اختُتِمتْ يوم 17 أغسطس 2025، بالعاصمة الملغاشية أنتاناناريفو، أعمال القمَّة العادية الـ 45 لرؤساء دول وحكومات مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)، والتي ركَّزت في مداولاتها على تسريع التكامل الإقليمي من خلال تعزيز التعاون الإنمائي بين الدول الأطراف، كما ناقشت القمَّة التقدم المُحرز في المنطقة بشأن الخطة الاستراتيجية الإقليمية للتنمية الاستراتيجية (RISDP) للفترة من 2020 إلى 2030. وفي هذا السياق، يسعى هذا التقرير إلى التعريف بالمجموعة الإنمائية للجنوب الإفريقي من حيث نشأتها وعضويتها وأهدافها، كما يهدف إلى رصد أهم النتائج والمُخرجات التي أسفرت عنها القمَّة الأخيرة.
مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك): النشأة، العضوية، والأهداف
تُعدّْ الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC) منظمة اقتصادية إقليمية، تأسست رسميًّا عام 1992 خلفًا لمؤتمر تنسيق التنمية للجنوب الإفريقي (SADCC) الذي أنشيء في لوساكا عام 1980 من قبل تسع دول، ضمَّت كلًا من أنغولا، ليسوتو، مالاوي، موزمبيق، سوازيلاند (إسواتيني)، زامبيا، زيمبابوي، بوتسوانا، وتنزانيا، بهدف الحد من التبعية الاقتصادية وتوطيد الجهود لضمان التعاون والتكامل الإقليميين وتعزيز السياسات الوطنية، فضلًا عن ذلك، سعت حكومات المؤتمر التنسيقي إلى تقليل اعتمادها على جنوب إفريقيا وزيادة الضغط السياسي عليها، نتيجة لانتهاجها نظام الفصل العنصري الذي طبَّقته حكومة الأقلية البيضاء مُنذ 1948 حتى سقوطها عام 1994.
بحلول عام 1992، وقَّعت حكومات الدول التسع السالفة خلال قمَّة ويندهوك، بالإضافة إلى حكومة ناميبيا التي أصبحت عضوًا في مؤتمر تنسيق التنمية للجنوب الإفريقي بعد استقلالها عن جنوب إفريقيا عام 1990، إعلان ومعاهدة (سادك) إيذانًا بتحوُّل المؤتمر التنسيقي للتنمية إلى مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي بشكل رسمي، وفي أغسطس 2001، وقَّع رؤساء الدول الأطراف اتفاقيةً جديدة لتعديل “معاهدة سادك” لعام 1992 من خلال وضع خطة للتنمية الاستراتيجية الإقليمية.
تضم جماعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)، باعتبارها أحد التكتلات الاقتصادية الإقليمية الثمانية المُعترَف بها كركائز لتحقيق التكامل الإقليمي في القارة الإفريقية، ستة عشر عضوًا حتى اليوم. فبالإضافة إلى الدول العشر المذكورة أعلاه، استقطبت المجموعة عضوية ستة دول أخرى، وهي: جنوب إفريقيا، جزر القمر، الكونغو الديمقراطية، مدغشقر، موريشيوس، وجمهورية سيشل، وكانت هذه الأخيرة قد انسحبت من التكتل الإقليمي عام 2004 ثم استعادت عضويتها مرةً أخرى بعد أربع سنوات. وتُشكل دول مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي مجتمعةً ما يقرب من 27.5 في المائة من تعداد سكان القارة، بإجمالي 412 مليون نسمة، فيما يصل إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول إلى 813 بليون دولار. وبينما تُصنف جمهورية الكونغو الديمقراطية باعتبارها أكبر دول الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي من ناحيتي المساحة والتعداد السكاني، فإنَّ جمهورية جنوب إفريقيا تـتصدر دول التكـتل من حيث الناتج المحلي الإجمالي (GDP) والذي يبلغ نحو405 بليون دولار، أي ما يساوي تقريبًا ما تنتجه دول التكتل الأخرى مجتمعةً.

وتُعدّْ قمَّة رؤساء الدول أو الحكومات، التي تُعقد مرةً واحدةً سنويًّا ما لم تقرر الدول الأطراف خلاف ذلك، أعلى هيئة لصنع السياسات في مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)؛ حيث تُتخذ القرارات خلال القمَّة بالإجماع، وتقرر إنشاء المؤسسات واللجان والأجهزة الأخرى حسب الحاجة، وتضطلع بتعيين الأمين التنفيذي ونائبه بناءً على توصية مجلس وزراء المجموعة.
وتطمح مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك) إلى تعزيز النمو الاقتصادي المُستدام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال أنظمة فعَّالة ومنتجة وتعاون أعمق ووثيق بين دول الإقليم، ومن بين الأهداف الرئيسية التي تصبو المجموعة الاقتصادية إلى تحقيقها كما جاء في معاهدتها تطوير قيم وأنظمة سياسية مُشتركة، وتعزيز التنمية المُستدامة القائمة على الاعتماد الجماعي المُتبادل والترابط بين الدول الأطراف، كما تهدف أيضًا إلى تحقيق التكامل بين الاستراتيجيات والبرامج الوطنية والإقليمية، وتحقيق الاستخدام المُستدام للموارد الطبيعية والحماية الفعَّالة للبيئة، فضلًا عن توطيد الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية بين شعوب المنطقة[1].
قمَّة مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي الأخيرة في مدغشقر
انعقدت في 17 أغسطس 2025 القمَّة العادية الخامسة والأربعين لرؤساء دول وحكومات مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك) في مركز إيفاتو Ivato للمؤتمرات في أنتاناناريفو، عاصمة مدغشقر، تحت شعار “النهوض بالتصنيع والزراعة والتحوُّل في مجال الطاقة من أجل تنمية للجنوب الإفريقي أكثر مرونة”، وهي المرة الأولى التي تستضيف فيها الدولة الجزرية قمَّة المجموعة منذ انضمامها إليها قبل عقدين، مما يعكس رغبة حكومتها في توسيع انخراطها في المنظومة الإقليمية، وقد ترأس القمَّة أندري راجولينا Andry Rajoelina، رئيس الدولة المُضيفة، خلفًا لـ إيمرسون دامبودزو Emmerson Dambudzo، رئيس جمهورية زيمبابوي.
وتركَّزَ النقاش خلال أعمال هذه القمَّة على عدة محاور، أهمها ضرورة تسريع وتيرة التكامل الإقليمي وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأطراف في ظل التحديات المُتسارعة التي تواجه الإقليم، وذلك عبر عدد من الركائز الأساسية، كتعزيز القدرات الصناعية، والتحوُّل الشامل في مجال الطاقة، لاسيَّما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحديث قطاع الزراعة[2]، فعلى الرغم من أنَّ الزراعة تساهم بنسبة 33% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة وتوفر الدخل لـ 62% من سكانها، إلا أنَّ ما يقرب من 60 مليون شخص لا يزالون يُعانون من انعدام الأمن الغذائي؛ لذلك حثت القمَّة على ضرورة تحديث الزراعة لدفع عجلة التكامل الاقتصادي وضمان الاكتفاء الذاتي[3].
علاوةً على ذلك، تناولت القمَّة التقدم المُحرز في تنفيذ خطة التنمية الاستراتيجية الإقليمية الإرشادية للجنوب الإفريقي 2020-2030، واستعرضت الإنجازات التي تحققت في إطار القمَّة السابقة التي عُقدت تحت شعار “تعزيز الابتكار لإطلاق العنان للفرص من أجل النمو الاقتصادي المُستدام والتنمية في الجنوب الإفريقي”[4].
مُخرجات القمَّة الـ 45 لمجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)
أسفرت القمَّة الخامسة والأربعون لرؤساء دول وحكومات مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك) عن جملة من النتائج والمُخرجات المتباينة، التي تعكس شواغل واهتمامات حكومات دول الإقليم، وذلك على النحو الآتي:
1- إعادة تعيين إلياس ماغوسي أمينًا تنفيذيًّا لـ “سادك”: اتخذت القمَّة بالإجماع قرارًا بإعادة تعيين إلياس مبيدي ماغوسي Elias Mpedi Magosi أمينًا تنفيذيًّا لمجموعة تنمية الجنوب الإفريقي لولاية ثانية وأخيرة، ليتولى ماغوسي بذلك قيادة المُنظمة الإقليمية للسنوات الأربع القادمة، ومن المُتوقع أن يمنحه هذا التعيين الجديد فرصةً لتوجيه المنطقة نحو تحقيق الأهداف المُحددة في الخطة الاستراتيجية التنموية الإرشادية الإقليمية 2020- 2030، ورؤية سادك للتنمية 2050 التي تُحدد التطلُّعات طويلة الأجل للمنطقة[5].
2- انتخاب جنوب إفريقيا لرئاسة قمَّة سادك 2026م: حيث انتُخبت جنوب إفريقيا، التي انضمت إلى سادك في أبريل 1994 عقب سقوط حكومة الفصل العنصري، لرئاسة القمَّة الـ 46 لجماعة تنمية الجنوب الإفريقي المُقرر عقدها في أغسطس 2026، وفي هذا السياق قال الرئيس سيريل رامافوزا Cyril Ramaphosa، في كلمته خلال الحفل الختامي للقمَّة الأخيرة في مدغشقر، إنَّ حكومة وشعب جنوب إفريقيا يتطلعان إلى الترحيب بالدول الأطراف في أغسطس من العام المُقبل عندما تستضيف بلاده الدورة السادسة والأربعين لقمَّة سادك.
3- توقيع اتفاقية للإعفاء المُتبادل من التأشيرة بين أنغولا وسيشل: كان من أهم نتائج القمة الـ 45 لمجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك) توقيع اتفاقية ثنائية بين حكومتي أنغولا وسيشل بشأن الإعفاء المُتبادل من التأشيرة بالنسبة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والرسمية في كلا البلدين، وتأتي هذه الاتفاقية، التي وقَّعها وزير الخارجية تيت أنطونيو Téte Antónioعن الجانب الأنغولي، ووزير الثروة السمكية والاقتصاد الأزرق جان فرانسوا فيراري Jean-François Ferrari ممثلًا عن حكومة سيشل، ضمن جهود تطوير العلاقات الثنائية الرامية إلى تسهيل تنقل مواطني البلدين.

4- تأكيد الالتزام بتعزيز السلام والأمن في شرق الكونغو الديمقراطية: أكدت القمَّة التزامها بتعزيز السلام والأمن والاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تشهد نزاعًا عنيفًا بين القوات الحكومية والمليشيات المُتمردة في الشرق الكونغولي بقيادة حركة “إم 23″، وقد رحبت القمَّة بجهود الوساطة المُشتركة التي تبذلها مفوضية الاتحاد الإفريقي، ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC)، وجماعة شرق إفريقيا (EAC)، مع إقرارها بالحاجة المُلحة إلى تعزيز التكامل والتناغم بين العمليات التي تقودها إفريقيا والمُبادرات الأخرى، بما في ذلك اتفاق واشنطن الأوَّلي للسلام الذي أبرمته حكومتا رواندا والكونغو الديمقراطية في يونيو 2025، وإعلان الدوحة للمبادئ الذي وقَّعته حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة “إم 23” المُتمردة في يوليو من العام الجاري.
5- تجديد تضامن سادك مع شعب الصحراء الغربية: أعادت القمَّة العادية لرؤساء دول وحكومات مجموعة تنمية دول الجنوب الإفريقي التأكيد على دعمها وتضامنها الثابتين مع سكان الصحراء الغربية في نضالهم المستمر لتقرير مصيرهم، كما رحَّبت القمَّة بمذكرة التفاهم المُبرمة بين مجموعة التنمية لدول الجنوب الإفريقي (SADC) والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية (SADR)، وهي دولة مُعلنة ذاتيًا مُنذ عُقود، وتفرض سيادتها على جزءٍ كبير من منطقة الصحراء الغربية المُتنازع عليها مع حكومة المغرب التي ترى بأنَّ الإقليم جزءًا لا يتجزأ من أراضيها.
6- إنشاء صندوق للتنمية الإقليمية: دعت القمَّة إلى إنشاء صندوق للتنمية الإقليمية ليكون تابعًا لجماعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)، بوصفه آليةً مستقلةً ذات أغراض خاصة، تهدف إلى تعزيز المرونة الاقتصادية الإقليمية، ودعم التنمية المُستدامة، وتعبئة الاستثمارات طويلة الأجل لبرامج سادك الإقليمية.
ختامًا، أظهرت مُخرجات القمَّة العادية الـ 45 لرؤساء دول وحكومات مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك)، التي عُقِدت بالعاصمة الملغاشية أنتاناناريفو في 17 أغسطس 2025، اهتمامًا عميقًا ورؤيةً مُشتركة من قبل حكومات هذا التكتل بشأن مسألة التكامل الإقليمي وتعزيز التعاون الاقتصادي بين أطرافه من خلال تطوير القدرات الصناعية، وتحديث الزراعة، والاهتمام بمجال الطاقة من أجل تنمية الجنوب الإفريقي، ويبرُز هذا الاهتمام بشكل جلي من خلال إطلاق الخطة الاستراتيجية التنموية الإقليمية 2020- 2030، ورؤية سادك للتنمية 2050، ومن خلال سعي المجموعة الإنمائية لدول الجنوب الإفريقي لإنشاء صندوق إقليمي لتعزيز المرونة الاقتصادية ودعم التنمية المُستدامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1] SADC Objectives, Southern African Development Community, available at: https://n9.cl/pz804f
[2] Successful 45th SADC Summit concludes in Madagascar, South African Government News Agency, 17 August 2025, available at: https://n9.cl/xux1c
[3] Lehlohonolo Lehana, Ramaphosa believes SADC is in good hands as SA accept chairship for 2027, Fullview, 17 August 2025, available at: https://n9.cl/xqd16
[4] 45the Ordinary Summit of Heads of State and Government in Antananarivo, Madagascar, Southern African Development Community, 17 August 2025, available at: https://n9.cl/r3yc0
[5] Clarkson Mambo, 45th SADC Summit: Magosi reappointed Executive Secretary, ECOROADS, available at: https://n9.cl/kxxy4s

هشام قدري أحمد
باحث في العلوم السياسيَّة