طوال معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة، احتلت أفريقيا هوامش الاستراتيجية الأمريكية الكبرى حيث اعترفت الإدارات المتعاقبة مراراً وتكراراً بالاحتياجات الإنسانية للقارة وتحدياتها الأمنية المتقطعة، ومع ذلك نادراً ما تم تأطير أفريقيا كمنطقة قادرة على تشكيل نظام الأمن العالمي. بيد أنه عبر السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من وثائق الاستراتيجية الأمنية القومية، تطورت مكانة أفريقيا في شأن الأمن حيث شهدت تغيرات هيكلية عميقة داخل القارة ذاتها. فالنمو السكاني، والتحالفات السياسية الجديدة، والاهتمام المتجدد بالتجارة بين القارات، والبصمات الاقتصادية المتوسعة؛ كل ذلك وضع أفريقيا تدريجياً وبشكل لا لبس فيه على الرادار الاستراتيجي لواشنطن. وبينما يرى البعض أن الاهتمام الأمريكي بأفريقيا في الٱونة الأخيرة جاء قليلاً ومتأخراً، جادل البعض الٱخر بأنه جهد غير جدير بالاهتمام.
ويفرض الإرهاب في أفريقيا حالة الغموض الأكبر؛ حيث تهدد الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة، مثل “حركة الشباب” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، بقاء الحكومات في الصومال ومالي على التوالي. ولا تزال “حركة الشباب” الجماعة الإرهابية الأفريقية الوحيدة التي تقدر على شن هجمات تتسبب في خسائر بشرية جماعية ضد الأراضي الأمريكية. وفي الوقت نفسه، يُرجح أن يكون تنظيم “الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” (داعش – ولاية غرب أفريقيا) هو الفرع الأكبر والأكثر قدرة لتنظيم الدولة الإسلامية على مستوى العالم. وتُعد مكافحة الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة جزءاً أساسياً من مهمة الأمن القومي، وهدفها الرئيسي هو حماية الأمريكيين من الأذى الذي تلحقه الجماعات الإرهابية، وردع وتقويض الدعم الذي تتلقاه من الأطراف المعادية (البيت الأبيض، 2026).
وفي حين أن استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تحدد بدقة التهديدات الجهادية المتصاعدة في جميع أنحاء أفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على منطقة الساحل، إلا أن حوض بحيرة تشاد لا يزال يواجه أزمات متداخلة: فالملايين لا يزالون نازحين، والمدارس مغلقة، والمساعدات الإنسانية غير كافية. وتستغل الجماعات المسلحة الفجوات الجغرافية والإدارية لتوسيع عملياتها، بينما يكافح التعاون الأمني الإقليمي لمواكبة قدرتها على التكيف. ومع ذلك، أثارت هذه السياسة الأمريكية جدلاً كبيراً بالنسبة لأفريقيا، رغم ادعاء واشنطن بأنها تظل ملتزمة بمنع تحول القارة إلى ملاذات آمنة للإرهابيين.
ما الجديد في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026؟
إن استراتيجية الأمن القومي الأولى، التي صِيغت في عهد إدارة الرئيس رونالد ريغان عام 1987، حصرت أهمية أفريقيا في المقام الأول كساحة للتنافس مع الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، ومع انتهاء الحرب الباردة، تحولت مقاربات صناع السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا لتركز على التحديات الهائلة التي تواجهها القارة ــ مثل النزاعات العرقية، والحكومات الفاسدة، والفقر ــ مما دفع العديد من الوثائق إلى التنديد بشعور متزايد بـ “التشاؤم الأفريقي” بين صناع السياسة الأمريكيين. وكان يُعتقد دائماً أن هذه الحالة يمكن معالجتها عبر “التآزر”، وهي مصطلحات رنانة فشلت في استيعاب وتفكيك الطبيعة المعقدة للسياسة عبر قارة تزيد مساحتها عن مساحة جرينلاند بأربعة عشر ضعفاً.
في هذا السياق، تمثل استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية لعام 2026 تطوراً كبيراً في السياسة الأمنية الأمريكية، مما يعكس الدروس المستفادة من التدخلات السابقة والجغرافيا الحالية والآخذة في التغير السريع للتهديدات المتطرفة العالمية. ويتصدر الاستراتيجيةَ تركيزٌ واضح على منظمات تهريب المخدرات التي تعمل في النصف الغربي من الكرة الأرضية؛ حيث تحدد الوثيقة “إرهابيي المخدرات والعصابات العابرة للحدود” كأحد التهديدات الإرهابية الثلاثة الرئيسية للبلاد، إلى جانب “الإرهابيين التقليديين” و”المتطرفين العنيفين، بما فيهم الفوضويين ومناهضي الفاشية”.
وقد دمّر الجيش الأمريكي عشرات القوارب في إطار ما أسماه واشنطن حملةً لمكافحة المخدرات، ترتبط بعملية شملت الإطاحة بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو. وتُبرز الاستراتيجية تصنيف الكارتيلات والعصابات منظماتٍ إرهابية أجنبية، وتؤكد عزم الإدارة مواصلة العمليات العسكرية والاستخباراتية والمالية والسيبرانية وإنفاذ القانون ضد هذه الجماعات. كما تدّعي أن ضربات وزارة الحرب على عمليات التهريب البحرية المرتبطة بالكارتيلات أسهمت في تراجع حاد في نشاط التهريب البحري المتجه إلى الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، تتناول الاستراتيجية أسلحة الدمار الشامل، واصفة منع استحواذ الإرهابيين على أسلحة نووية أو بيولوجية أو إشعاعية أو كيميائية بأنها “مهمة لا تقبل الفشل”. كما تصف الوثيقة الفنتانيل والمواد الكيميائية السلائف بأنها تهديد بمستوى أسلحة الدمار الشامل بسبب وفيات الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة. ويقول البيت الأبيض إن الاستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية مع الاقتراب من الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، مع التأكيد على السيادة الوطنية، وأمن الحدود، والعمليات المستهدفة ضد الجماعات التي تُعتبر تهديداً للأمريكيين في الداخل والخارج.
ولعل الجانب الأكثر إثارة للجدل في الاستراتيجية هو إعادة تعريفها لمشهد التهديدات. ويشير المحللون في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT) ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن الاستراتيجية ترفع من شأن التطرف اليساري العنيف بينما تتجاهل التطرف العنيف المدفوع بدوافع عنصرية وعرقية (REMVE)، إلى جانب تطرف اليمين المتطرف، من فئات التهديد الرئيسية لديها. وبالتزامن مع ذلك، يتم توجيه جزء كبير من الاهتمام بمكافحة الإرهاب نحو كارتلات النصف الغربي من الكرة الأرضية والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود. ويجادل النقاد بأن هذا يشير إلى تسييس أولويات مكافحة الإرهاب وتحويل الموارد بعيداً عن التهديدات الجهادية القديمة.
كيف ترتبط الاستراتيجية بأفريقيا؟
أصبحت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وخاصة منطقة الساحل، المركز العالمي للإرهاب. ويفيد مؤشر الإرهاب العالمي أن المنطقة استأثرت بأكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب في جميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة، وتأتي بوركينا فاسو ومالي والنيجر والدول المجاورة باستمرار من بين الدول الأكثر تضرراً. وقد وسعت جماعات مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (التابعة لتنظيم القاعدة) وتنظيم “الدولة الإسلامية في ولاية الساحل” عملياتها، وباتت تسيطر على أراضٍ، وتطوق مراكز حضرية رئيسية مثل المناطق القريبة من باماكو، وتضغط باتجاه الدول الساحلية في غرب أفريقيا.
ووفقاً للبيت الأبيض، فإن بقايا أخطر جماعة إرهابية في العصر الحديث اضطرت إلى الانتقال إلى أفريقيا وآسيا الوسطى، مستغلة المساحات غير المحكومة هناك، لا سيما خلال سنوات سياسات مكافحة الإرهاب الفاشلة في عهد الرئيس بايدن. ونتيجة لذلك، أصبحت عودة التهديد الإرهابي حقيقة واقعة اليوم في أجزاء من أفريقيا. وتشمل هذه المناطق غرب أفريقيا، ومنطقة الساحل، وحوض بحيرة تشاد، وموزمبيق، والسودان، وكذلك الصومال؛ حيث أعادت أجزاء من تنظيم داعش ترسيخ نفسها، وتحافظ حركة الشباب على تمردها الإرهابي القائم على أساس قبلي.
وأضاف البيت الأبيض: “لدينا في أفريقيا هدفان واضحان يبتعدان عن سياسات بناء الدول والتدخل التي انتهجت في الماضي؛ الأول هو ضمان عدم تمكن أي من الجماعات الجهادية من بناء قاعدة عمليات تسمح لها بالتخطيط لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة والمصالح الأمريكية حول العالم. والثاني هو حماية المسيحيين الذين تعرضوا للذبح على أيدي هذه الجماعات الجهادية”.
وتستفيد كثير من هذه الجماعات من انتشار الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي لرفع فاعليتها القتالية، حيث أكدت الاستراتيجية أن “هذه القدرات الجديدة تفتح آفاقاً لأساليب عمل ودعم وإلهام لم تكن متاحة من قبل للإرهابيين الدوليين، مما يستوجب استجابات مبتكرة من الدول التي يمكنها بدورها الاستفادة من التقنيات الناشئة. ونظراً للوتيرة المتسارعة للتغير التكنولوجي، فإن مستقبل كيفية تصرف الإرهابيين ومكافحي الإرهاب ضد بعضهم البعض أصبح غير واضح بشكل متزايد”.
من ميزات الاستراتيجية: توفير الاستخبارات بدلاً من المساعدات التنموية
تولي الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026 أهمية قصوى للتعاون الاستخباراتي مقارنة بالمساعدات الأمنية الموجهة نحو التنمية. وفي الأشهر الأخيرة، نُشر عشرات الجنود الأمريكيين في نيجيريا لدعم جهودها في مواجهة الجماعات المسلحة عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم الدعم التقني، حيث فضلت الاستراتيجية تدفق المساعدات في المقام الأول عبر وكالات الاستخبارات، وشراكات العمليات الخاصة، وبرامج المساعدة الفنية، بدلاً من مبادرات الحوكمة والتنمية واسعة النطاق. ويأتي ذلك بعد أن وجّه الرئيس ترامب اتهامات لنيجيريا بالتقصير في حماية المسيحيين في شمال البلاد من الهجمات، وهو ما رفضته الحكومة النيجيرية جملةً وتفصيلاً، مؤكدةً أن المسلمين أيضاً يتعرضون لاعتداءات الجماعات المسلحة.
وقد كثف تنظيم “داعش – ولاية غرب أفريقيا” (ISWAP) مؤخراً هجماته على طول الحدود بين نيجيريا والكاميرون، مستهدفاً المواقع العسكرية والقوافل الإنسانية. وتُعتبر هذه العمليات جزءاً من جهد متعمد لتعزيز السيطرة على الأراضي وإظهار استمرار نفوذ الجماعة. وتظل دول مثل نيجيريا شريكاً أمنياً مهماً للولايات المتحدة بسبب دورها في مكافحة الجماعات المتمردة النشطة في حوض بحيرة تشاد. ومع ذلك، فإن المتوقع هو أن تتحمل الحكومات الأفريقية بشكل متزايد العبء العملياتي لمكافحة الإرهاب، في حين تقدم الولايات المتحدة المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع وقدرات الضربات الانتقائية.
من ميزات الاستراتيجية: الارتباط الأمني المصلحي
من الميزات الشاملة للاستراتيجية هو نهجها النفعي القائم على الصفقات (Transactional) في السياسة الخارجية. وعلى عكس الإدارات الأمريكية السابقة التي ربطت المساعدات الأمنية بإصلاحات الحوكمة والديمقراطية وتطوير المجتمع المدني، يركز إطار عام 2026 بشكل أكبر على النتائج الأمنية الفورية. وفي حين يتم تسليط الضوء على حماية المجتمعات الدينية الضعيفة ــ والتي تشمل ما سمته بالسكان المسيحيين المضطهدين في أجزاء من نيجيريا ــ بشكل أكثر بروزاً من مبادرات تعزيز الديمقراطية الأوسع، فإن هذا يعكس تحولاً من افتراضات التيار الدولي الليبرالي إلى نموذج مشاركة أكثر انتقائية وقائماً على المصالح.
رؤية نقدية أفريقية للاستراتيجية
على الرغم من بعض نقاط القوة في الاستراتيجية، إلا أنها تثير أيضاً عدداً من الانقسامات؛ إذ يشير النقاد إلى لغتها الأيديولوجية الواضحة، والتسييس الشديد للسياسة الأمنية، والتطبيق الواسع للغاية لمفهوم الإرهاب على أنواع مختلفة جداً من التهديد. وفي الوقت نفسه، تولي الوثيقة اهتماماً أقل لمنع التطرف، أو العوامل الاجتماعية، أو الاستقرار طويل الأجل للمناطق التي تمر بأزمات. وبشكل عام، تمثل الاستراتيجية تحولاً كبيراً في كيفية تعريف الولايات المتحدة للتهديدات الأمنية، وربط مكافحة الإرهاب بالجريمة المنظمة، واستخدام الأدوات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية ضمن إطار سياسة الأمن العالمي.
إن العديد من العوامل التي تحرك الهجمات المسلحة في حوض بحيرة تشاد من غير المرجح أن تُحل عبر العمليات العسكرية وحدها؛ فالظروف التي تمنح تنظيم “داعش – ولاية غرب أفريقيا” وجماعة “بوكو حرام” قاعدتهما في التجنيد والدعم اللوجستي والشرعية الاجتماعية في بعض المجتمعات تعود إلى عقود من الفقر والنزوح وفجوات الحوكمة والإقصاء السياسي. وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن المنطقة تضم 2.9 مليون نازح داخلياً، بما في ذلك 2.3 مليون في نيجيريا. وقد تسبب العنف في إغلاق 1827 مدرسة في جميع أنحاء حوض بحيرة تشاد، في حين لم يتلق الفاعلون الإنسانيون سوى 19% فقط من التمويل المطلوب لعام 2025.
وصرح “أبيولا صادق”، وهو مستشار أمني، لشبكة الجزيرة قائلاً: “إن الانتعاش الأخير لتنظيم داعش في غرب أفريقيا وبوكو حرام لا يعكس مجرد انتكاسة عسكرية، بل يعكس فراغاً متعمقاً في الحوكمة عبر حوض بحيرة تشاد”. وأضاف صادق: “في حين أن مقتل زعيم تنظيم داعش (أبو بلال المنوكي) قد يربك هياكل القيادة مؤقتاً، فمن المرجح أيضاً أن يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف انتقامية مع تنافس الفصائل الجهادية المتناحرة على النفوذ والشرعية والسيطرة على الأراضي”.
وفي الأسابيع التي تلت الضربة، سجلت التقارير الاستخباراتية تصاعداً في الهجمات الصغيرة والمداهمات عبر الحدود، مما يشير إلى أن التشرذم العملياتي لم يقلل من قدرة الجماعات على تنسيق الاعتداءات. ولا يزال المدنيون يواجهون قيوداً على الحركة ومخاطر مرتفعة من التجنيد والابتزاز والنزوح. وقال صادق: “مع اقتراب الانتخابات العامة في نيجيريا لعام 2027، فمن المرجح جداً أن تكثف هذه الجماعات عملياتها، وتوسع هجماتها المحتملة إلى ما وراء معاقلها التقليدية في حوض بحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا”.
ومن وجهة النظر هذه، فإن تركيز الاستراتيجية بشكل أكبر على الضربات المستهدفة والعمليات الاستخباراتية يعالج الأعراض بدلاً من الأسباب. وبينما قد تقضي هذه الأساليب على قادة أفراد، فإنها لا تفعل الكثير لمعالجة الظروف الهيكلية التي تسمح للحركات المتطرفة بتعزيز صفوفها. وفي الختام، يظل السؤال المهيمن هو ما إذا كان هذا النهج الجديد يمثل تكيفاً مستداماً مع الحقائق الأمنية الحديثة، أم أنه شكل من أشكال التراجع الاستراتيجي الذي يهدد بخلق ثغرات أمنية جديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقال مترجم من الأصل الإنجليزي المتوفر في منصة الأفارقة عبر الرابط أدناه
The 2026 U.S. Counter-Terrorism Strategy: A Critical African Assessment
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.