تقع الصحراء الغربية في منطقة صحراوية على الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا، وتتميز بقلة سكانها حيث يبلغ عددهم نحو 565,000 نسمة. و تبلغ مسافة هذا الإقليم حوالي 266,000 كيلومتر مربع، ويجاورها المغرب شمالا ، وموريتانيا جنوبا والجزائر شرقا. أما من الغرب، فيطل على المحيط الأطلسي الغني بمصائد الأسماك. وتحتوي أراضي هذا الإقليم القاحلة على كمية كبيرة من الفوسفات. ويتكون سكان الإقليم الذين يطلق عليهم اسم “الصحراويـين” من ذوي الأصل العربي، والمرتبطين بشعوب المغرب و موريتانيا. وغالبًا ما يُشار إلى الصحراء الغربية بأنها “آخر مستعمرة في أفريقيا” نظرًا للنزاع المستمر على الإقليم بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، وهو نزاع يتسم بتعقيدات حالت دون التوصل إلى حل نهائي، ما جعل بعض الناس يصفونه بـــــــ”نزاع مجمَّد”.
أصل النزاع: الجذور التاريخية
خضعت الصحراء الغربية للحكم الاستعماري الإسباني من عام 1884 حتى عام 1975. وكانت إسبانيا تعتبرها منطقة حماية في البداية، ثم تم تحويل منطقتي الساقية الحمراء في شمال و وادي الذهب في الجنوب إلى مقاطعة “الصحراء الإسبانية” عام 1958. وخلال فترة الاستعمار، أظهرت القبائل الصحراوية مقاومة شديدة متواصلة ضد الحكم الإسباني، وقامت بحركات تمرد متعددة، أبرزها ما وقعت تحت قيادة الشيخ ماء العينين في أوائل القرن العشرين. وأثمرت مقاومتهم لاحقًا تشكيل حركات منظمة لمواجهة الاستعمار، مثل حركة “تحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب” عام 1967. ثم اتخذت هذه المقاومة منحى آخر، بحيث أخذت الطابع العسكري بتأسيس جبهة البوليساريو في 10 مايو 1973، بهدف إنهاء الاستعمار وطرد إسبانيا، من خلال شنّ هجمات مسلحة على القوات الإسبانية، الأمر الذي ساعدها في امتلاك السيطرة على مناطق استراتيجية في الصحراء، و بالتالي نجحت في إجبار إسبانيا على الانسحاب.
وفي عام 1974، أبدت إسبانيا استعدادها للانسحاب من الصحراء الغربية بإعلانها عن خطتها لإجراء استفتاء على الاستقلال والحكم الذاتي للصحراويين. وكان من المقرر إجراء الاستفتاء المقترح بمساندة وإشراف الأمم المتحدة. لكن الخطة تعثرت لاحقا بسبب وجهة النظر المعارضة التي أثارها المغرب وموريتانيا، بالادعاء أن السيطرة على الصحراء الغربية ملك لكليهما. ولذلك، تم طلب فتوى من محكمة العدل الدولية في عام 1965، والتي صدرت لاحقا لصالح الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن للشعب الصحراوي حقهم الأساسي في تقرير المصير. وعلى الرغم من الحكم، واصلت المغرب المطالبة بالسيطرة على المنطقة ونظمت هجرة رمزية لأكثر من 300 ألف مغربي إلى الصحراء الغربية، المعروفة تاريخيا باسم “المسيرة الخضراء”. وهذا الذي دفع أسبانيا إلى توقيع “اتفاقية مدريد” مع المغرب وموريتانيا في 14 نوفمبر 1975، لنقل إدارة الصحراء الغربية إليهما دون إجراء الاستفتاء الموعود، وأنهت رسميًا وجودها في الإقليم في 26 فبراير 1976.
فأسست جبهة البوليساريو حكومة في المنفى في الجزائر باسم “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في 27 فبراير 1976، لمواجهة السيطرة المغربية والموريتانية على الإقليم. وبدأت بمقاومة مسلحة أدت أخيرا إلى اندلاع حرب الصحراء الغربية (فيما بين 1991-1975) بكل أنواع الدعم من الجزائر . وألحقت الحرب –التي دامت لمدة 16 عامًا- أضرارًا جسيمة بالمغرب و موريتانيا، الأمر الذي دفع موريتانيا إلى الانسحاب من النزاع عام 1979 والتخلي عن مطالبها الإقليمية، في حين ردت المغرب ببناء جدار رملي دفاعي يُعرف بـ”الجدار المغربي” لصد هجمات جبهة البوليساريو.
جهود الأمم المتحدة للسلام: التدخلات والعقبات
أنهى اتفاق وقف إطلاق النار الذي قادته الأمم المتحدة في عام 1991 النزاع المسلح بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهذا يمثل خطوة حاسمة نحو التوصل إلى حل سياسي. فتم إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO)، وكُلفت بإجراء استفتاء يختار فيه شعب الصحراء الغربية بين الاستقلال الكامل والاندماج مع المغرب، والإشراف عليه باسم الأمم المتحدة. وللأسف، توقفت إجراءات الاستفتاء فجأة بسبب الخلاف الذي نشب حول تحديد المؤهلين للتصويت، إذ طالبت المغرب بضم كل المقيمين في الإقليم ضمن قائمة المؤهلين، بمن فيهم المستوطنون المغاربة، بينما جبهة البوليساريو أصرت على الاكتفاء بالمواطنين المدرجين في إحصاء 1974 الإسباني وذريتهم المباشرة. وبعد جهود طويلة، حددت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) نحو 80,000 ناخب مؤهل. ومع ذلك، رفضت المغرب القائمة المعتمدة، وأعربت عن اعتراضها على استبعاد أكثر من مائة ألف مغربيٍّ، ما أدى إلى تعطيل العملية بأكملها.
وفي محاولة لإيجاد حل سياسي دائم، اقترح جيمس بيكر الثالث، وزير الخارجية الأمريكي السابق، الذي تم تعيينه مبعوثًا شخصيًا للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، خيارين كحل أوسط، مشهورين باسم بيكر الأول (2000) وبيكر الثاني (2003). فالخيار الأول المقترح يوصي بمنح الصحراء الغربية حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية، بحيث يدير الصحراويون شؤونهم الداخلية، بينما تظل الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع تحت إدارة المغرب. ولقيت هذا الاقتراح قبولا واسعا من المغرب حيث اعتبرته اعترافا بسيادتها، بينما رفضت البوليساريو هذا المقترح لعدم تضمّنه حق تقرير مصيرهم بأنفسهم. أما الخيار المقترح الثاني، فهو يوصي بمنح الإقليم حكمًا ذاتيًا لمدة خمس سنوات، ثم يعقبه استفتاء عام على الاستقلال. لكن المغرب رفضت هذا المقترح بتاتا، لأنها لا ترضى بأي خيار يتضمن الاستقلال كحل، بينما وافقت الأمم المتحدة وجبهة البوليساريو عليه تماما. وأخيرا استقال مبعوث الأمم المتحدة جيمس بيكر في عام 2004، مقررا بأنه استحالة التوصل إلى حل يراضي الطرفين .
خطة المغرب للحكم الذاتي
في أبريل 2007، قدمت المغرب إلى الأمم المتحدة اقتراحا بإنشاء “إقليم الحكم الذاتي الصحراوي”، ويعني هذا منح سكان الصحراء سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن سيادة المغرب، بحيث يتم تعيين رئيس الحكومة من قبل الملك المغربي بعد التشاور مع برلمان الصحراء الغربية، وستظل الشؤون السيادية مثل الدفاع والعلاقات الخارجية والرموز الوطنية بيد الدولة المركزية – أي المغرب، بينما يدير مواطنو الصحراء الغربية الشؤون الثقافية والبنية التحتية والإدارة المحلية والسياسات الداخلية، ويتم تمويل إدارتها بشكل مستقل. وكذلك نص المقترح على إجراء استفتاء شعبي حول موافقة الشعب الصحراوي على نظام الحكم الذاتي المقترح. إلا أن هذا الاقتراح لقي رفضا قاطعا من جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، معتبرةً ذاك القرار انتهاكا لحقوق الشعب الصحراوي، ومؤكدة على تمسكها بخيار الاستقلال كحل أخير. وبينما ترفض المغرب أي حل يتضمن الاستقلال، فجبهة البوليساريو ترفض أي حل لا يؤدي إلى الاستقلال، ما أوصل النزاع إلى طريق مسدود.
ومن الجدير بالذكر أن خطة الحكم الذاتي هذه التي اقترحها دولة المغرب، قد حظيت بدعم دولي متزايد، ما يدل على تغير ملحوظ في مواقف بعض الدول تجاه النزاع. فقد أعربت أكثر من 117 دولة عن دعمها للمقترح المغربي، من بينها الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، ودول الخليج مثل قطر، والإمارات، والكويت، والسعودية، بالإضافة إلى بعض دول أفريقية ودول أمريكية لاتينية مثل غانا، وكينيا، وسلوفينيا، وكرواتيا. ومع ذلك، لا يزال العالم الدولي منقسمًا في الآراء والمواقف، حيث تواصل دول عدة الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية داعمة نضال جبهة البوليساريو.
الطريق إلى الحل
يتضح من خلال الوقوف عند جذور النزاع أن الخلاف يتمحور حول حق الصحراويين -المعترف به دوليا- في تقرير مصيرهم بأنفسهم، وإصرار المغرب على سيادتها على الإقليم الصحراوي. وتؤكد فتوى محكمة العدل الدولية عام 1975 على أن تقرير المصير حق أساسي بموجب القوانين الدولية، بينما ترى المغرب أن الحكم الذاتي ضمن سيادتها هو الحل الأنسب.
فالعقبة الأساسية متمثلة في اختلاف الآراء حول تعريف “تقرير المصير”؛ فبينما تراه البوليساريو مرادفًا للاستقلال التام، ترفض المغرب ذلك كليًا، بل تعتبر الحكم الذاتي تحت سيادتها أيضا تقريرا للمصير. وهناك عقبة أخرى تقف دون الوصول إلى حل وسط، وهي دور الجزائر في النزاع من خلال دعم جبهة البوليساريو، حيث ترى المغرب أن دولة الجزائر هي السبب الرئيسي وراء رفض البوليساريو لأي مقترح لا يتضمن الاستقلال، بسبب صراع النفوذ الإقليمي بين البلدين.
فالتوصل إلى حل سلمي ومستدام يراضي الطرفين، يتطلب الآن إما تغيّرًا في موقف أحد الطرفين أي المغرب وجبهة البوليساريو، أو تحركًا دبلوماسيًا موحدًا من المجتمع الدولي دون انقسام. ويبدو أن تنامي الدعم الدولي لخطة الحكم الذاتي ينبئ عن مسار المفاوضات المستقبلية، ومع ذلك فمن غير المؤكد أن تتنازل البوليساريو عن مطلب الاستقلال.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.