يمثّل الاستيلاء العسكري الذي وقع في غينيا بيساو مؤخرا، والذي أدى إلى عزل الرئيس عمر سيسوكو إمبالو، فصلا جديدا في سجل تاريخ البلاد المحفوف بالاضطراب السياسي منذ استقلالها عن البرتغال عام 1974. وقد أثار هذا الحدث قلق المجتمع الإقليمي والدولي، ويلفت الوضع النظرَ إلى ضرورة استكشاف طول تجذّر عدم الاستقرار السياسي في البلاد ومدى تورط الجيش في السياسة، ويثير أيضا تساؤلات حول مستقبل الحكم والاستقرار في غينيا بيساو كما يستدعي رصد التداعيات الجيوسياسية المحتملة نتيجة الحدث.
ماذا حدث بالضبط في غينيا بيساو؟
استولى مجموعة من كبار ضباط الجيش على السلطة في غينيا بيساو في 26 نوفمبر 2025، بعد أيام فقط من الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أثارت جدلا واسعا. وأعلنت هذه المجموعة المتكونة من فروع القوات المسلحة لغينيا بيساو عن السيطرة العسكرية على الحكومة بحجة التصدي ضد مخاطر تشكلت أمام استقرار غينيا بيساو، ولإيقاف مخططات تزوير نتائج الانتخابات.
وتشمل التطورات بعد الانقلاب عزل الرئيس عمر سيسوكو أمبالو واعتقاله ثم إطلاق سراحه ليغادر البلاد. وكذلك تعليق المؤسسات الدستورية، وإغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية وفتحها فيما بعد، وتشكيل مجلس عسكري باسم “القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام والشرعية”، مكلف بإعادة تنظيم أمور الدولة، ثم تعيين الجنرال هوتنا نزام رئيسًا جديدا للبلاد لحكومة انتقالية مدتها سنة واحدة.
ويأتي هذا الانقلاب بعد ادعاء كل من الرئيس -المطاح به الٱن- عمر أمبالو، ومنافسه الأكبر فرناندو دياس، بالفوز في الانتخابات الرئاسية قبل صدور الإعلان الرسمى لنتائج الانتخابات من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات، مما أثار اضطرابًا واسعًا في البلاد.
خلفية موجزة للاضطراب السياسي في غينيا بيساو
لم تعرف غينيا بيساو غير فترات قصيرة من الاستقرار السياسي حيث كانت قد شهدت منذ استقلالها ما لا يقل عن تسعة انقلابات ومحاولات انقلاب، ولم يكمّل أيٌّ من رؤسائها ولايته بسبب الاضطراب السياسي المستمر غير عمر أمبالو. بدءا من الانقلاب الأول في عام 1980 الذي أطيح فيه بالرئيس لويس كابرال بقيادة رئيس الوزراء برناردو فييرا، تتقلب البلاد بين أزمات سياسية وتدخلات عسكرية تجسدت في انقلابات ناجحة ومحاولات أخرى فاشلة، وبلغت الأزمة ذروتها في عام 2009 بقتل رئيس الأركان الجنرال تاغاني نا واييه في انفجار واغتيال الرئيس فييرا.
وبالخلاصة، لم يسجل تاريخ غينيا بيساو السياسي رئيسا دامت فترته الرئاسية في سلم وأمان، بل الرئيس إمبالو -المطاح به الٱن- والذي يعتبر الرئيس الوحيد الذي أنهى فترته الرئاسية، لم عهده من حالة سياسية مضطربة. ولم يكن مستثنى من ويلات الاضطراب السياسي، حيث تعرض لمحاولتي انقلاب سابقتين في عامي 2022 و 2023، ما دفعه إلى حل الجمعية، رغم اتهامات منتقديه بأنه تعمد في خلق الأزمات كذريعة لقمع المعارضة. وفي محاولته ليصبح الرئيس الغيني الأول الذي يفوز بفترة رئاسية ثانية، صار في النهاية ضحية الاستيلاء العسكري الأخير.
ويستنتج من هذا كله أن التدخل العسكري المتكرر ما يسبب الاضطراب السياسي في البلاد. ويبدو أن الجيش يتمثل كالقوة المهيمنة والصانعة للقرارات فيما يخص السياسة من خلال التدخلات العسكرية، ما جعل البلاد مثالا حيا على الهشاشة المؤسسية في غرب أفريقا.
ماذا وراء انقلاب 2025 في غينيا بيساو؟
لم يكن انقلاب 2025 حدثا فجائيا يستدعي الاستغراب منه، بل كان نتيجة لتفاعل ديناميكي بين شرارة سياسية اشتعل ضرامُها ودوافع أخرى عميقة الجذور تتعلق بالعلاقة الملتبسة بين الهيمنة العسكرية واقتصاد الجريمة المنظمة. وكان التوقيت هو العامل الحاسم، حيث وقع الانقلاب قبيل الإعلان المرتقب لنتائج الانتخابات الرسمية.
كان الجو السياسي منذ فترة طويلة قبل الاستيلاء العسكري متوترا، ونشأ تصعيد سياسي خطير بسبب استبعاد الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر (PAIGC) – وهو الحزب الوحيد الذي قاد البلاد إلى الاستقلال والحزب المعارص الرئيسي – من القائمة الانتخابية بقرار من المحكمة العليا، مما أثار ضجة كبيرة وجدلا واسعا حول نزاهة العملية الانتخابية، لأنه أول مرة في تاريخ البلاد يتم استبعاد الحزب الحاكم السابق من المشاركة في الانتخابات.
أضف إلى ذلك أن حكومة الرئيس إمبالو قد عانت منذ تنصيبها في فبراير 2020 حول استحقاق المنصب، ولم يتم الاعتراف برئاسته حتى سبتمبر 2020 بعد صدور قرار المحكمة العليا بذلك. وكذلك أجّج نارَ الاضطراب السياسي الانتقداتُ الموجهة للرئيس إمبالو بتأجيل الانتخابات إلى نوفمبر 2025 متعمدا، رغم قرار المحكمة العليا الذي حدد سبتمبر 2025 نهاية ولاية إمبالو. كل هذا وذاك إشارة إلى كون الانقلاب قنبلة مؤقتة كانت تنتظر الوقت المناسب للانفجار.
وبالنسبة لدوافع الانقلاب المعلنة من قبل القوة العسكرية، فقد صرح المتحدث باسم الجيش مباشرا بأن خطوة الانقلاب كانت لغرض الرد على خطة مستمرة تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد من خلال التلاعب بنتائج الانتخابات. وأضافوا أن الخطة من تدبير بعض سياسين وشخصيات محلية وأجنبية أخرى إلى جانب تاجر مخدرات معروف.
ويلاحظ في خطاب الجيش المتلفز استخدام مصطلحات مقبلوة دوليا مثل مكافحة الفساد والجريمة المنظمة واستعادة النظام كحجة للتدخل العسكري. وقد يهدف هذا إلى كسب شرعية للانقلاب على المستوى الإقليمي والدولي. ويظهر هذا الوضع عمق حالة الانقسام السياسي في المؤسسات المدنية، ويبدو أن الجيش كانوا يراقبون الوضع منتظرين الفرصة للتدخل حاملا شعار إنقاذ البلاد من الفوضى السياسية.
ويعتقد بعض المحللين أن الدوافع الأعمق للانقلاب تتعلق بحالة غينيا بيساو الاقتصادية حيث تتمثل كدولة هشة تعاني من الفقر وتغلغل الجريمة المنظمة، بل تعتبر نقطة عبور للمخدرات كما تصنف في قائمة أضعف اقتصادات أفريقيا. وقد يكون تأكيدا على هذا الافتراض تصريحُ الجيش أثناء إعلان السيطرة العسكرية على الحكومة بوجود صلة بين الخطة المزعومة وتاجر مخدرات معروف. وقد سبق أن أشار الرئيس إمبالو -المطاح به الٱن- إلى أنه تسعى محاولات الإطاحة به إلى إيقاف جهوده لمكافحة تهريب المخدرات. ويشير هذا الوضع إلى كون البعد الاقتصادي يمتّ صلةً بالانقلاب الأخير. ولعله يشير أيضا إلى احتمال تغلغل شبكات التهريب إلى قلب المؤسسات المدنية والعسكرية.
ويعتقد محللون آخرون أنه قد يكون الانقلاب تدبيرا من قبل الرئيس إمبالو لمنع إعلان النتائج. ولعل اتهام الجبهة الشعبية، وهي تحالف من منظمات المجتمع المدني، للرئيس إمبالو والجيش بتنظيم “انقلاب مزيّف” لمنع نشر نتائج الانتخابات والبقاء في السلطة خير شاهد على صحة هذا الافتراض. ويدعمه ما قاله الرئيس النيجيري السابق غودلوك جوناتان، وهو من قاد بعثة منتدى كبار حكماء غرب أفريقيا لمراقبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في غينيا بيساو، حيث أقرّ بأن الرئيس عمر إمبالو دبّر الانقلاب العسكري لتجنب خسارة الانتخابات الرئاسية. و وصف ما حدث بأنه ليس انقلاباً بالمعنى الحقيقي، بل هو “انقلاب صوري” أو “انقلاب احتفالي” في نظره.
وإن هذه الفرضية، بغضّ النظر عن صحتها أو عدمها، تعكس حالة عميقة من انعدام الثقة في كل من المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء، وتؤكد استعداد جميع الأطراف للتلاعب بالاستقرار الأمني والسياسي لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية.
تداعيات الانقلاب الجيوسياسية
أثار انقلاب 2025 في غينيا بيساو ردود فعل كل من الإيكواس والاتحاد الإفرقي كما لقي إدانات واسعة من المجتمع الدولي، حيث اسنتكر مراقبو الانتخابات من كلتي الكتلتَيْن سيطرة الجيش في بيان مشترك قائلين بأنه محاولة صارخة لتعطيل العملية الديمقراطية، ومطالبين باتخاذ الخطوات اللازمة لاستعادة النظام الدستوري. وكذلك طالبت الأمم المتحدة والبرتغال – القوة الاستعمارية سابقا – ودول أخرى من الجيش المسيطر بالعودة إلى المسار الديمقراطي بعد أن أصدرت إدانات رسمية للانقلاب.
قررت إيكواس على الفور تعليق عضوية غينيا بيساو في جميع أجهزة المجموعة وهيئات صنع القرار التابعة لها. ويعد هذا الإجراء أول خطوة عقابية تُتخذ ضد أي دولة عضو تشهد تغييرًا غير دستوري للسلطة. ثم طالبت إيكواس القيادة العسكرية الجديدة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقلين، بما في ذلك الرئيس المخلوع، وقد تم الإفراج عنه فقط والتجأ إلى جمهورية الكونغو بعد مروره بالسنغال حسب التقريرات. ثم أرسلت إيكواس بعثة وساطة رفيعة المستوى إلى غينيا بيساو بقيادة رئيس مفوضية إيكواس ورئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو، وما زالت المفاوضات تجري دون الوصول إلى اتفاق حاسم بعد.
وبناءً على التطورات الواردة وردود الفعل، يمكن تلخيص التداعيات الجيوسياسية للانقلاب في ما يلي:
– التهديد على الاستقرار الإقليمي : يُشكل هذا الانقلاب ضربة جديدة للاستقرار في منطقة غرب أفريقيا، المعروفة أصلاً بـ “حزام الانقلابات”، ويُضعف الآمال في التحول الديمقراطي. فالأزمات السياسية التي شهدتها دول غرب أفريقا من انقلابات عسكرية في السنوات الأخيرة، تظهر ضعف منظمة الإيكواس كمنظمة رادعة يسري نفوذها على أفريقيا الغربية. وكان نجاح الانقلاب في غينيا بيساو رغم وجود بعثة عسكرية تابعة للإيكواس (ECOMIB) في البلاد لغرض ضمان استتباب الأمن، دليلا يمثل فشل ٱليات الأمن الإقليمي. وقد يُظْهِر تعليق إيكواس لعضوية غينيا بيساو، محاولةَ المنظمة لفرض الشرعية، لكنّ تكرار الانقلابات في المنطقة (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، والآن غينيا بيساو) يُضعف من نفوذها وقدرتها على ردع التغيـيرات غير الدستورية، مما يهدد مصداقيتها كضامن أمني وديمقراطي.
– التهديد على الأمن: تعدّ غينيا بيساو نقطة عبور رئيسية لشبكات تهريب المخدرات العابرة للساحل. ولا بد من أن يتيح أي فراغ أو ضعف في الحكم المدني نتيجة للانقلاب فرصة المتورطين في هذه الأعمال لتعزيز نفوذ هذه شبكات الجريمة المنظمة، مما قد يُفاقم التحديات الأمنية على دول الجوار.
– صراع النفوذ والقوى الدولية: يفتح هذا الانقلاب الباب على مصراعيه أمام إعادة تشكيل التحالفات في البلاد، خاصة في سياق التنافس الجيوسياسي المتزايد في غرب إفريقيا. وقد يدفع الموقف المتشدد للقوى الإقليمية والغربية مثل الإدانة الفورية واحتفاظ إيكواس بحق فرض العقوبات، القيادةَ العسكرية الجديدة نحو البحث عن شركاء آخرين. وهنا يظهر احتمال الميل إلى روسيا التي تسعى لتوسيع نفوذها الأمني والسياسي في المنطقة عبر تقديم الدعم للأنظمة غير الديمقراطية، أو احتمال الميل نحو كونفدرالية الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) التي غيرت التوازن الإقليمي.
ختاما، يمثل انقلاب 2025 مفترق طريق لغينيا بيساو وتعتمد طبيعة المرحلة المقبلة على قدرة القيادة العسكرية الجديدة على الصمود أمام الضغوط الخارجية وعلى مدى فعالية ٱليات الردع الإقليمي.

أحمد البدوي عبد الرحيم
باحث في شركة الأفارقة للدراسات والاستشارات