرام شراكات أمنية ودفاعية مع الدول الموالية له في المنطقة. ولا شك أن الجانب الأوروبي سيعمل على استغلال الإخفاق الأمني الروسي في دول المنطقة، عبر توسيع الشراكات الدفاعية مع عدد منها، بهدف حمايتها من التدهور الأمني. لذا، فمن المحتمل أن تتراجع رغبة دول أخرى في الانضمام إلى التحالف مع روسيا، وتفضيل خيار التحالف مع الجانب الأوروبي.
ــــــــــــــــ
المصادر
- Ghana: Press release on the signing of a Security and Defence Partnership and handover of EPF military equipment, European Union, 24 March 2026, available at: https://www.eeas.europa.eu/eeas/ghana-press-release-signing-security-and-defence-partnership-and-handover-epf-military-equipment_en
- EU and Ghana sign Security and Defence Partnership and strengthen cooperation with new equipment handover, European Union, 24 March 2026, available at: https://www.eeas.europa.eu/eeas/eu-and-ghana-sign-security-and-defence-partnership-and-strengthen-cooperation-new-equipment-handover_en
- Angelica Rhoda, EU and Ghana Sign Security and Defence Partnership, EUR 50m Military Equipment Handed Over, Newz.Africa,25 March 2026, available at: https://newz.africa/2026/03/25/ghana-eu-security-defence-partnership/
- Nusrat Essah,Rahman Shaban, EU-Ghana Security and Defence Partnership: The FIMI and cybersecurity components, Ghana Fact, April 2, 2026, available at: https://ghanafact.com/eu-ghana-security-and-defence-partnership-the-fimi-and-cybersecurity-components/
- Global Terrorism Index 2026: Measuring The Impact Of Terrorism, Institute for Economics & Peace, March 2026, available at: https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/Global-Terrorism-Index-2026-Report.pdf
- Joshua Posaner, Laura Kayali, Julius Brinkmann and Oliver Noyan, Europe splits on Trump’s call to dramatically boost defense spending, POLITICO, January 2025, available at: https://www.politico.eu/article/donald-trump-tells-allies-spend-5-percent-gdp-defense-nato/
- Gregorio Sorgi, EU pushes emergency plan to send €150B in defense loans to governments, POLITICO, March 4, 2025, available at: https://www.politico.eu/article/ursula-von-der-leyen-proposes-new-150b-common-defense-fund-military-spending/
- Ghana’s Deal with Brussels Undermines Pan-Africanism in Accra, GhanaWebbers, April 2026, available at: https://www.ghanawebbers.com/GhanaHomePage/NewsArchive/Ghana-s-Deal-with-Brussels-Undermines-Pan-Africanism-in-Accra-2135594
- وضع أمني حرج في مالي مع سيطرة المتمردين الطوارق على كيدال، سكاي نيوز عربية، 26 أبريل 2026، متاح على الرابط التالي: https://www.skynewsarabia.com/world/1866382-%D9%88%D8%B6%D8%B9-%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%AD%D8%B1%D8%AC-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%82-%D9%83%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%84
- Roman Pryhodko, Russian Helicopter Shot Down in Mali; Crew and Troops Killed, Militarnyi, 26 April 2026, available at: https://militarnyi.com/en/news/russian-helicopter-shot-down-in-mali-crew-and-troops-killed/