لقد ظل الكثير من الناس في أفريقيا معرضين لخطر اللارفاهية والإنعاش البائس، وبقوا دون حماية من صدمات الاقتصاد، رغم خطوات مختلفة شتى تم تنفيذها من أجل تحقيق الضمان الاجتماعي، الأمر الذي جعل الإقصاء الاجتماعي مسألة خطيرة تسبب القلق في العالم عموما. ولقد أدت الفعالية الضعيفة التي تعرض لها معظم اقتصادات أفريقيا في بعض الحالات، إلى إغلاق مفاجئ للشركات وتخفيض النفقات بشكل بليغ لدى بعضها، نتيجة للمشاكل الواقعة في سبيل الجدوى الاقتصادية.
وليس مفهوم الكفالة الاجتماعية ظاهرة جديدة في جنوب الصحراء الأفريقي، إذ كانت للمجتمعات المحلية في السابق طرقها التقليدية الخاصة لحماية أهلها من تقلبات الحياة ومخاطرها، قبل ظهور أنظمة الكفالة الاجتماعية الحديثة. وفي السنوات الأخيرة، تمت إعادة تقييم سياسة الكفالة الاجتماعية كأداة حاسمة في مكافحة الظلم الاجتماعي والفقر، بحيث قد أثر عدم امتلاك الموارد المالية في عيش الكثيرين في جنوب الصحراء الأفريقي بشكل كبير. ولكن، يمكن القول أن معاناة الناس في هذه المنطقة قد تفاقمت بسبب ارتفاع البطالة. فعلى الرغم من أن الشؤون الاجتماعية تضمن كمية واسعة من الأنشطة التي تعزز الرفاهية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والوصول إلى المياه وغيرها، إلا أن الكفالة الاجتماعية يركّز عادة على الجوانب التي ترتبط بالأنشطة الاقتصادية. أما انقياد المجتمعات الأصلية في أراضي غانا الحديثة، فله دور كبير في تطور الكفالة الاجتماعية، خلافا للفترة الاستعمارية حيث كانت الكفالة الاجتماعية فيها مرتبطة بالتحديث وأيديولوجية الإنتاج الرأسمالي، إذ الاستعمار لم يدعم أشكال الكفالة الاجتماعية الحديثة ولم يمنعها أيضا.
إن نظام الكفالة الاجتماعية في غانا – كحالته في الدول الأخرى – يوفر مخصصات نقدية شهرية لتعويض جزئي عن الدخل المفقود للعمال أو لأُسَرهم بعد التقاعد أو بعد وفاة معيل الأسرة أو بعد العجز البدني والصحي. وتُودَع الضرائب التي يدفعها العمال والموظفون في صناديق ائتمانية خاصة تُدار من قبل الصندوق الوطني للتأمين الاجتماعي (SSNIT). لقد تم تقديم عدة برامج الكفالة الاجتماعية في غانا قبل الاستقلال، بيد أنها لم تكن على المستوى الوطني، حيث كان هناك مخططات موجهة لطبقة معينة من العمال في الوظائف الرسمية ذات الأجور. وعلى سبيل المثال، صدرت اتفاقية تُلزم تقديم تعويضات نقدية للعمال المصابين أثناء أداء عملهم، وذلك في اجتماع منظمة العمل الدولية المنعقدة في عام 1940. كذلك إصدار قانون تعويضات العمال (رقم 52)، الذي يُعد أول تشريع رسمي في مجال الكفالة الاجتماعية، في يوليو 1940. ثم في عام 1946، صدر قانون رواتب التقاعد (رقم 42) لتأسيس نظام معاش غير قائم على المساهمات (CAP 30) لكبار موظفي الدولة والقوات المسلحة، وتم توسيع نطاقه لاحقًا ليشمل الأرامل والأيتام. بدأ هذا النظام كبرنامج غير مساهَم بالدخل الضريبي، غير أنه تم لاحقا فرض مساهمة بنسبة 5% من الدخل قبل الضريبة على موظفي الخدمة المدنية والمعلمين، بينما احتُفظ للنظام غير القائم على المساهمات لأفراد القوات المسلحة.
خطوات غانا الجريئة نحو إصلاح الكفالة الاجتماعية: القيادة والابتكار
إن القضايا المتعلقة بالحماية الاجتماعية ليست فريدة من نوعها في غانا، لكنها تأثرت بعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي. وتشير مستجدات العالم إلى أن عدم الاستقرار الاجتماعي أمر ملاحَظ في جميع البلدان النامية التي تنتهج سياسات التكيف الهيكلي، والمجتمعات التي تمر بمرحلة انتقال. وفي الواقع، تظهر هذه المستجدات العالمية وجود قلق واسع بشأن الحماية الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بقضايا التقاعد والمعاش، في الدول النامية والمتقدمة. فالكفالة الاجتماعية القديم في خطر في جميع أنحاء العالم بسبب انخفاض معدلات الولادة وزيادة متوسط العمر. وهذا يدل على وجود عدد أقل من المساهمين في الدخل الضريبي، وزيادة عدد الذين يعتمدون على هذه الفوائد التي تؤخذ من الدخل الضريبي لفترات طويلة المدى. ولهذا، استخدم صانعو السياسات في غانا الكفالة الاجتماعية، خاصة سياسات الدخل للمسنين، كوسيلة وهدف في آنٍ واحد، على عكس الدول المتقدمة التي تنظر إلى سياسة الكفالة الاجتماعية كنتيجة للتصنيع.
اتخذت إدارة الرئيس جون ماهما بعد فوزه في انتخابات عام 2024 خطوات عدة لإجراء إصلاحات تستهدف التعافي الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في غانا. ومن ضمنها إلغاء بعض الضرائب مثل ضريبة التحويلات الإلكترونية (E-levy) بنسبة 1.5%، وضريبة الرهانات، وضريبة الانبعاثات، تنفيذًا لوعوده الانتخابية بتخفيف العبء الاقتصادي عن المواطنين ذوي الدخل المنخفض. وكان الغرض من إلغاء هذه الضرائب تخفيفَ العبء المالي وحماية الأسر الضعيفة من الأزمات الاقتصادية، حسبما ورد من نائب وزير المالية توماس نياركو أمبيم. ثم نفذت إدارة ماهما إصلاحات هيكلية لتعزيز التعافي الاقتصادي ومكافحة الفساد. ومن أبرز خطواته في ذلك، إنشاء “عملية استعادة الأموال المنهوبة” (ORAL)، وهي فرقة عمل لمكافحة الفساد تهدف إلى استرداد الأموال العامة المنهوبة، وتعزيز المساءلة والمجاسبة، وضمان الحوكمة الرشيدة. وكذلك قامت الحكومة بتأسيس جهاز جديد يهيمن على قطاع الذهب بغرض مكافحة التعدين غير المشروع، وزيادة الشفافية، وتعزيز إيرادات الدولة من تجارة الذهب.
وكانت ضريبة التحويلات الإلكترونية، التي أثارت الضجة كثيرا، قد طرحت أولا في عام 2022 في عهد إدارة أكوفو-أدو كإجراء لزيادة الإيرادات من الاقتصاد الرقمي المتنامي. لكنها لم تكن مرحبة بها من قبل غالبية الغانيين. وأفاد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بأن التجار أفصحوا عن قلقهم وخوفهم من زيادة التكاليف وتقليل سهولة المعاملات الرقمية، قائلين بأن الضريبة تهدد مصادر أرزاقهم. وعلى الرغم من بعض الاستثناءات والتخفيضات، لم يزل الشعب غير راضين عنها. وفي بحث قدمه “المركز الدولي للضرائب والتنمية”، ظهر أن الاستياء وعدم الرضا لم يكن بسبب النسبة (1.5%) نفسها، بل بسبب انعدام الثقة في قدرة الحكومة على إدارة العائدات الضريبية جيدا. وبينما حققت الضريبة إيرادات تعادل 1% من إجمالي إيرادات الدولة، غير أنها لم تحقق سوى 12% من أهدافها المتوقعة. وعلى الرغم من ذلك، فقد ساعدت في تحديد الأفراد ذوي الدخل المرتفع الذين لم يكونوا ضمن النظام الضريبي سابقًا.
وهناك دراسة أخرى تشير إلى أن هذه الضريبة كانت انكفائيا بشكل كبير، حيث أثّرت على الفقراء والعاملين في القطاع غير الرسمي، وهم من بدأوا مؤخرًا في استخدام الخدمات المالية الرقمية. وعلى الرغم من تعهدات الحكومة السابقة باستخدام هذه العائدات في مشاريع التنمية، بقيت آراء الناس تجاهها سلبية. وقد انخفض استخدام الخدمات المالية الرقمية خلال فترة تطبيق الضريبة، لأن معظم مستخدميها يهربون من دفع الرسوم الإضافية. ولهذا لقي قرار الرئيس ماهما بإلغاء هذه الضريبة في عام 2025 ترحيبا واسعا من الشعب أجمع، واعتُبر عودةً للعدالة الاقتصادية، ودليلا على استجابة الإدارة الجديدة لمطالب المواطنين. وبإزالة هذا الحاجز المالي، عززت إدارة ماهما الشمول المالي بشكل أكبر.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة؛ كيف يمكن تعويض الإيرادات المفقودة دون اللجوء إلى تدابير أخرى غير مرحبة بها؟ مع العلم بأن قطاع الذهب في غانا قد واجه تسربًا كبيرًا، حيث تم تهريب 60 طنًا (بقيمة 1.2 بليون دولار) خلال الأزمة الاقتصادية لعام 2022، وهي خسائر كان من الممكن أن تساهم في استقرار العملة وتمويل التنمية، وفقًا لوزير المالية آتو فورسون. وقد شهد إصلاح هذا القطاع إنشاء مجلس الذهب الغاني (GoldBod) وإلغاء ضريبة 1.5% على تجارة الذهب الخام. وعلى الرغم من استمرار هيئة ORAL في تحقيق تقدّم في مهامها لمكافحة الفساد، فإن أنصار حزب NPP المعارض، يواصلون في معارضة الخطوة واعتبروها خطوة سياسية للقضاء على قوة المعارضة، وأنها تفتقر إلى الأساس القانوني، بل هي -برأيهم- أداة لإسكات المعارضة. ومع ذلك، لاقت إصلاحات ماهما المبكرة دعمًا شعبيًا إيجابيًا في أوساط الغانيين.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.