- السياق الاستراتيجي والدوافع الجيوسياسية للانخراط الصيني في أفريقيا
- أدوات النفوذ الصيني والشراكة الأمنية متعددة الأوجه
- التداعيات الجيوسياسية ومسار التنافس المستقبلي
- التحديات والمالات المستقبلية للشراكة العسكرية الصينية-الأفريقية
- الخاتمة
- قائمة المراجع
- أولا : مراجع باللغة العربية
- ثانيا : مراجع باللغة الانجليزية
تُعدّ القارة الأفريقية محور اهتمام متزايد من قبل القوى الكبرى في النظام الدولي، ويرجع ذلك إلى موارد القارة الطبيعية الهائلة، وموقعها الاستراتيجي بالغ الاهمية، وعدد سكانها الكبير والمتزايد. هذا، بالاضافة إلى دورها كقوة موازنة في العلاقات الدولية. فهذه العوامل تجعل القارة ساحة تنافس رئيسية بين القوى الدولية والإقليمية الكبرى، وقد شهدت السنوات الماضية تزايدا في الانخراط الأمني والعسكري لجمهورية الصين الشعبية في القارة الأفريقية كأحد أبرز التحولات الجيوسياسية منذ نهاية الحرب الباردة.
فلم يعد هذا الانخراط الصيني مقتصرًا على الجوانب الاقتصادية أو المساعدات التنموية بل تطور ليصبح شراكة عسكرية متعددة الأوجه، تستخدم فيها بكين مجموعة معقدة من الأدوات بدءًا من تنظيمها لتدريبات عسكرية مشتركة، وإيفادها مدربين وخبراء عسكريين وتقديمها مساعدات في المجالين الدفاعي والأمني، بالاضافة إلي اشتراكها في عمليات حفظ السلام، مرورا بكونها أصبحت أبرز مورّدي الأسلحة الصغيرة والمتوسطة وصولًا إلى إنشاء قواعد لوجستية دائمة. وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل الدوافع الاستراتيجية وراء هذا التمدد وكيفية استخدام الصين لأدوات النفوذ العسكري وتقييم التداعيات الجيوسياسية لهذا التمدد على التنافس بين القوى العظمى في أفريقيا.
السياق الاستراتيجي والدوافع الجيوسياسية للانخراط الصيني في أفريقيا
يعد الدافع وراء التوسع العسكري الصيني في أفريقيا نتاج تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، وفي السياسة الخارجية التي تتبناها بكين، خاصة بعدما أدت نهاية الحرب الباردة إلى ظهور نظام أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة، فقد فرضت الهيمنة الأمريكية المتصاعدة على الصين ضرورة مراجعة شاملة لسياستها الخارجية والسعي لإيجاد موطئ قدم لها في أقاليم حيوية تتجاوز محيطها الإقليمي، بهدف موازنة القوة الأمريكية والتصدي لأي محاولات غربية قد تعرقل مسيرة صعودها الاقتصادي. وفي هذا السياق وجدت الصين في الدول الأفريقية شريكاً مثالياً فقد اعتمدت المقاربة الصينية في التعامل مع الدول الأفريقية على نموذج مغاير تمامًا للنموذج الغربي الذي اعتاد فرض المشروطية السياسية والاقتصادية، حيث ارتكزت الاستراتيجية الصينية على تكريس المبادئ الخمسة للتعايش السلمي والتي تشمل الاحترام المتبادل للسيادة، وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والمساواة والمنفعة المتبادلة. فالتعايش السلمي وهو ما فتح الباب على مصرعيه أمام الصين لتحقيق مرادها في أفريقيا.
وعلى الرغم من أن تلك المبادئ تبدو في مظهرها داعمة للسيادة الأفريقية والتنمية، ما هي -في جوهرها- إلا أداة استراتيجية بالغة الفعالية. فقد مكنت هذه المقاربة بكين من الالتفاف على “دبلوماسية المشروطية” التي تتبعها الدول الغربية، وعلى إثر ذلك اكتسبت الصين قبولا غير مسبوق لدى النخب الحاكمة في القارة، خاصة تلك التي تعاني من ضغوط غربية تتعلق بقضايا الحكم الرشيد وحقوق الإنسان. وهذا التوجه قد سمح للصين ليس فقط بإنشاء مكانة لنفسها بين القوى الكبرى، بل وبإزاحة قوى دولية تاريخيًا كان لها نفوذ عميق في الساحة الأفريقية كفرنسا وبريطانيا. وبناءً على ذلك يمكن ملاحظة أن المقاربة الصينية التي تتبنى عدم المشروطية أدت إلى سهولة أكبر في الحصول على عقود ضخمة لمشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق التي تمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الصينية.
أدوات النفوذ الصيني والشراكة الأمنية متعددة الأوجه
تستخدم الصين مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية لتعميق شراكتها الأمنية مع أفريقيا متجنبةً في الظاهر التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول لكنها في الواقع ترسّخ نفوذها عبر آليات متعددة وهي؛
– الدور الرائد في عمليات حفظ السلام: أصبح انتشار قوات حفظ السلام الصينية سمة مهمة للحضور العسكري في أفريقيا حيثتتبوأ بكين مكانة مهمة كـ ثاني أكبر ممول لعمليات السلام الأممية وتقدم أكبر عدد من العناصر البشرية قياساً ببقية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ويؤدي حاليًا حوالي 2000 فرد من قوات حفظ السلام الصينية مهامهم في القارة السمراء. وترتبط أهداف الصين من انخراطها في عمليات حفظ السلام ارتباطًا مباشرًا بمصالحها العليا. فعبر دورها في عمليات الامم المتحدة تضمن حماية مصالحها الاقتصادية والمالية حيث لا يمكن أن يكون هناك نشاط اقتصادي كافٍ لتحقيق الاستثمارات والعوائد المتوقعة منها بدون سلام واستقرار. فالمساهمة الصينية الكبيرة في عمليات حفظ السلام لا تمثل عملًا خيريًا بل هي استثمار جيوسياسي ذكي، فبدلاً من تحمل تكاليف تأمين استثماراتها الضخمة بمفردها تستخدم الصين ميزانية الامم المتحدة لـ “تأمين أعمالها الخاصة” في مناطق استثمارها مما يقلل من المخاطر التشغيلية، بالاضافة إلى ذلك يخدم هذا الدور هدفًا سياسيًا أوسع يتمثل في الترويج لصورة الصين كـ “قوة مسؤولة” في المجتمع الدولي، واستخدامه كأداة لحشد الدعم الدبلوماسي لمواقفها في المحافل الدولية، وعلى رأسها دعم موقفها من تايوان حيث فقدت تايوان جميع حلفائها في القارة الأفريقية نتيجة لهذا النفوذ.
– مبيعات الأسلحة ونقل التكنولوجيا العسكرية: نمت مبيعات الأسلحة الصينية بشكل ملحوظ في أفريقيا خاصة خلال العقد الماضي، وتشير بعض التقارير إلى أن الصين أزاحت روسيا لتصبح أكبر مورد للأسلحة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء حيث تلقت 21 دولة على الأقل شحنات أسلحة رئيسية من بكين بين عامي 2019 و 2023، ويستخدم ما يقرب من ٧٠٪ من الجيوش الأفريقية مركبات مدرعة صينية الصنع. وعلى الرغم من أن أفريقيا لا تزال تشكل نسبة صغيرة نسبيًا من واردات الأسلحة العالمية، فإن سيطرة الصين على حصة متزايدة من هذه السوق الإقليمية تؤكد التزامها تجاه القارة. ويُلاحظ أن هذا النمو الأفريقي يحدث على الرغم من انخفاض إجمالي الصادرات الصينية العالمية من الأسلحة بنسبة 23% في الفترة 2018–2022. ويشير هذا التباين إلى أن أفريقيا أصبحت سوقاً ذات أولوية استراتيجية لبكين حيث يتم تعميق النفوذ فيها كتعويض عن انخفاض الطلب في مناطق أخرى كما تتجاوز الشراكة العسكرية مجرد بيع المعدات، فقد تعهدت الصين بتعزيز التعاون ليشمل التدريبات المشتركة والتعليم العسكري والتدريب المهني ومئات من عمليات التبادل الدفاعي رفيعة المستوى، فقد أجرت القوات المسلحة الصينية ١٩ تدريبًا عسكريًا، و٤٤ زيارة موانئ بحرية، و٢٧٦ تبادلًا دفاعيًا رفيع المستوى في أفريقيا منذ عام ٢٠٠٠، والأهم من ذلك أن الاتفاقيات الأخيرة تركز على نقل التكنولوجيا الصينية مما يعزز من تحديث الجيوش الأفريقية وفق المعايير الصينية ويقلل اعتمادها على الترسانات الغربية.
– التعاون في التدريب الأمني ومكافحة الإرهاب: تستخدم الصين التعاون في مجالي الأمن والتدريب كأداة ناعمة وفعالة لغرس نفوذها في المؤسسات العسكرية الأفريقية. ففي عام 2023 عقدت بكين النسخة الثالثة من “منتدى السلام والامن الصيني–الأفريقي” الذي حضره قادة عسكريون من 50 دولة إفريقية. وقدركز المنتدى على تفعيل “مبادرة الامن العالمي” الصينية ودعم جهود أفريقيا في مواجهة التحديات الأمنية، كما تسعى الصين إلى دعم قدرات الدول الأفريقية في مواجهة التحديات الأمنية المعقدة مثل الإرهاب والقرصنة البحرية والجريمة المنظمة، وقد تجلى هذا التعاون من خلال تنظيم دورات تدريبية للضباط الأفارقة في الأكاديميات العسكرية الصينية وتقديم برامج لبناء القدرات في مجالات الاستخبارات ومراقبة الحدود وإدارة الأزمات، كما أن الصين شاركت في عدد من المبادرات الإقليمية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والقرن الأفريقي وقدمت مساعدات تقنية ولوجستية لتطوير الاجهزة الأمنية في عدد من الدول مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا ، ويعكس هذا التوجه رغبة الصين في تعزيز نفوذها الأمني وتقديم نفسها كشريك استراتيجي بديل عن القوى الغربية في دعم الاستقرار والامن بالقارة الأفريقية.
– بناء القواعد العسكرية: تمتلك الصين في الوقت الراهن قاعدةً عسكرية في جيبوتي بشرق أفريقيا. وتُعَدّ أول وجود عسكري صيني دائم خارج أراضيها. ويعود تأسيس هذه القاعدة إلى اتفاقية التعاون الأمني والدفاعي التي وُقِّعت عام 2014 بين الحكومتين الصينية والجيبوتية، والتي نصّت على تأهيل القوات المسلحة والأمنية في جيبوتي إلى جانب إنشاء قاعدة بحرية مقابل إيجار سنوي يبلغ 20 مليون دولار لمدة عشر سنوات، ومع بدء تشغيل القاعدة ضمنت الصين وجودًا عسكريًا ممتدًا في جيبوتي حتى عام 2026 مقابل نحو 23 مليون دولار سنويًا، وبقوة قد تصل إلى عشرة آلاف جندي، وتقع القاعدةالصينية في جيبوتي على مسافة قصيرة من أكبر قاعدة أميركية في أفريقيا وهى قاعدة كامب ليمونير.
وتُناط بهذه القاعدة مهام حفظ السلام في أفريقيا وغرب آسيا، وتنفيذ برامج التدريب والتعاون العسكري إضافة إلى حماية وإجلاء المواطنين الصينيين في الخارج، والذي يقدّر عددهم بنحو مليون شخص، بخلاف القيام بعمليات الإنقاذ الطارئة وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وتضمّ القاعدة مرافق متقدّمة تشمل مركزًا لصيانة السفن ومهبطًا للمروحيات، بينما تتولى قوة من مشاة البحرية الصينية مهام تأمينها، كما لعبت الصين دورًا في تعزيز الروابط التجارية بين جيبوتي وإثيوبيا، وهو ما أثار انتباه العديد من القوى الدولية التي رأت في القاعدة مؤشرًا على توسّع النفوذ الصيني في منطقة القرن الأفريقي، بما قد يشكل تهديدًا لمصالحها واستثماراتها هناك، وفي السياق ذاته تشير تقارير أمريكية إلى أن بكين تسعى لإنشاء قاعدة عسكرية ثانية في غرب أفريقيا وتحديدًا في غينيا الاستوائية بما يعكس توجهًا صينيًا نحو توسيع حضورها العسكري في القارة.
التداعيات الجيوسياسية ومسار التنافس المستقبلي
إن التمدد العسكري الصيني في أفريقيا لم يعد مسألة إقليمية فحسب بل أصبح محركًا رئيسيًا للتنافس بين القوى العظمى لما يحمله من تداعيات عميقة على الاستقرار والسيادة في القارة. وتكمن هذه التداعيات في عدة أبعاد وهي كالتالي؛
– المخاوف الأمريكية من القواعد العسكرية الصينية: شهد الموقف الأمريكي تحولًا جذريًا مؤخرا، وينبع القلق الأمريكي الأساسي من قدرة الصين على نشر قوتها عالميًا حيث إن القلق الأمني القومي الأمريكي لم يعد محصورًا في منطقة البحر الاحمر (جيبوتي) بل يتمركز حول الساحل الأطلسي الأفريقي حيث يُنظر إلى رغبة بكين في إنشاء قاعدة عسكرية في باتا بغينيا الاستوائية على أنه تهديد مباشر للساحل الشرقي للولايات المتحدة. هذا التوسع في إنشاء القواعد البحرية يضطر الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة تقييم استراتيجيتهم حيث قد تُجبر القوات البحرية على “تحويل القوات البحرية من مناطق حرجة” لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في غرب أفريقيا.
– تراجع النفوذ الغربي التقليدي: استفادت الصين بشكل مباشر من تراجع النفوذ الغربي التقليدي، وقد شهدت فرنسا القوة الاستعمارية السابقة تراجعًا ملحوظًا في أفريقيا الفرنكفونية خاصة بعد طرد قواتها من مالي وبوركينا فاسو، كما أن أحد الاسباب التي أدت إلى تآكل النفوذ الفرنسي هو التقصير الاستراتيجي في مجال التدريب العسكري. فقد تم تقليص حصة الضباط الأفارقة الذين يتلقون التدريب في المدارس العسكرية الفرنسية. وقد خلق هذا التراجع فراغاً استراتيجياً ملأته قوى جديدة وعلى رأسها الصين التي قدمت منحاً مغرية للضباط الافارقة، بالإضافة إلى كونها مصدراً رئيسياً للسلاح مما يمثل تحولًا جيوسياسيًا بعيد المدى يهدد المصالح الفرنسية التقليدية. وقد أدركت وزارة الدفاع الفرنسية هذا الخلل وتسعى لإصلاحه من خلال زيادة استقبال الضباط الأفارقة.
– تحول أفريقيا إلي ساحة صراع بالوكالة: تُظهر التطورات الجيوسياسية المتسارعة في أفريقيا ملامح واضحة لتحول القارة إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الكبرى وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة وروسيا، فمع تراجع النفوذ الغربي التقليدي وظهور قوى صاعدة تسعى إلى توسيع حضورها العسكري، باتت أفريقيا ميدانًا لتنافس متعدد المستويات يتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى صراع على النفوذ السياسي وإعادة تشكيل خرائط التحالفات الأمنية، إذ تسعى الصين إلى ترسيخ وجودها عبر أدوات “القوة الذكية” التي تمزج بين الاستثمار والبنية التحتية والتعاون العسكري، في حين تحاول الولايات المتحدة إعادة تموضعها من خلال مبادرات أمنية وشراكات دفاعية تستهدف الحد من النفوذ الصيني والروسي. ويُضاف إلى ذلك دخول فاعلين جدد مثل تركيا والإمارات وإيران مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل بعض المناطق الأفريقية خاصة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وغرب القارة مسارح مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
التحديات والمالات المستقبلية للشراكة العسكرية الصينية-الأفريقية
على الرغم من التوسع الملحوظ في الشراكة العسكرية الصينية–الأفريقية، فإن هذه الشراكة تواجه تحديات متزايدة قد تُسهم في تآكل نفوذ بكين مستقبلاً، إذ تقوم هذه الشراكة أساسًا على مبدأ المنفعة المتبادلة القائم على “الموارد مقابل التمويل غير المشروط”، وهو نموذج قد يفقد جاذبيته إذا استمر ركود مشاريع “الحزام والطريق”. وتصاعدت الضغوط الناتجة عن شروط الديون غير المواتية للاقتصادات الأفريقية، كما أن تنامي الوجود العسكري الصيني وتطوير القواعد في مناطق التوتر يثير مخاوف من تصاعد التوترات الإقليمية، ويُغذّي خطاب المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى. ويبرز خطرٌ حقيقي يتمثل في تحوّل القارة الأفريقية إلى ساحة تنافس مفتوحة بين الصين والولايات المتحدة وغيرها من القوى الطامحة للنفوذ.
كما تواجه الشراكة العسكرية بين الصين والدول الأفريقية جملة من التحديات التي قد تؤثر في مسارها المستقبلي، فمن جهة تُثار مخاوف لدى بعض الدول الأفريقية من أن يؤدي تصاعد النفوذ العسكري الصيني إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من التبعية أو الهيمنة غير المباشرة، خاصة في ظل تزايد الوجود العسكري الصيني في مناطق استراتيجية مثل القرن الأفريقي. وتواجه بكين انتقادات غربية تتهمها بتوظيف التعاون العسكري لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، وتوسيع دائرة نفوذها الأمني على حساب القوى التقليدية في القارة، وإلى جانب ذلك يظل ضعف المؤسسات الأمنية الأفريقية من العوامل التي قد تحدّ من فعالية هذا التعاون.
ومع ذلك تُشير الاتجاهات المستقبلية إلى أن الصين ستواصل تعزيز حضورها العسكري في أفريقيا عبر توسيع صفقات السلاح، وتكثيف بعثات التدريب، وتطوير آليات التعاون في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا الدفاعية، مستفيدةً بذلك من تراجع الاهتمام الغربي النسبي بالقارة، كما يُتوقع أن تتوسع الشراكات الصينية لتشمل مجالات الأمن غير التقليدي، كالأمن الغذائي والبيئي ومكافحة الإرهاب والقرصنة بما يمنحها صورة “الشريك الأمني الشامل”، ويعزز مكانتها كفاعل أساسي في هندسة النظام الأمني الأفريقي في العقود المقبلة.
الخاتمة
يعتبر التواجد العسكري الصيني في أفريقيا استراتيجية متكاملة مدفوعة بضرورة تأمين المصالح الاقتصادية الضخمة لبكين (مبادرة الحزام والطريق وإمدادات المواد الخام) وموازنة الهيمنة الجيوسياسية للولايات المتحدة. وتعتمد الصين على مجموعة من الأدوات الناعمة والصلبة تشمل قيادتها لعمليات حفظ السلام لتأمين استثماراتها واستخدام مبيعات الأسلحة (لا سيما التكنولوجيا المتقدمة كالطائرات المسيرة) كبوابة نفوذ تكنولوجي واستثمارها في تدريب القيادات العسكرية الأفريقية لضمان ولاء الأجيال القادمة. أما على المستوى المادي، فإن إنشاء قاعدة جيبوتي واتباع استراتيجية الموانئ ذات الاستخدام المزدوج خاصة التوسع نحو المحيط الأطلسي يمثلان تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للولايات المتحدة وحلفائها. كل هذه التطورات تضع أفريقيا في صميم منافسة القوى العظمى وتثير تساؤلات جدية حول سيادة الدول الأفريقية. ومع ذلك فإن نجاح الصين في المستقبل يبقى مرهوناً باستمرار أدائها الاقتصادي وقدرتها على تجنب تحويل القارة إلى ساحة صراع جيوسياسي.
ـــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع
أولا : مراجع باللغة العربية
– إسماعيل سيد محمد وغزلان محمود عبد العزيز ، مظاهر الوجود الصيني في شرق أفريقيا في المجالين السياسي والأمني والعسكري منذ عام 2000 ، مجلة الدراسات الأفريقية ( القاهرة : كلية الدراسات الأفريقية العليا ، المجلد 47 ، العدد 3 ، يوليو 2025 ) ص.ص 185-228 .
– بالطيب خالد والصادق جراية ، التوسع العسكري الصيني في أفريقيا : الواقع والتحديات ، المجلة الدولية للبحوث القانونية والسياسية ( الجزائر : جامعة الشهيد حمه لخضر ، المجلد 6 ، العدد 2 ، أكتوبر 2022 ) ص.ص 100-116 .
– تامر محمد سامي ، التمدد العسكري الصيني في أفريقيا: دراسة في الاهداف والمالات ، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية ، متاح على الرابط التالي ؛
ثانيا : مراجع باللغة الانجليزية
Alessandro Arduino , China’s Expanding Security Footprint in Africa: From Arms Transfers to Military- – -1. Cooperation , available at
Matt Kuhlman, Raina Nelson, and Phillip C. Saunders , China’s Military Diplomacy in Africa , available at
https://inss.ndu.edu/Media/News/Article/4280244/chinas-military-diplomacy-in-africa/

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية.