لا يزال الإرهاب يُمثل أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها العالم حاليًا. وقد تطورت بمرور الوقت أسبابه كما تطور خطره المستمر، مع ظهور عوامل أكثر تعقيدًا وراء تصاعده في شتى ربوع العالم، والتي تنبع من خلفيات سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية. ويبدو أن الهجوم الإرهابي المشهور بـــ حادثة 11/9، كان بمثابة جرس إنذار لجميع الدول، حيث بدأ العالم يشهد تزايدًا في الوعي بالإرهاب، ما أدى إلى إطلاق الحرب العالمية على الإرهاب منذ ذلك الحين. كما كان واضحًا التزايد في الأخذ بالتدابير الأمنية الاستراتيجية، محليًا ودوليًا.
وفي أفريقيا، أصبح الإرهاب مشكلة معقدة ومتنوعة، متجذرة بالقوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وصارت القارة الأفريقية تُعدّ حاليًا مركزا للإرهاب العالمي، حيث كانت منطقة جنوب الصحراء الكبرى تسجل نسبة 59% من جميع الوفيات المرتبطة بالإرهاب في جميع أنحاء العالم. ولكون القارة أرضًا نشطة للعديد من المنظمات المتطرفة العنيفة، فإن آثار الإرهاب محسوسة بشدة في جميع المناطق والأقاليم والمجتمعات الأفريقية. بينما الوضع كان أكثر خطرا في منطقة الساحل الأفريقي بشكل خاص، حيث تُهاجم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، قوات الأمن والمدنيين بشكل متكرر، وقد سبق أن حاصرا المدن في دول الساحل الوسطى، من بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وقد ساهم الحركات العنفية والتطرفية في نزوح أكثر من مليوني شخص ومقتل آلاف آخرين، ما خلّف آثارًا سلبية تُعرّض الأمن الإقليمي للخطر، وتُسبّب في تفاقم الأزمة الإنسانية.
الهجمات الإرهابية في بنين وتوغو
توسعت في منطقة الساحل مؤخرًا مجموعات إرهابية، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) و ولاية الدولة الإسلامية (ISSP)، وشملت نشاطاتها دول غرب أفريقيا الساحلية. وقد امتدّ نشاط التهديد الإرهابي في السنوات الأخيرة إلى دولتي بنين و توغو، ما أثار مخاوف من احتمال امتداد خطر الإرهاب إلى مناطق لم تتأثر به سابقًا. و يؤكد التزايد الحالي في هجمات المجموعات الإسلامية الإرهابية في المنطقة تلك المخاوف الراسخة من احتمال انتشار العنف المتطرف الجامح في منطقة الساحل إلى الدول المجاورة.
كانت دولة بنين الأكثر تضررًا من تلك الهجمات، حيث تضاعف عدد القتلى المسجلين إلى 173 قتيلًا في عام 2023. و توجد ثلاث جماعات إرهابية تقف وراء الهجمات على الأراضي البنينية، وفقًا للجيش البنيني. وهي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وجماعة أنصار الإسلام، وتنظيم الدولة الإسلامية في بنين، والمعروف سابقًا باسم (EIGS). وقد تطورت أساليب هذه الجماعات الإرهابية على مر الزمن، وصارت تستهدف المدنيين أيضا كما تستهدف قوات الدفاع والأمن، فرغم استهدافها في البداية لقوات الدفاع والأمن، كما يتضح من مقتل حوالي 15 شخصًا في كيرو في مايو 2023.
ولقد كثّفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، توغلها في أراضي بنبن مؤخرا، وهي القوة الإرهابية التي كانت تسيطر على شريط شاسع من الأراضي خلف نهر بندجاري، في الحدود الوطنية لبنين مع بوركينا فاسو. وما هذا هذا التوغل إلا سعيا لتوسيع نفوذها إلى خليج غينيا. وكانت هذه الجماعة هي القوة المسيطرة أيضا على “المنطقة المحايدة”، وهي منطقة حدودية متنازع عليها بين بنين وبوركينا فاسو، و تقع على بُعد أقل من ثلاثة كيلومترات من مدينة بورغا البنينية. ومن هذه المنطقة تنطلق معظم الهجمات على أراضي بنين، حيث يتمكن الإرهابيون من التسلل إلى بنين عبرها بعد انسحاب قوة الدفاع البوركينية منها. و كان آخر هجوم إرهابي تم الإبلاغ عنه على بنين في 8 يناير 2025، حيث شنّت مججوعة إرهابية هجومًا على قوات دولة بنين مكافحة الإرهاب ، وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 50 جنديًا بنينيًا، وهي أكبر خسارة على الإطلاق تم تسجيلها لبنين.
ولقد وضعت الحكومة استراتيجية عسكرية متخصصة لمواجهة التهديد الجهادي،. ففي مطلع عام 2022، وعقب الهجوم على موقع عسكري على حدود بنين مع بوركينا فاسو، أطلق الجيش البنيني عملية “ميرادور” لمحاربة الجماعات الإرهابية وتأمين حدود بنين. و تشمل هذه العملية تمركز قوات في مناطق محددة لم يكن الجيش متواجدًا فيها عادة، بالإضافة إلى اقتناء معدات جديدة، بما فيها طائرات بدون طيار و مركبات مدرعة و مروحيات للمراقبة. و تشمل التدابير الأخرى التي تم اعتمادها مبادراتٍ تهدف إلى إشراك السكان في البحث عن حلول، لا سيما في مجال توفير المعلومات الاستخبارية.

أما دولة توغو فقد واجهت هي بالمثل تصاعدًا في العنف الإرهابي المتشدد، والذي تسرب إليها منذ عام 2021، عندما هاجم الإرهابيون سان لواغا بالقرب من حدودها مع بنين و بوركينا فاسو. ومنذ ذلك الحين، يتم الإبلاغ عن العديد من الهجمات الإرهابية في المنطقة الشمالية من البلاد. ومن قبيل ذلك الهبوط الاضطراري لمروحية تابعة للقوات المسلحة التوغولية في أوائل أبريل 2024، أثناء قيامها بعملية مكافحة التمرد ضد الجماعات المسلحة في بلدة كوندجوار الشمالية، بحيث تم تدمير المروحية التي كانت تحمل أسلحة نارية و ذخيرة، و أصيب عدد معين من الجنود. وفي 20 يوليو 2024، شنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومًا آخر على موقع للجيش التوغولي في كبكباكاندي في شمال توغو، وأسفر هذا الهجوم عن مقتل اثني عشر جنديًا. ثم وقع هجوم آخر في 2 أكتوبر 2024 على القوات التوغولية في فانوورغو، بالقرب من حدود بوركينا فاسو، وأدى إلى مقتل تسعة جنود و عشرة مدنيين.
وقد اتخذت الحكومة التوغولية أيضًا – مثل حكومة بنين – خطوات استراتيجية مختلفة لمكافحة الهجمات الإرهابية. فإن حالة الطوارئ التي دخلت حيز التنفيذ منذ يونيو 2022، نتجت في زيادة انتشار القوات في شمال توغو. وإلى جانب العمليات العسكرية، أنشأت الحكومة التوغولية لجنة وزارية مشتركة لمكافحة التطرف ولمنعه من التوغل في أوساط الذكور الشباب الأكثر عرضة للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة العنيفة.
تداعيات حركة الإرهاب على بنين و توغو
يُظهر التوجه المستمر للتهديدات الإرهابية من منطقة الساحل إلى دولتي بنين وتوغو، أنه ليس هناك دولة بمنأى عن هذه التهديدات بين دول غرب أفريقيا،. كما يُظهر أن التنظيمات المتطرفة العنيفة تسعى نحو ترسيخ وجودها عمدًا في الدول الساحلية كجزء من استراتيجية التجنيد الأوسع نطاقًا. وبالتالي، لا شكفي كون امتداد الهجمات الإرهابية إلى بنين وتوغو يُشكّل تداعيات سلبية على الأمن القومي لكلا البلدين.
كما أن الآثار الاقتصادية لهذه التهديدات ستكون شديدة للغاية في حال تصاعد التمرد، إذ تتسم كل من بنين وتوغو بخصائص الدول الهشة التي يمكن أن يزدهر فيها التطرف العنيف. فكلتاهما تعانيان من الفقر والبطالة وضعف المؤسسات وسوء الإدارة والفساد، ما يجعلهما عرضة لهجمات المتمردين. وقد سبق أن أثبتت منظمة العفو الدولية أن الإرهابيــــين ينتشرون بشكل أسرع في المناطق التي تشترك في خصائص مماثلة لتلك الموجودة في منطقة الساحل. وتشمل هذه الخصائص ضعف قوات الأمن، والتحالفات مع أنشطة غير مشروعة قائمة، والحوافز الاقتصادية، وعدم الاستقرار السياسي. فكلها من ضمن العوامل التي تساهم في انتشار أشكال مختلفة من الهجمات المتطرفة العنيفة في المنطقة.
فالمنطقة الشمالية من بنين و توغو تُعاني من جميع تلك الخصائص المذكورة، حيث يزدهر فيها أعمال اللصوصية، والاتجار غير المشروع بالذهب والمخدرات، والصيد غير المشروع، والاختطاف، وتهريب الأسلحة والوقود، مما يزيد في تفاقم التوترات المحلية و يُوفر للإرهابيين موارد مالية. ومع استمرار هذه الأنشطة غير القانونية، يُحتمل انتشار الإرهاب بسرعة عبر أراضي بنين وتوغو، مُخلفًا آثارًا وخيمة على الأمن الوطني لكلا البلدين. لذلك، ثمة حاجة مُلحة إلى أن تتخذ السلطات في كلا البلدين إجراءات لقطع الصلة بين المسؤولين عن هذه الأنشطة غير القانونية والجماعات الإرهابية المتطرفة.
وفيما يتعلق بالآثار الاقتصادية، تُصنّف كلٌّ من بنين و توغو ضمن قائمة أكثر الدول تخلفًا في العالم، إذ تعانيان من معدل فقر مرتفع. فيبلغ مؤشر دولة بنين حاليًا 0.515 وفقًا لمؤشر التنمية البشرية، لتحتل المرتبة 173 من بين 193 دولة، و تُصنّف كذلك ضمن الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة. بينما يبلغ مؤشر توغو حاليًا 0.571، ما يضعها في المرتبة 161 من بين 193 دولة، وبالتالي تُصنّف ضمن الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة. وقد أثبت البنك الدولي، اعتبارًا من مارس 2025، أن معدل الفقر في توغو، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 8.5 مليون نسمة، يبلغ 58.8%، مع تضرر المناطق الريفية بشكل رئيسي. كما أثبت أيضا أن دولة بنين التي بلغ عدد سكانها 13.35 مليون نسمة عام 2022، يبلغ معدل الفقر فيها 36.2% ومعدل البطالة 2.4%، بينما أثرت البطالة على 72% من القوى العاملة اعتبارًا من 7 أبريل 2025.
فإن جميع هذه المؤشرات توضح أن بنين و توغو، اللتين تتحولان تدريجيًا إلى مركز للهجمات الإرهابية، لا تزالان تكافحان جاهدتين لتحسين أوضاعهما الاجتماعية والاقتصادية الأساسية. وفي حال استمرار تصاعد هجمات التمرد، واختراقها المناطق الحدودية ووصولها إلى المدن، فسيؤدي ذلك إلى عواقب سياسية واقتصادية وإنسانية وخيمة، بل وقد تُعيق سير العمل في كلا البلدين. لذلك، ثمة حاجةٌ إلى أن يتخذ كلا البلدين زمام المبادرة، كلٌّ على حدة، من خلال تعزيز الإجراءات الأمنية ومراقبة الحدود للحد من اتساع نطاق التمرد عبر أراضيهما، مع الأخذ في الاعتبار الفشل المستمر للاستجابات الإقليمية في قمع خطر العنف المتطرف.
وختامًا، سيعتمد توسع الجماعات الإرهابية في هاتين الدولتين على المبادرات المناسبة التي تتخذها الدول الساحلية، إذ تتمتع هذه الدول بقدرة كبرى على مواجهة المتمردين من دول الساحل. ففي السنوات القليلة الماضية، كانت المنطقة محورًا لآلية متكاملة لاستقرار الحدود في غرب أفريقيا، بدعم من الأمم المتحدة.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.