تُعدّ نيجيريا، أكبر اقتصاد في إفريقيا وأكثر دولها سكانًا، في قلب منافسة جيوسياسية محتدمة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والصين. لم يعد هذا الصراع مقتصرًا على التصريحات الدبلوماسية أو المناورات السياسية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يؤثر في توجهات نيجيريا الاقتصادية والأمنية والإقليمية. ففي الوقت الذي تُصدر فيه واشنطن تحذيراتٍ صريحة بشأن احتمال التدخل العسكري تحت ذريعة حماية الاستقرار في المنطقة، تُوسّع بكين حضورها الاقتصادي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية ومشروعات الطاقة والشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد مع أبوجا. وسط هذه التحولات، تقف نيجيريا أمام تحدٍّ استراتيجي بالغ الحساسية: كيف يمكنها الموازنة بين مصالحها الوطنية وضغوط القوى العالمية المتنافسة، دون التفريط باستقلال قرارها السيادي أو الوقوع في فخ الاصطفاف السياسي؟ إن قدرتها على المناورة الذكية بين الشرق والغرب ستحدد ما إذا كانت ستظل فاعلًا مستقلاً في النظام الدولي الجديد أم ستتحول إلى ساحة تنافس للقوى الكبرى على أرض إفريقيا.
السياق العام للأزمة الراهنة
في بداية نوفمبر 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات علنية بالتدخل العسكري المباشر في نيجيريا، متذرعاً باتهامات بارتكاب “إبادة جماعية” ضد المسيحيين على يد جماعات إرهابية وميليشيات إسلامية متطرفة. وأصدر ترامب تعليماته لوزارة الدفاع الأمريكية بـ “الاستعداد للعمل”، محذراً من أنه إذا استمرت نيجيريا في السماح بقتل المسيحيين، فإن الولايات المتحدة ستوقف كل المساعدات والمعونات الموجهة للبلاد، وقد تشنّ عملية عسكرية “سريعة وقاسية”. ثم كان رد الفعل الصيني فورياً وحاسماً، حيث أعلنت الصين عن دعمها الثابت لنيجيريا، وأصدرت تحذيرات صريحة ضد أي تدخل أجنبي يُعتبر انتهاكاً لسيادتها. قالت متحدثة وزارة الخارجية الصينية مي نينج: “بصفتنا شريكاً استراتيجياً شاملاً لنيجيريا، تعارض الصين بشدة محاولات أي دولة أجنبية استخدام الدين أو حقوق الإنسان ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى أو فرض عقوبات وتهديدات عسكرية”.[1]
يعكس هذا التبادل السريع ديناميكية جيوسياسية أوسع حيث تسعى القوى العالمية الكبرى للهيمنة على نقاط استراتيجية في إفريقيا، وتمثل نيجيريا إحدى أهم هذه النقاط.
عمق الشراكة الصينية: من التجارة إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة
لا تعكس استجابة الصين مجرد قلق إنساني. فالعلاقات الصينية-النيجيرية قد شهدت تطوراً كبيراً، خاصة بعد زيارة الرئيس تينوبو إلى بكين في سبتمبر 2024. أعلن الرئيسان شي جين بينج وتينوبو عن ترقية العلاقات بين البلدين إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، وهي خطوة تعكس التعمق النوعي في العلاقات الثنائية.[2]
تحتل الصين موقعاً فريداً كأكبر شريك تجاري ثنائي لنيجيريا، والدائن الثنائي الأكبر. ويبلغ إجمالي الديون النيجيرية للصين حوالي 5 بليون دولار أمريكي، وهو استثمار ضخم يعكس المصالح الاقتصادية العميقة الصين في استقرار البلاد.[3]
ومع ذلك، فإن العلاقة تتجاوز التجارة التقليدية. دخلت الصين وافقاً في مشاريع كبرى للبنية التحتية من خلال مبادرة الحزام والطريق. وتشمل هذه المشاريع تحديث السكك الحديدية، وتطوير الموانئ العميقة (بما في ذلك ميناء ليكي العميق الذي يُعتبر أكبر ميناء في نيجيريا)، والاستثمارات في محطات الطاقة وشبكات الاتصالات. كما وقعت الدولتان عقوداً للتعاون في التطبيقات السلمية للطاقة النووية وإنشاء مناطق تجارية حرة.[4]
من جانبها، قامت الحكومة النيجيرية بتعديل سياستها التجارية لتحقيق توازن أفضل مع الصين. في فبراير 2025، تم تجديد اتفاقية المبادلات النقدية الثنائية بقيمة ملياري دولار لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يوضح الالتزام المتبادل بتعميق العلاقات الاقتصادية والمالية.[5]
التهديد الأمريكي… غطاء دبلوماسي لمعادلة النفوذ الاقتصادي
تحمل التهديدات الأمريكية عدة طبقات من التعقيد. ذلك لأن الرئيس ترامب يبرر علناً التدخل المحتمل بحماية المسيحيين من الاضطهاد، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن هناك اعتبارات استراتيجية أعمق بكثير.[6]
أولاً، تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة نفوذها في غرب إفريقيا، بعد أن فقدت مواقع استراتيجية مهمة في المنطقة، بما فيها قواعد للطائرات بدون طيار في النيجر، حيث تم طردها من قبل الحكومات العسكرية التي اقتربت من روسيا والصين.[7]
ثانياً، تكتسب نيجيريا أهمية متزايدة كمصدر للمعادن النادرة والحرجة، حيث توجد رواسب كبيرة من الموناسايت الغنية بالليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس واللانثانوم والنيوديميوم والبراسيوديميوم، خاصة في شمال شرق نيجيريا، وهي معادن حيوية لتقنيات الدفاع والطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية.[8]
ثالثاً، تأتي هذه التهديدات في سياق توتر متزايد بين واشنطن ونيجيريا بشأن قضايا تجارية. ولقد سبق أن فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية بنسبة 14% على واردات نيجيرية، فردّت نيجيريا بفرض حظر على 25 فئة من المنتجات الأمريكية. وكما ألمح البعض، قد يكون التهديد العسكري جزءاً من استراتيجية أوسع لإجبار نيجيريا على الامتثال للسياسات الأمريكية.[9]
موقف نيجيريا: استقلالية استراتيجية وسط الضغط
أظهرت حكومة الرئيس تينوبو رداً متوازناً يعكس سياستها المعلنة للاستقلالية الاستراتيجية، إذ رفضت حكومته بشكل قاطع التهديدات الأمريكية باعتبارها انتهاكاً لسيادتها، وأعربت عن استعدادها للتعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لكن في إطار يحترم السيادة الوطنية. وقال الرئيس تينوبو إن الحوار والتعاون الأمني مع الولايات المتحدة يجب أن يكونا ممكنين، موضحاً أن نيجيريا والولايات المتحدة تتعاونان بالفعل بشكل وثيق على مكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وشراء الأسلحة. لكن، حسب متحدث الرئاسة، قد تكون تهديدات ترامب مجرد “تكتيك تفاوضي”.[10]
ومن الناحية الجيوسياسية، اتبعت نيجيريا منهجاً يُعرّف بـ “الهدجينج الاستراتيجي” – حيث تعمّق التعاون الاقتصادي مع الصين والكتلة الناشئة بريكس بينما تحافظ على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. تم قبول نيجيريا كـ “دولة شريكة” في بريكس في 2025، وهو ما يعكس تطلعات الدولة لتنويع شركاءها الدوليين.[11]
ويقول متحدثون حكوميون إن هذا المسار لا يعني الابتعاد عن الشركاء التقليديين بل التأكيد على مصالح نيجيريا الوطنية. صرّح وزير الخارجية يوسف تجار مراراً بأن الاستقلالية الاستراتيجية تعني “المحاذاة مع المصالح الوطنية بغض النظر عن الاتجاه الذي يأخذنا إليه”.[12]
الانعكاسات الإقليمية والعالمية
تحمل هذه الديناميكية تأثيرات أوسع على الاستقرار الإقليمي والتوازنات العالمية.
أولاً، توضح الأزمة كيف أصبحت أفريقيا بشكل متزايد ساحة للمنافسة الجيوسياسية المباشرة. كما يلاحظ الباحثون، فإن الصراع على النفوذ في أفريقيا يعكس “مأساة السياسة العظمى” حيث تسعى الدول الكبرى لتعظيم مزاياها النسبية والسيطرة على الحلفاء الإقليميين.[13]
ثانياً، يشير الموقف النيجيري إلى أن الدول الأفريقية الكبرى قد بدأت تطور قدرة أكبر على المناورة والمقاومة. بدلاً من الخضوع للضغط الأحادي، تختار نيجيريا تنويع علاقاتها. لكن هذا يأتي بتكاليفه: فالمحاذاة الوثيقة جداً مع الصين قد تؤدي إلى خسارة الاستثمارات الغربية والوصول إلى الأسواق المالية الدولية، بينما الرضوخ لضغط واشنطن قد يؤثر على الأرباح الاقتصادية من الشراكة الصينية.[14]
ثالثاً، يجب أن يؤخذ في الاعتبار الدور الروسي الناشئ. بينما كانت الولايات المتحدة والصين تركز على نيجيريا، عمقت روسيا علاقاتها مع دول غرب إفريقية أخرى مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ويعني هذا التعقيد أن البيئة الأمنية الإقليمية تصبح أكثر استقطاباً وتشتتاً.[15]
التحديات الداخلية والفرص المستقبلية
بينما تحافظ نيجيريا على توازن دقيق بين الشرق والغرب، تظل التحديات الأمنية الداخلية أحد أبرز العقبات أمام استقرارها ونموها. فقد أدى تصاعد نشاط جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا إلى مقتل الآلاف، خصوصًا في المناطق الشمالية، وتسبب في نزوحٍ جماعي وأزمة إنسانية عميقة تهدد النسيج الاجتماعي للدولة. ومع ذلك، فإن هذا الواقع القاسي قد يشكّل أيضًا فرصة استراتيجية لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر صلابة.
يمكن لنيجيريا أن تحوّل هذه التحديات إلى نقطة انطلاق نحو استقرار وتنمية مستدامين، من خلال استثمار الحوار القائم مع الشركاء الدوليين لدعم مشاريع الأمن والتنمية المتكاملة التي تخدم مصالحها الوطنية. كما يمكنها الاستفادة من الاستثمارات الصينية في البنية التحتية لتعزيز التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، في مقابل توظيف الدعم الغربي – خاصة الأمريكي – لتطوير القدرات الأمنية ومكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق، تبدو نيجيريا وكأنها تقف على مفترق طرق حقيقي؛ فاختبار النفوذ الدولي الحالي لا يقتصر على دبلوماسية اللحظة، بل يعكس منافسة عالمية عميقة على مستقبل إفريقيا. وبينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطها، وتعرض الصين دعمها، تُظهر نيجيريا وعياً متزايداً بضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي.
إن نجاح نيجيريا في هذا الاختبار سيتوقف على قدرتها في تحويل الصراعات إلى فرص، والمخاطر إلى أدوات لبناء القوة الذاتية. فإذا استطاعت معالجة جذور العنف الداخلي بطرقٍ تحترم سيادتها وتُعزز التنمية الشاملة، فستصبح نموذجاً إفريقياً في كيفية المناورة بين القوى الكبرى دون التفريط بالمصالح الوطنية. وفي جميع الأحوال، يراقب العالم عن كثب كيف ستتعامل أكبر قوة اقتصادية في إفريقيا مع هذا الاختبار الحاسم لاستقلاليتها وسيادتها.
خلاصة الموقف
تخوض نيجيريا اختباراً استراتيجياً حاسماً يحدد موقعها في النظام الدولي الجديد. نجاحها في الحفاظ على توازنٍ دقيقٍ بين واشنطن وبكين سيجعلها نموذجاً إفريقياً للدول التي تمارس استقلالية القرار في ظل تعدد الأقطاب. أما فشلها في إدارة هذا التوازن فقد يحوّلها إلى ساحة تنافس وصراع بالوكالة بين القوى الكبرى. فالمرحلة المقبلة ستُظهر ما إذا كانت نيجيريا قادرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى فرصة لبناء قوة وطنية مستقلة ومستدامة.
[1]AllAfrica. (2025, November 4). Nigeria: Why China opposes U.S.’ threat of military intervention in Nigeria – Experts. Retrieved from https://allafrica.com/stories/202511050059.html
[2] Calabrese, J. (2025, April 21). Redefining the China-Nigeria partnership: From trade to development. Think China. Retrieved from https://www.thinkchina.sg/politics/redefining-china-nigeria-partnership-trade-development
Baobab Africa. (2024, September 4). Nigeria and China elevate ties to comprehensive strategic partnership. Retrieved from https://baobabafricaonline.com/2024/09/04/nigeria-and-china-elevate-ties-to-comprehensive-strategic-partnership/#:~:text=elevation%20of%20Nigeria%2DChina%20ties%20to%20that%20of%20a%20comprehensive%20strategic%20partnership
[3] Legit.ng. (2025, November 5). China defends Nigeria: 4 reasons Beijing attacks Trump over plans to strike Africa’s biggest economy. Retrieved from https://www.legit.ng/business-economy/economy/1681854-china-defends-nigeria-4-reasons-beijing-attacks-trump-plans-strike-africas-biggest-economy/
[4] Calabrese, J. (2025, April 21). Redefining the China-Nigeria partnership: From trade to development. Think China. Retrieved from https://www.thinkchina.sg/politics/redefining-china-nigeria-partnership-trade-development
Chinese Embassy in Nigeria. (2023, October 27). BRI: A path towards common development and a blueprint for China-Nigeria cooperation (by H.E. Cui Jianchun, Chinese Ambassador to Nigeria). Retrieved from https://ng.china-embassy.gov.cn/eng/zngx/cne/202310/t20231027_11169250.htm
[5] Calabrese, J. (2025, April 21). Redefining the China-Nigeria partnership: From trade to development. Think China. Retrieved from https://www.thinkchina.sg/politics/redefining-china-nigeria-partnership-trade-development
[6] Ghana Broadcasting Corporation. (2025, November 4). Trump’s threat of military action in Nigeria over alleged Christian killings sparks continental concern. Retrieved from https://www.gbcghanaonline.com/news/trumps-threat-of-military-action-in-nigeria-over-alleged-christian-killings-sparks-continental-concern/2025/
[7] Inada News. (2025, November 6). New York Times report reveals U.S. military plans on Nigeria after Trump’s threat. Retrieved from
Premium Times Nigeria. (2025, May 28). Nigeria on the world stage: Assessing Tinubu’s foreign policy after two years. Retrieved from https://www.premiumtimesng.com/news/headlines/797356-nigeria-on-the-world-stage-assessing-tinubus-foreign-policy-after-two-years.html
[8] Yahoo News. (2025, November 3). Trump threatens Nigeria with military action over alleged attacks on Christians. Retrieved from https://ca.news.yahoo.com/trump-threatens-nigeria-military-action-122901927.html
[9] The Papers Nigeria. (2025, November 4). Trump’s threat: US plots to endanger Nigerians for reasons – ex-president warns citizens. Retrieved from https://thepapers.ng/2025/11/04/trumps-threat-us-plots-to-endanger-nigerians-for-reasons-ex-president-warns-citizens/
[10] Yahoo News. (2025, November 3). Trump threatens Nigeria with military action amid claims of Christian persecution. Retrieved from https://ca.news.yahoo.com/trump-threatens-nigeria-military-action-122901927.html
[11] Okolieaboh, A. (2025, November 4). Nigeria’s strategic crossroads: Navigating U.S.–China tensions and the BRICS shift in Africa. PRNigeria. Retrieved from https://prnigeria.com/2025/11/04/nigeria-strategic-crossroads/#:~:text=Nigeria%E2%80%99s%20diplomacy%20resembles%20strategic%20hedging
[12] Enikanolaiye, A. (2025, June 2). Two years of Nigeria’s foreign policy under President Tinubu administration: An informed commentary – The Statehouse, Abuja. Retrieved from https://statehouse.gov.ng/news/two-years-of-nigerias-foreign-policy-under-president-tinubu-administration-an-informed-commentary/
[13] Okolieaboh, A. (2025, November 4). Nigeria’s strategic crossroads: Navigating U.S.–China tensions and the BRICS shift in Africa. PRNigeria. Retrieved from https://prnigeria.com/2025/11/04/nigeria-strategic-crossroads/#:~:text=Nigeria%E2%80%99s%20diplomacy%20resembles%20strategic%20hedging
[14] Ibid.
[15] Olagunju, O. O., & Ogunmola, G. O. (2025, March–April). The emergence of Russia in West Africa: Implication on Nigeria’s national security. International Journal of Humanities, Social Science and Management (IJHSSM), 5(2), 816-827. Retrieved from https://ijhssm.org/issue_dcp/The%20Emergence%20of%20Russia%20in%20West%20Africa%20Implication%20on%20Nigeria%20s%20National%20Security.pdf?
آية محسب عبد الحميد مصطفى
باحثة دكتوراه/معهد البحوث والدراسات الافريقية ودول حوض النيل- جامعة أسوان