- الاتجاهات الخيرية في أفريقيا.. النمو والمشهد المتغير
- أولا: النمو والاتجاهات الخيرية في أفريقيا جنوب الصحراء
- ثانيا: المشهد المتغير للتبرعات من قِبل فاعلي الخير غير الأفارقة
- العمل الخيري في أفريقيا.. ما له وما عليه
- أولا: العمل الخيري والمسئولية الأخلاقية للاستعمار
- ثانيا: الأعمال الخيرية وغسل الأموال السامة
- ثالثا: تسييس العمل الخيري: بتسوانا نموذجا
- رابعا: سيطرة النمطية الإغاثية لا النمطية التنموية
- خامسا: المساعدات تولد حلقة من التبعية المفرغة وعجزا مصطنعا
- تحديات تمويل المنظمات غير الحكومية الأفريقية
- الصناديق التعاونية – البديل الأمثل
- في الختام
- المراجع
للعمل الخيري في أفريقيا تاريخٌ عريقٌ متجذرٌ في القيم المجتمعية والمسؤولية المشتركة. ومع تزايد انخراط الأفراد والشركات والمؤسسات في العطاء، تشهد القارة ثقافةً متناميةً تتباين تأثيراتها. فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية، تشهد ثقافة العمل الخيري في أفريقيا نضجًا متزايدًا، مع جهود أكثر رسميةً.
يقدّر تقرير العطاء الأفريقي لعام 2023 أن الأفارقة يساهمون بنحو ملياري دولار سنويًا في الأعمال الخيرية، وتُشكّل التبرعات الفردية الجزء الأكبر منه. ومن المؤشرات الأخرى على نمو هذه الظاهرة في أفريقيا مراتب دولها في التقرير، حيث يُبرز هذا المستوى العالي من الكرم في تنامي تبني السلوكيات الخيرية، ويضع بلدان القارة في مصاف الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال.
ومن زاوية أخرى؛ لعقودٍ، أغرقت المؤسسات الخيرية الغربية والمنظمات غير الربحية والمنظمات الإنسانية الدولية أفريقيا بالمساعدات. ومع ذلك، لا تزال القارة تعاني من الفقر والبطالة وضعف البنى التحتية والهشاشة الاقتصادية والتبعية.
يحاول هذا المقال الإجابة على التساؤل المثار حول الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية؛ هل هي حل للفقر في أفريقيا، أم هي جزءٌ من المشكلة. هل تُساعد الأعمال الخيرية حقًا، أم أنها السبب الحقيقي وراء استمرار الفقر؟
الاتجاهات الخيرية في أفريقيا.. النمو والمشهد المتغير
أولا: النمو والاتجاهات الخيرية في أفريقيا جنوب الصحراء
كان تزايد استخدام المنصات الرقمية من العوامل الرئيسية التي ساهمت في زيادة التبرعات الخيرية. فقد سهّلت أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول، مثل إم-بيسا (كينيا)، وإيرتيل موني (نيجيريا)، وأورانج موني (في عدة دول أفريقية)، التبرعات، لا سيما في المناطق الريفية حيث تقلّ الخدمات المصرفية التقليدية. ووفقًا لمبادرة GSMA Mobile for Development، تجاوز عدد اشتراكات الدفع عبر الهاتف المحمول في أفريقيا جنوب الصحراء 500 مليون اشتراك في عام 2022، مما يُظهر الدور المتزايد للمدفوعات عبر الهاتف المحمول، والتي يُوجّه الكثير منها نحو التبرعات الخيرية.
بالإضافة إلى خدمات التمويل عبر الهاتف المحمول، أصبحت منصات التمويل الجماعي مثل GoFundMe وThundafund أدواتٍ مهمة لجمع التبرعات لمجموعة واسعة من القضايا. فمن خلال توفير مساحة رقمية للتبرعات، تُسهّل هذه المنصات التواصل مع جمهور واسع، وتوسيع نطاق الحملات، وجمع الموارد، لا سيما في المناطق التي قد تكون فيها طرق جمع التبرعات التقليدية أقل فعالية.
علاوة على ذلك، تُعدّ المشاركة الفعّالة للشباب دافعًا قويًا لثقافة العمل الخيري المتنامية في أفريقيا. فمع كون سكانها من أصغر سكان العالم سنًا، يستغلّ العديد من الشباب الأفريقي الأدوات الرقمية ومنصات التواصل لرفع مستوى الوعي، وتنظيم الحملات، وجمع التبرعات لقضايا مهمة. وقد ساهم شغف هذا الجيل ومعرفته الرقمية في إضفاء حيوية جديدة على العمل الخيري، مما خلق منظومة عطاء نابضة بالحياة تتجاوز الحدود، وتعالج القضايا الملحة على المستويين المحلي والعالمي.
كان لمشاركة الشركات دورٌ هامٌّ في هذا النمو. إذ تدعم شركاتٌ مثل سفاريكوم (كينيا)، وإم تي إن (نيجيريا)، وستاندرد بنك (جنوب أفريقيا) بشكلٍ متزايدٍ الأعمال الخيرية، سواءً من خلال التبرعات المُطابقة، أو حملات تبرع الموظفين، أو تعزيز حضور الحملات المحلية. ولا يقتصر هذا الدعم المؤسسي على تعظيم أثر المساهمات الفردية فحسب، بل يُعزز أيضاً نطاق وصول المبادرات المحلية. ([1])
ثانيا: المشهد المتغير للتبرعات من قِبل فاعلي الخير غير الأفارقة
يشهد اتجاه التبرعات في أفريقيا تحولاً كبيرا. فقد وجدت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة بريدجسبان أن المزيد من التبرعات الكبيرة من جهات تمويل غير أفريقية تذهب في الغالب إلى منظمات غير حكومية أفريقية – في تناقض صارخ مع التاريخ الطويل للجهات الممولة التي تعمل في القارة.
عندما أجرت المؤسسة لأول مرة بحثًا حول التبرعات الكبيرة بين عامي 2010 و2019، وجد أن 58% منها من جهات تمويل غير أفريقية ذهبت إلى منظمات غير حكومية غير أفريقية. وبمراجعة البيانات لتشمل عامي 2020 و2021 اللذين شهدا الجائحة، لوحظ ارتفاعًا حادًا في التبرعات للقطاع العام للمساعدة في إغاثة متضرري الجائحة، لا سيما في عام 2021. وبتحديث البيانات لتشمل عامي 2022 و2023، وجد أن تبرعات كبيرة من جهات تمويل غير أفريقية تذهب في الغالب إلى منظمات غير حكومية أفريقية. وهذا يتناقض تمامًا مع التاريخ الطويل للجهات الممولة التي تعمل في القارة.
مع إعادة فتح الحدود وعودة الحياة إلى وضعها الطبيعي في أعقاب الجائحة، عادت التبرعات الكبيرة من الجهات المانحة غير الأفريقية فعليًا إلى مستوياتها قبل الجائحة، سواء من حيث متوسط حجم المنح أو عدد المنح السنوية المُقدمة. إلا أن نمط التبرع تغير عن الممارسات المتبعة منذ عقود.
من عام 2010 إلى عام 2019، لم تتجاوز نسبة التبرعات من الجهات المانحة غير الأفريقية 14% للمنظمات غير الحكومية الأفريقية. في المقابل، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 55% في عامي 2022 و2023، ما يعني أن مبلغ 880 مليون دولار الذي تلقته المنظمات غير الحكومية الأفريقية في عامي 2022 و2023 يفوق ما تلقته خلال العقد الذي سبق الجائحة.
شكل (1) تمويل المحسنين غير الافارقة للمنظمات غير الحكومية الافريقية

كان اثنان من الجهات التمويلية الكبيرة – مؤسسة بيل وميليندا غيتس ومؤسسة ماستركارد – من الأسباب الرئيسية وراء تدفق المزيد من التمويل إلى المنظمات غير الحكومية الأفريقية. بين عامي 2010 و2020، قدّمت مؤسسة غيتس منحًا كبيرة في أفريقيا لمنظمات غير أفريقية بشكل كبير. ومع ذلك، بين عامي 2021 و2023، وُجّهت 18 منحة من أصل 25 منحة مباشرةً إلى منظمات أفريقية، منها 235 مليون دولار لتحالف الثورة الخضراء في أفريقيا. وتلقّت المنظمات غير الحكومية الأفريقية 16% من منح مؤسسة غيتس للقارة في عام 2020، و82% في عام 2023.
يتزامن هذا التحوّل مع اعتمادها خطة استراتيجية تهدف إلى دعم التنوع والمساواة والشمول (DEI) في عام 2021. بمقتضى الخطة تستخدم فرقها استراتيجيات مُتنوعة لتوسيع نطاق الدعم المُقدم للمنظمات القريبة. من خلال تقسيم المشاريع الكبيرة إلى مكونات أصغر لتمكين التعاون بين المنظمات المُتعددة، وتغيير نهجها في تقديم المنح الفرعية لتمويل الشركاء القريبين مُباشرةً.
وفي حين تُقرّ المؤسسة في تقريرها لعام 2021 بأنه لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به لتنويع محفظة مشاريعها، إلا أنها تُشير إلى بعض التطورات الإيجابية منذ تطبيق الخطة المذكورة. فعلى الرغم من أن نسبة المنح المُوجهة للمنظمات خارج الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية ظلت أقل من 20% في عام 2022، إلا أن محفظة مشاريعها تشهد تحولًا جذريًا. مثلا، في عام 2022، خُصصت 44% من المنح الجديدة من برنامج التنمية الزراعية التابع للمؤسسة لشركاء قريبين، مقارنةً بنسبة 25% في عام 2020. وكما ذُكر سابقًا، ظهرت تحولات كبيرة في تبرعات المؤسسة في أفريقيا عند مستوى التبرعات الذي تجاوز 10 ملايين دولار منذ عام 2021.
وبالمثل، قدّمت مؤسسة ماستركارد تبرعات بشكل رئيسي للمنظمات غير الحكومية غير الأفريقية بين عامي 2010 و2019، حيث ذهبت تسع منح فقط من أصل 54 منحة إلى المنظمات الأفريقية، وهو ما يمثل 5% من أموال المنح. وفي عام 2020 الذي شهد جائحة، حصلت المنظمات غير الحكومية الأفريقية على 51% من المنح الكبيرة لمؤسسة ماستركارد في أفريقيا، بالقيمة الدولارية. في عام 2021، أعلنت عن تبرع بقيمة 1.5 مليار دولار للمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) كجزء من مبادرة إنقاذ الأرواح وسبل العيش. ارتفعت نسبة التبرعات التقريبية للمؤسسة للمنظمات غير الحكومية الأفريقية في عامي 2022 و2023 إلى 54% و48% على التوالي، بما يعادل 334 مليون دولار. ومن هذا المبلغ، ذهب 276 مليون إلى جامعة كارنيجي ميلون أفريقيا في رواندا. كان إطلاق استراتيجية “شباب أفريقيا يعملون” لمؤسسة ماستركارد في عام 2018 جزءًا كبيرًا من هذا التحول. تهدف الاستراتيجية إلى “تمكين 30 مليون شاب في أفريقيا، وخاصة الشابات، من الحصول على وظائف يرونها كريمة ومُرضية” بحلول عام 2030. ولتمكين هذه الاستراتيجية، حوّلت المؤسسة نموذجها التشغيلي إلى اللامركزية في العمليات، وتفويض السلطات، ونقل الموظفين والموارد إلى الدول الأفريقية السبع التي تعمل فيها. كما التزمت المؤسسة بضمان أن تكون 75% على الأقل من شراكاتها في أفريقيا مع منظمات أفريقية، كجزء من مسارها نحو تحقيق تأثير مستدام.
تُعدّ المؤسستان من بين سبع جهات مانحة كبيرة ثابتة في أفريقيا. فهناك 27 جهة مانحة كبيرة غير أفريقية قدّمت تبرعات أقل تواترًا في القارة طوال فترة المذكورة. في السنوات التي تلت الجائحة، ويبدو أنها لم تتخذ نفس السلوك. بين عامي 2010 و2019، ذهبت 16% من التبرعات الكبيرة من الجهات المانحة غير المنتظمة إلى المنظمات غير الحكومية الأفريقية، و25% إلى المنظمات غير الحكومية غير الأفريقية، وتدفق الباقي إلى القطاع العام ومتلقين آخرين. في عام 2020، ارتفعت نسبة التبرعات للمنظمات غير الحكومية الأفريقية إلى 31%. ومع ذلك، في عامي 2022 و2023، لم تقدم الجهات المانحة غير المنتظمة أي تبرعات كبيرة للمنظمات غير الحكومية الأفريقية، حيث تلقت المنظمات غير الحكومية غير الأفريقية الغالبية العظمى من المنح خلال هذين العامين. ([2])
العمل الخيري في أفريقيا.. ما له وما عليه
أولا: العمل الخيري والمسئولية الأخلاقية للاستعمار
تعود بداية العمل الخيري الغربي في أفريقيا إلى بدايات الاستعمار، وبالتحديد مع قانون التنمية الاستعمارية، الذي أقره البرلمان البريطاني عام 1929، والذي وفر التمويل اللازم لإنشاء البنية التحتية في المستعمرات، حيث وفّرت فكرة عبء الرجل الأبيض، التي لاقت رواجًا في الأدب والسياسة الغربية، إطارًا أخلاقيًا للجهود الإنسانية. وأصبحت هذه الرؤية، إحدى الركائز الأخلاقية الرئيسية للدول الغربية التي شعرت بمسؤوليتها عن تنمية مستعمراتها السابقة. ولم تقتصر المشاركة في برامج المساعدات الدولية على مساعدة الدول المانحة على تحسين صورتها فحسب، بل ساهمت أيضًا في بناء علاقات متينة مع الحكومات المستفيدة، مما أتاح لها الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق.
كان للغرب عدد من المؤسسات الخيرية الرائدة في أفريقيا، بما في ذلك منظمات دولية ومؤسسات خاصة وبرامج حكومية. ويلعب البنك الدولي والأمم المتحدة الدور الأكبر في تقديم المساعدات المالية الهادفة إلى معالجة مشاكل كالفقر والمجاعة، وتحسين فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية. وإلى جانب الوكالات الدولية، تنشط مئات المنظمات غير الحكومية في أفريقيا، وتُنفّذ مشاريع في جميع أنحاء القارة. وعلى مدار العشرين عامًا الماضية، كان من أبرز الجهات الفاعلة في القارة مؤسسة بيل وميليندا غيتس، التي تُركّز على الرعاية الصحية والزراعة والخدمات المالية للفقراء، ومؤسسة روكفلر، التي تدعم المبادرات في مجال الأمن الغذائي والرعاية الصحية والطاقة المتجددة. وتُعزز مؤسسة فورد العدالة الاجتماعية والمجتمع المدني والتعليم. وتدافع مؤسسات المجتمع المفتوح التابعة لجورج سوروس عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتستثمر مؤسسة ماستركارد في تعليم الشباب وريادة الأعمال. وتستخدم المؤسسات الغربية قنوات متنوعة لتنفيذ برامجها، بما في ذلك تقديم منح مباشرة للمنظمات والهيئات المحلية، والشراكات مع الحكومات الأفريقية، وإنشاء ودعم المنظمات غير الحكومية المحلية، وإدارة مشاريعها الخاصة من خلال ممثلين في الدول الأفريقية، والاستثمار في المشاريع الاجتماعية، والاستثمار المؤثر.
وبغض النظر عن المشاكل والانتقادات العديدة، تُحقق وكالات الإغاثة الغربية في أفريقيا إنجازاتٍ هامة. فقد نفذت المنظمات والمؤسسات الدولية عددًا من المشاريع الناجحة، التي من شأنها أن تُسهم إيجابًا في تنمية المنطقة. وكانت مبادراتهم الأكثر نجاحا هي برنامج القضاء على شلل الأطفال (مؤسسة جيتس)، ومبادرة أغرا لتطوير الزراعة المستدامة (مؤسسة روكفلر)، والمنح الدراسية للطلاب الأفارقة (مؤسسة ماستركارد)، ومشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية (مؤسسات مختلفة).
ورغم تحقيق عدد من النتائج الإيجابية، تعرضت الجمعيات الخيرية الغربية لانتقادات لاذعة، أبرزها الفساد والاعتماد على المساعدات الخارجية وفشل المشاريع، حيث شهدت أفريقيا أيضًا نصيبها من المشاريع الباهظة الثمن وغير المجدية. في إحدى هذه الحالات، قامت الوكالة الترويجية للتنمية الدولية مؤخرًا ببناء مصنع لتجهيز الأسماك في شمال كينيا لمساعدة صيادي توركانا المحليين على تنمية الاقتصاد الإقليمي. ومع ذلك، بعد اكتمال البناء، اتضح وجود نقص في الطاقة اللازمة لتشغيل المصنع، وعدم وجود قدرة إضافية لتوليد الكهرباء في شمال البلاد. وفي تنزانيا، بُني مصنع لمعالجة الكاجو بتمويل من مانحين غربيين. ولكن لكي يعمل بكامل طاقته، احتاج إلى ثلاثة أضعاف إنتاج تنزانيا بأكمله من الكاجو. علاوة على ذلك، كان سعر المنتج مرتفعًا للغاية، مما جعل إرسال الكاجو إلى الهند لمعالجته أقل تكلفة.([3])
ثانيا: الأعمال الخيرية وغسل الأموال السامة
يزخر التاريخ بمنظمات خيرية غيّرت مجرى حياة الناس نحو الأفضل. وبالنسبة لنحو 10% من سكان العالم، فإن العمل الخيري هو الجسر الوحيد بينهم وبين الأمل في تحقيق حياة ومستقبل أفضل لأسرهم. إلا أنه حتى لو كانت هناك نوايا حسنة، فإن الأموال المستخدمة في فعل هذا الخير يجب أن تأتي من مصدر جيد. في عام 2020، أصبحت مصادر المال الجيد قليلة، حيث يستخدم المجرمون العمل الخير في غسيل الأموال وحتى عندما تُغطى التبرعات أو الجهود الخيرية بسرية تامة، فبمجرد الكشف عنها، يكون الضرر الذي تُسببه في تمزيق السمعة الطيبة مُدمرًا؛ إذ تصبح الآثار أكثر من أن تُحصى. والقضية الأخيرة لجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية (الذي انتحر لاحقًا في زنزانته أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار بالجنس في مانهاتن)، وتبرعاته البالغة 7.5 مليون دولار لمختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. إن الكشف عن تبرعاته للمؤسسة، التي كانت تُعتبر في السابق من أكثر البرامج ابتكارًا في إنتاج “التقنيات المُزعزعة للاستقرار” في الولايات المتحدة، لم يُسفر فقط عن استقالة مؤسس مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والأستاذ جوي إيتو، بل أضر أيضًا بسمعة العديد من الأساتذة الآخرين المتورطين في الفضيحة.
إن تكتيكات الأشخاص المرتبطين بجماعات الجريمة المنظمة، باستخدام العمل الخيري أو الإحسان لتقديم منافع مادية للأشخاص الذين كانوا ضحايا أفعالهم ليست جديدة، كما أنها لا تقتصر على منطقة واحدة. في ثمانينيات القرن الماضي في كولومبيا، أدار بابلو إسكوبار، وهو تاجر مخدرات قاتل، كارتل ميديلين، أحد أخطر العصابات الإجرامية في أمريكا الجنوبية، والمعروف أنه مسؤول عن أكثر من 4000 حالة وفاة. قُدرت ثروة بابلو إسكوبار في وقت ما بنحو 30 مليار دولار وكان مسؤولاً عن أكثر من 80% من إمدادات الكوكايين في العالم. وهو معروف أيضًا باستثمار مبالغ كبيرة من ثروته في الأعمال الخيرية.
وفي أفريقيا كان ينظر إلى الزعيم الأعلى أتيكي توم هو أمانايابو من أوكوتشيري في منطقة الحكومة المحلية أوكيريكا بولاية ريفرز، نيجيريا، على أنه سفير للسلام، وحاصل على جائزة إنسانية من نقابة الممثلين النيجيريين عن “حملته للدعوة وتمكين الشباب في جميع المجالات”، وجائزة محققي السلام. وهو معروف بعمله الخيري في قطاع الترفيه، تجاه الأرامل وغيرهم من الأشخاص المهمشين في المجتمع. وقد وُصف بأنه ” قوة مؤثرة ساهمت إلى حد كبير في التنمية السريعة” لمنطقة دلتا النيجر في نيجيريا. ورغم ذلك، كان أمير حرب وجنرالًا مسلحًا بارزًا في دلتا النيجر، وقاد حراس دلتا النيجر (NDV) وشخصية بارزة في حركة تحرير دلتا النيجر (MEND)، المعروفة باختطاف عمال النفط وتفجير أصول النفط والغاز لشركات النفط متعددة الجنسيات، بما في ذلك سرقة النفط المعروفة شعبياً باسم التزود بالوقود. كما اعترف أيضًا في السجل بتورطه كمنفذ، استخدمه السياسيون في ولاية ريفرز للتلاعب بالانتخابات في انتخابات عامي 1999 و2003، وكان راعيًا لإحدى الجماعات الطائفية المروعة في ولاية ريفرز – الآيسلنديون .
ومن هذا نخلص إلى الآتي:
– تُستخدم الأعمال الخيرية لكسب رأس المال الاجتماعي والشرعية. وفي المكسيك مثلا، تجمع مئات المتظاهرين دفاعًا عن تاجر المخدرات المكسيكي المعتقل، خواكين “إل تشابو” جوزمان. وكان بعض المتظاهرين يهتفون “يحيا إل تشابو”. وهذا النوع من الشرعية ورأس المال الاجتماعي هو ما يتوق إليه زعماء الجريمة المنظمة ويعيشون من أجله.
– نادرًا ما يتبع الكثيرون مجرمًا سفاحًا. لكنه إن قام ببعض الأعمال الخيرية، واستثمر جزءًا من تلك الثروة المكتسبة بطرق غير مشروعة في تغيير حياة بعض الأشخاص، سيمتلك السلطة الأخلاقية لدعم طائفة من الأتباع. عندما تنخرط شبكات الجريمة في العمل الخيري، فإنها تخترق منظومة قيم الناس.
– يُساعد العمل الخيري شبكات الجريمة المنظمة على ملء فراغات السلطة وإرساء آليات حوكمة غير رسمية. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن شبكات الجريمة المنظمة غالبًا ما تزدهر في المناطق التي تعاني من فقر مدقع وبؤس شديد ومستويات عالية من الأمية أو البطالة. هذه المناطق غير محكومة، حيث يسود انعدام الثقة والريبة في الحكومة.
– يُتيح الانخراط في الأعمال الخيرية توسيع نطاق الرخص الأخلاقية – ذلك الخلل العقلي الذي يُعزز الصورة الإيجابية للذات، ويُزيل القلق بشأن عواقب السلوك غير الأخلاقي أو السيئ. في جوهره، يُطمئنهم فعل الخير لتبرير فعل الشر، وبالتالي، ومع وجود رصيد أخلاقي في أيديهم، يشعرون بأنهم مُستحقون (للاستمرار) في كونهم سيئين. ([4])
ثالثا: تسييس العمل الخيري: بتسوانا نموذجا
تُعدّ المنظمات الخيرية، شأنها شأن غيرها من مكونات المجتمع المدني، شريكًا حيويًا للحكومات. فهي تُقدّم خدمات أساسية تُؤثّر إيجابًا على حياة المواطنين. ولبعض هذه المنظمات وظائف الضغط، وتتمتّع بنفوذ دولي كبير، وهو أمرٌ ضروريّ لتيسير التغيير الاجتماعي. وتُعدّ مساهمتها في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة مُعترفًا بها على نطاق واسع، ويُتوقع من الحكومات تهيئة الظروف التي تُمكّنها من مواصلة ازدهارها والوفاء بالتزاماتها. ومع ذلك، لطالما تبيّن أن سعي المنظمات الخيرية للشراكة مع الحكومات مُرهقٌ بشكلٍ لا يُمكن تفسيره، ومليءٌ بالتعقيدات والمنعطفات. ولكن بمراجعة للأدبيات المتعلقة بالجمعيات الخيرية في بوتسوانا، مفترض أنه في حين يُتوقع من الجمعيات الخيرية العمل دون تدخل حكومي مباشر، إلا أن العديد منها يخضع للوائح حكومية وإجراءات رقابية حكومية مُعيقة. في سياق دولة الرفاه التنموي، مثل بوتسوانا، التي اكتسبت مؤخرًا طابعًا خيريًا، يُجادل البعض بأن المنظمات الخيرية تفقد أهميتها، وتُخاطر بفقدان ثقة الجمهور التي تُشكل أساس مهمتها الأساسية في تخفيف المعاناة وتوفير الخدمات الأساسية. ومن عواقب ذلك العودة إلى دولة أقوى تُضيّق المجال أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية للتأثير بفعالية على التغيير الاجتماعي. وقد برزت ثلاث قضايا رئيسية؛ اكتُشف أن العمل الخيري الحكومي يُهدد بزوال دور الجمعيات الخيرية. وأن معظم الجمعيات الخيرية قد سمحت لنفسها بالعمل كذراع ممتدة للدولة، وبالتالي فهي تعتمد عليها في عملياتها. ونتيجةً للاكتشافات السابقة، تؤكد النتائج أنه من أجل استمرارها، يجب على الجمعيات الخيرية في بوتسوانا إعادة تقييم نفسها وتجديد وضعها للحفاظ على أهميتها. وأن العمل الخيري الحكومي، الذي تدعمه الدولة، يهدد بتهميش المنظمات الخيرية وجعلها شبه عديمة الأهمية وزائدة عن الحاجة ما لم تُعِد هيكلة نفسها. ([5])
رابعا: سيطرة النمطية الإغاثية لا النمطية التنموية
إن ضعف التحول في العمل الخيري من الإغاثة إلى التنمية في الأزمات الطويلة ينذر بتكريس أثرين خطيرين؛
الأول: نشر ثقافة التسول الخفي فعندما يعتاد الناس استقبال المعونات المالية والعينية بشكل دوري ولمدة طويلة؛ فإن هذا يسهم في نشر الخمول وصناعة الكسل وتكريس مفهوم التسول غير الصريح، مما ينذر بخطر جسيم يتهدد المجتمع بعد انجلاء الأزمات أو انقطاع الداعم.
والخطر الثاني: الإبقاء على الفقر، فالغاية من العمل الخيري أصلاً هي اجتثاث الفقر والقضاء عليه، وتحقيق عوامل الاكتفاء الذاتي للمستفيد، غير أن استمرار الجمعيات الخيرية في لعب دور «ساعي البريد» بين الغني والفقير – جمع التبرعات وإعادة توزيعها – لا يمكن أن يحقق الغاية من العمل الخيري. ([6])
خامسا: المساعدات تولد حلقة من التبعية المفرغة وعجزا مصطنعا
غالبًا ما تستخدم منظمات الإغاثة شعاراتٍ حسنة النية مثل “التمكين” و”الإغاثة”. لكن وراء هذه الحملات البراقة يكمن نموذجٌ مُصممٌ لا لتمكين الآخرين، بل لإدامة حلقة التبعية المفرغة. إن هذا النهج الفوقي، حيث تُملي جهاتٌ خارجيةٌ ما يحتاجه الأفارقة، ومتى يحتاجونه، وكيف يحصلون عليه، يُجرد المجتمعات من الكرامة والابتكار والاعتماد على الذات، ويتناقض تمامًا مع مؤشرات التنمية. ويقول دامبيسا مويو، مؤلفة كتاب “المساعدة الميتة”، يُصيب كبد الحقيقة: لقد كانت المساعدات، ولا تزال، كارثة سياسية واقتصادية وإنسانية شاملة في معظم أنحاء العالم النامي.
وفقًا للبنك الدولي، أُرسلت مساعداتٌ إلى أفريقيا تجاوزت تريليون دولار خلال الخمسين عامًا الماضية، ومع ذلك لا يزال أكثر من 400 مليون شخص يعيشون في فقرٍ مدقع. وتُظهر تقارير منظمة الشفافية الدولية والاتحاد الأفريقي أن أكثر من 25% من المساعدات تُهدر بسبب الفساد. وكشفت دراسةٌ لمؤسسة بروكينغز أن العديد من برامج المساعدات تنهار في غضون خمس سنوات بسبب غياب الملكية المحلية والاستدامة. وغالبًا ما ترتبط المساعدات بالمصالح الجيوسياسية. تسعى المنظمات غير الربحية وراء مقاييس المانحين – لا التأثير. يُقاس نجاحها بمقدار ما “تُقدمه”، وليس بما يتم بناؤه بشكل مستدام. والأسوأ من ذلك أنها تُثبط همة الحكومات المحلية عن الإصلاح الحقيقي. لماذا نُصلح السقف إذا كان المانحون سيواصلون ترقيعه؟ ([7])
تحديات تمويل المنظمات غير الحكومية الأفريقية
تميل تحديات تمويل المنظمات غير الحكومية الأفريقية إلى التشابه بين الجهات المانحة الأفريقية وغير الأفريقية. ويتمثل أحد التحديات في حجم التمويل، نظرًا لقلة عدد المنظمات غير الحكومية الأفريقية الكبيرة العاملة في بلدان متعددة في القارة. وهذا يحد من خيارات الجهات المانحة في تقديم الدعم للمنظمات غير الحكومية العاملة على نطاق أفريقي. في المقابل، تميل المنظمات غير الحكومية غير الأفريقية إلى امتلاك أوسع نطاق انتشار عبر البلدان، مما يجعلها خيارًا جذابًا.
كما لا يزال هناك إرث من انعدام الثقة بين الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية الأفريقية، ربما نتيجةً لتصور أن هذه المنظمات تعاني من ضعف المساءلة. وبينما يفشل هذا التصور، بشكل متزايد، في عكس واقع ممارسات المنظمات غير الحكومية الفعالة في القارة، إلا أنه قد يُسهم في فرض قيود تاريخية ومستمرة.
علاوة على ذلك، يمكن أن تؤثر الاعتبارات السياسية على تدفقات التمويل. تُركّز معظم التبرعات واسعة النطاق للمنظمات غير الحكومية الأفريقية على الاحتياجات الأساسية، مما يُتيح للمانحين تجنّب القضايا التي قد تنطوي على مخاطر سياسية أكبر. ومع ذلك، قد يُحدّ ذلك أيضًا من نطاق المنظمات المُرشّحة لمثل هذا التمويل. كما يواجه المانحون غير الأفارقة تحديدًا تحديات فريدة أخرى، مثل المتطلبات القانونية، مما يجعل التبرع للمنظمات غير الأفريقية بديلًا أسهل. ([8])
من القضايا المهمة اعتماد القارة على المساعدات الخارجية لتمويل مشاريع التنمية. ووفقًا لتقرير العطاء الأفريقي لعام ٢٠٢٣، فبينما تتزايد التبرعات المحلية، لا تزال العديد من الدول الأفريقية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التمويل الخارجي للمبادرات واسعة النطاق. يُقوّض هذا الاعتماد تطوير العمل الخيري المحلي المُستدام ذاتيًا، ويُحدّ من إمكانات نموّ التبرعات الشعبية.
لا يزال الحفاظ على المانحين تحديًا رئيسيًا آخر. يشير تقرير مشروع فعالية جمع التبرعات (FEP) للربع الثاني من عام 2024 إلى انخفاض بنسبة 3.9% في مشاركة المانحين و4.5% في الحفاظ على المانحين عالميًا، وهو اتجاه ينعكس أيضًا في أفريقيا. تُكافح المنظمات غير الربحية للحفاظ على تواصل طويل الأمد مع المانحين، وخاصةً صغار المساهمين، الذين يُعدّون أساسيين لاستدامة جهود جمع التبرعات على مستوى القاعدة الشعبية.
كما أن عدم الاستقرار الاقتصادي، بما في ذلك التضخم والفقر والبطالة، يحدّ من القدرة المالية لكثير من الأفارقة على التبرع. ورغم أن التبرعات الجماعية لا تزال قوية، إلا أن هذه العوائق الاقتصادية تمنع شريحة كبيرة من السكان من تقديم مساهمات كبيرة، لا سيما في أوقات الضائقة المالية.
رغم استمرار التحديات، ثمة فرص عديدة للنمو في القطاع الخيري في أفريقيا. ويُتيح الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا سبيلاً للمضي قدماً، إذ تُوفر الأدوات الرقمية وتحليلات البيانات للمنظمات غير الربحية طرقاً أفضل لإدارة التبرعات، وتتبع النتائج، والتواصل الفعال مع المانحين. ومن خلال الاستفادة من البيانات الآنية، يُمكن للمنظمات تعديل استراتيجياتها لتحسين جهود جمع التبرعات وتعزيز تفاعل المانحين. من الفرص الرئيسية الأخرى إمكانية الاستفادة من أشكال العطاء التقليدية. لأفريقيا تاريخ طويل في العطاء الجماعي، حيث يساهم الأفراد في مجتمعاتهم، غالبًا في شكل جمعيات مساعدة متبادلة أو من خلال مجموعات ادخار جماعية مثل “تشاماس” (في كينيا) أو “ستوكفيلز” (في جنوب أفريقيا). يمكن تكييف ممارسات الادخار الجماعي هذه مع الاحتياجات الخيرية الحديثة. ([9])
الصناديق التعاونية – البديل الأمثل
يشير مصطلح “الصناديق التعاونية” إلى الكيانات التي تُنشئها ثلاث جهات فاعلة مستقلة أو أكثر، بما في ذلك فاعل خير واحد على الأقل أو جهة خيرية. تسعى هذه الصناديق إلى رؤية واستراتيجية مشتركة لتحقيق الأثر الاجتماعي، باستخدام موارد مشتركة (مُجمّعة) وآليات حوكمة مُعدّة مسبقًا. في كثير من الأحيان، إلى جانب تقديم المنح، تعمل الصناديق التعاونية على بناء قدرات المستفيدين وترابطهم بما يعود بالنفع على المجال والنظام البيئي الأوسع. وباعتبارها بديلًا مُتطوّرًا للوضع الراهن للأعمال الخيرية، تميل الصناديق التعاونية إلى أن تكون خبيرة في توجيه الموارد إلى القادة المُقرّبين – ذوي الخبرة والمعرفة المحلية – والمجتمعات المحلية. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أن التعاونيات في بلدان الجنوب العالمي غالبًا ما تعاني من نقص التمويل، مما يحد من نطاقها.
ومع ذلك، تُعدّ التعاونيات وسيلةً لمواجهة بعض تحديات تمويل المنظمات غير الحكومية الأفريقية، من خلال تمكين المانحين من التبرع عبر الحدود بأقل قدر من الاحتكاك. وقد تُصبح التعاونيات أداةً فعّالة في استراتيجية التبرع واسعة النطاق التي يعتمدها الممولون غير الأفارقة، لا سيما في حالة الجهات التي تسعى إلى الانتقال إلى مجال أو منطقة جغرافية جديدة. ومع تزايد الأدلة على أن التعاونيات تحقق كفاءةً وفعاليةً ومشاركةً أكبر، فإن جاذبيتها المتزايدة ترتبط بتزايد الوعي في مجال العمل الخيري بقوة القرب والثقة في أقرب الأشخاص إلى المشكلة لتصميم وتنفيذ الحلول التي تُعظّم الأثر. ([10])
وفقًا للتحالف التعاوني الدولي (ica.coop)، “فالتعاونيات هي مؤسساتٌ تتمحور حول الإنسان، مملوكةٌ ملكيةً مشتركةً ويديرها أعضاؤها ديمقراطيًا، ولأجلهم، لتحقيق احتياجاتهم وتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة. وبصفتها مؤسساتٍ قائمةً على القيم والمبادئ، فإنها تُعلي من شأن العدالة والمساواة، مما يسمح للأفراد بإنشاء مؤسساتٍ مستدامةٍ تُولّد فرص عملٍ طويلة الأمد وتساهم في تحقيق الرخاء. تُدار التعاونيات، التي يديرها المنتجون أو المستخدمون أو العمال، وفقًا لمبدأ “عضو واحد، صوت واحد”. فالتعاونيات مؤسساتٌ مملوكةٌ للمجتمع المحلي، تعمل من القاعدة إلى القمة، حيث يكون أعضاؤها مساهمين ومستفيدين في آنٍ واحد. وعلى عكس الأعمال الخيرية، تُبنى التعاونيات على الكرامة، والمساعدة الذاتية، والاستدامة. وتنجح التعاونيات حيث تفشل الجمعيات الخيرية، فهي تتميز بالآتي:
- الملكية والمشاركة: تُدار التعاونيات من قِبل الأعضاء، ولصالحهم.
- تقاسم الأرباح والإدماج الاقتصادي: يُعاد استثمار الفوائض أو تُشارك بين الأعضاء.
- المرونة: تتكيف التعاونيات مع الظروف المحلية، وتتوافق مع الثقافة المحلية، وتقاوم التلاعب السياسي.
- بناء المهارات وخلق فرص العمل: تُنشئ اقتصاداتٍ داخلية، وسلاسل قيمة، وفرص عمل.
- الشفافية والمساءلة: يتمتع الأعضاء بحقوق التصويت والتحكم.
- موافقة الأمم المتحدة: التعاونيات مُعترف بها رسميًا للتنمية المستدامة
وفي تقريرها لعام 2010 بعنوان “التعاونيات في التنمية الاجتماعية”، تنص الجمعية العامة للأمم المتحدة على ما يلي: أثبتت التعاونيات فعاليتها في الحد من الفقر، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التكامل الاجتماعي. (قرار الأمم المتحدة رقم 64/136، 2010). في عام 2012، أعلنت الأمم المتحدة السنة الدولية للتعاونيات، تقديرًا لمساهمتها في “التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما الحد من الفقر، وتوليد فرص العمل، والتكامل الاجتماعي”.
يشير التحالف الدولي للتعاونيات إلى أنها توظف أكثر من 280 مليون شخص حول العالم، أي ما يعادل 10% من العمالة العالمية. في كينيا، تخدم أكثر من 63% من السكان، وتساهم بنسبة 43% في الناتج المحلي. وتدعم في إثيوبيا أكثر من 11 مليون مزارع في الإنتاج والوصول إلى الأسواق. في نيجيريا، تعمل في مجالات الإسكان والادخار والزراعة. ([11])
في الختام
يُتيح المشهد الخيري المتطور في أفريقيا فرصةً واعدةً لإعادة النظر في العطاء الخيري. ومع استمرار القارة في تبني التقنيات والمنصات الجديدة، يتضح أن مستقبل العمل الخيري، يكمن في رعاية الحلول المحلية، والتكيف مع تحديات عالم سريع التغير. يجب على أفريقيا رفض جميع أشكال الإحسان وأنظمة المساعدة التنازلية التي تُديم التبعية وتُعزز الفساد. بل يجب اعتماد التعاونيات سبيلًا للكرامة والإنتاجية وبناء الثروة على المدى الطويل. لن تُنقذ أفريقيا بالشفقة، بل ستنهض من خلال قوة التعاون، والملكية المشتركة، والمسؤولية الجماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1] ) Judy Ndunge, Philanthropy in Africa: Trends, challenges, and opportunities for growth.4/12/2024.at: https://africasolutionsmediahub.org/2024/12/04/philanthropy-in-africa-trends-challenges-and-opportunities-for-growth/
[2] ) Ntefeleng Nene, and et al, The Changing Landscape of Large-Scale Giving in Africa by Non-African Philanthropists. June 24, 2024.at: https://www.bridgespan.org/insights/the-changing-landscape-of-large-scale-giving-in-africa-by-non-african-philanthropists
[3] ) Newsdesk Editor, An African paradox: Why do billions of dollars in donations fail to solve the continent’s problems?.14/10/2024.at: https://www.journalismweb.co.za/an-african-paradox-why-do-billions-of-dollars-in-donations-fail-to-solve-the-continents-problems/
[4] ) Nkasi Wodu,, Bad Philanthropy: The Rinsing of Toxic Money. June 1, 2020.at: https://trustafrica.org/bad-philanthropy-the-rinsing-of-toxic-money/
[5] ) Kenneth B Dipholo and Keneilwe Molosi-France, State philanthropy: The demise of charitable organisations in Botswana. February 2019Africa’s Public Service Delivery and Performance Review 7(1).at: https://www.researchgate.net/publication/331384147_State_philanthropy_The_demise_of_charitable_organisations_in_Botswana
[6] ) حمير الحوري،العمل الخيري المعاصر.. اجتثاث الفقر أم تكريس له؟! مجلة البيان، العدد 378 ، متاح على الرابط: https://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?id=6405
[7] ) Charleson Otubu, The Vicious Circle of Dependency.13/5/2025.at: https://www.ensign.coop/why-charity-will-never-end-poverty-in-africa/
[8] ) Ntefeleng Nene, and et al, Op.cit.
[9] ) Judy Ndunge, Op.cit.
[10] ) Ntefeleng Nene, and et al, Op.cit.
[11] ) Charleson Otubu, Op.cit.
مجدي محمد محمود آدم
حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد الإفريقي