- نبذة عن المؤلف
- السياق الفكري والسياسي للكتاب
- القضية المحورية للكتاب
- المنهجية المستخدمة
- تقسيم الكتاب
- الجزء الأول: السيادة المحدودة ومسار التراجع
- الفصل الأول يحمل عنوان الخطوات الأولى: التحرر السياسي و”سيادة محدودة”
- الفصل الثاني يحمل عنوان نضج: التحرير الاقتصادي والانفتاح على العالم
- الفصل الثالث يحمل عنوان العودة القوية ل “الأساتذة” و “القفزة الكبرى إلى الوراء”
- الجزء الثاني: التحديات الكبرى الجديدة
- الفصل الرابع يحمل عنوان العيش خالياً من الخوف
- الفصل الخامس يحمل عنوان العيش خالياً من الحاجة
- الجزء الثالث: إحياء الحركة القومية والتعددية الإفريقية
- الفصل السادس ويحمل عنوان الإدارة المشتركة ل الشؤون الإفريقية
- الفصل السابع ويحمل عنوان الإدارة المشتركة للشؤون الدولية
- الخاتمة
- ثم الخاتمة الثانية والتي تحمل عنوان السلام والأمن والتنمية في إفريقيا
- الأهمية الأكاديمية والسياسية للكتاب
- مميزات الكتاب
- عيوب الكتاب
يُعَدُّ كتاب “ستشرق إفريقيا: مذكرات رجل دولة” للسياسي والدبلوماسي الإفريقي (الغابوني) جان بينغ أحد المراجع البارزة في دراسة تاريخ وأوضاع القارة الإفريقية بعد الاستقلال، إذ يقدم رؤية شاملة تجمع بين التاريخ السياسي، التحليل المؤسسي، والتطلعات الاستراتيجية للمستقبل. يصنف الكتاب ضمن نوعية المذكرات السياسية التحليلية، حيث لا يكتفي المؤلف بسرد تجربته الشخصية في الدبلوماسية والعمل السياسي، بل يستثمر هذه الخبرة لتقديم قراءة نقدية وموضوعية للتحديات التي واجهتها الدول الإفريقية منذ مرحلة الاستقلال وحتى ما بعد الحرب الباردة.
يركز المؤلف في مقدمته على الإشكاليات البنيوية التي أعاقت تحقيق التنمية والسيادة الحقيقية للقارة، بما في ذلك تأثيرات الاستعمار القديم، الضغوط الدولية، ضعف المؤسسات، والفجوات الاقتصادية والاجتماعية. حيث يقوم بتحليل القضايا الرئيسية التي تهم العالم والقارة السمراء، وخاصة؛ السلام والأمن، والتنمية ومكافحة الفقر، والديمقراطية، والحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون. ويبرز من خلال ذلك أهمية إعادة التفكير في استراتيجيات الحكم والسياسات العامة، بحيث تصبح القارة قادرة على إدارة مواردها، حماية سيادتها، وتعزيز مكانتها في النظام الدولي.
نبذة عن المؤلف
جان بينغ Jean Ping (ولد في 24 نوفمبر 1942) هو دبلوماسي وسياسي. عُين رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي من العام 2008 حتى 2012، ووزيرًا للخارجية في دولة الغابون من العام 1999 حتى 2008.كذلك كان رئيسًا للجمعية العامة للأمم المتحدة من 2004 حتى 2005.
السياق الفكري والسياسي للكتاب
لا يمكن قراءة كتاب جان بينغ بمعزل عن الموقع المؤسسي الذي يتكلم منه المؤلف. فبينغ ليس مفكرًا أكاديميًا تقليديًا، بل رجل دولة شغل مناصب عليا في النظام الدولي، من بينها رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ورئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي. هذا الموقع يمنح الكتاب قيمة خاصة بوصفه شهادة من الداخل على آليات اشتغال النظام الدولي، لكنه في الوقت نفسه يفرض قيودًا واضحة على سقف النقد الذي يقدمه المؤلف.
ينتمي الكتاب، من حيث جنسه المعرفي، إلى منطقة وسطى بين المذكرات السياسية، والتحليل السياسي الأخلاقي، والبيان الإصلاحي الموجَّه إلى النظام الدولي. وهذا التداخل ينعكس مباشرة على بنية النص، التي تجمع بين التحليل البنيوي للعلاقات الدولية، والسرد التاريخي، والاستدعاء الأخلاقي لمفاهيم مثل العدالة، والكرامة، والمسؤولية العالمية. وعلى المستوى الفكري، يلتقي الكتاب مع أطروحات ما بعد الاستعمار في تشخيصه لاستمرار الهيمنة الغربية بصيغ جديدة، لكنه لا ينخرط صراحة في تفكيك جذري للمعرفة الاستعمارية أو للاقتصاد السياسي العالمي. وبدلًا من ذلك، يتبنى بينغ خطابًا إصلاحيًا يسعى إلى تقويم النظام الدولي لا إلى تقويضه.
القضية المحورية للكتاب
القضية الرئيسية التي يتناولها الكتاب هي مسألة الدولة من خلال الدعوة إلى بناء دوله قوية ومؤسسات فعاله مع التركيز على الديمقراطية وسيادة القانون وضرورة التكامل الإقليمي كعنصر قوة. وتقوم القضية الأساسية للكتاب على ثلاث مسلّمات مترابطة وهي:
– أن الأزمة الإفريقية المعاصرة هي نتاج تاريخ طويل من الإخضاع للعبودية، والاستعمار، ويتواصل عبر أنماط جديدة من الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
– أن نهاية الحرب الباردة لم تمثّل تحررًا فعليًا لإفريقيا، بل أدت إلى تقويض ما تبقى من سيادتها تحت ضغط العولمة، وبرامج التكيف الهيكلي، و”إجماع واشنطن”.
– أن استعادة الدور الإفريقي في النظام الدولي لا يمكن أن يتم إلا عبر إعادة الاعتبار للدولة، وتعزيز الفعل الجماعي الإفريقي، وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية. بهذا المعنى، لا يرى بينغ في العولمة فضاءً محايدًا للتكامل، بل نظامًا غير متكافئ ينتج رابح وخاسر، ويعيد إنتاج التفاوت بين المركز والهامش. ويُعد مفهوم “السيادة المحدودة” حجر الزاوية في تحليله، إذ يربط بين فقدان السيطرة الاقتصادية، وتآكل القرار السياسي، وتفكك الدولة، وتصاعد العنف.
المنهجية المستخدمة
يعتمد الكتاب على عدة منهجيات وهي؛ التحليل التاريخي والسياسي حيث يستعرض المؤلف مراحل الاستقلال، وتحديات السيادة، والتأثيرات الدولية على الدول الإفريقية. التحليل المؤسسي ويركز على دور الدولة والمؤسسات الوطنية والإقليمية في إدارة التنمية، الأمن، والسياسة الخارجية. الرؤية الاستراتيجية والاستشرافية حيث يقدّم توصيات عملية لتعزيز التكامل الإقليمي، التنمية الذاتية، والقوة التفاوضية القارية. وتتلخص قوة المنهجية في قدرتها على الدمج بين السرد التاريخي والتحليل الاستراتيجي والتوصيات العملية، ما يجعل الكتاب مرجعًا متعدد الأبعاد.
تقسيم الكتاب
يقسّم بينغ كتابه إلى مقدمة وثلاثة أجزاء كبرى، الجزء الأول يركّز على مسار التراجع التاريخي لإفريقيا منذ الاستقلال، ويقدّم تشخيصًا لأزمة الدولة والسيادة. الجزء الثاني ينتقل إلى التحديات الجديدة المرتبطة بالأمن، والفقر، والدولة الفاشلة. الجزء الثالث يطرح أفق الخروج من الأزمة عبر إحياء البان-إفريقية، والتعددية، وإصلاح النظام الدولي. غير أن هذا البناء، على تماسكه الظاهري، يكشف عن توتر داخلي بين التحليل البنيوي من جهة، والخطاب المعياري الإصلاحي من جهة أخرى، وهو توتر سيظهر بوضوح في تقييم الكتاب نقديًا.
في المقدمة يبدأ بينغ بالحديث عن ماضي القارة المشرق وأنها كانت مهد الحضارات ثم ينطلق بعد ذلك من رفض صريح للسرديات التبسيطية التي تختزل الأزمة الإفريقية في الفساد أو العجز الثقافي أو الفشل الذاتي، ويؤسس قراءته على فرضية مفادها أن إفريقيا ليست قارة فاشلة، بل قارة أعادت إنتاجها بآليات الهيمنة الجديدة بعد نهاية الاستعمار المباشر. ومن ثمّ، فإن سؤال السيادة، في الكتاب، لا يُطرح بوصفه مسألة قانونية أو سياسية فحسب، بل بوصفه سؤالًا أخلاقيًا يمس الكرامة الإنسانية، والهوية، وإمكان الفعل التاريخي. حيث يطرح أسألة رئيسية حول ما إذاكان النظام الجديد الذي وضُع هو نظامها الخاص. في مواجهة هذا التشكيل للنظام الدولي، هل ستنجح الدول الإفريقية أخيراً، كغيرها من الدول، في التفاعل والحفاظ على جزء من استقلالها الوطني؟ هل يصون الإنسان كرامته الإنسانية وهويته الثقافية وأمنه واستقراره الوطني، مع الوفاء بمتطلبات التغيير والتطوير والحداثة والعالمية ووحدة الجنس البشري؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يخيم على هذا الكتاب من بدايته إلى نهايته.
يري المؤلف في مقدمة كتابه إنه على الرغم من كل الصعوبات التي تواجه القارة والتي زعزعتها الحرب والفقر نتيجة للاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية غير المسبوقة في التسعينيات، إلا أنه لا تزال العديد من الدول الإفريقية تتمتع بالسلام والاستقرار والحرية والتضامن، بل وحتى التقدم النسبي. ولا تزال إفريقيا تعُد كنزاً من الوعود الاقتصادية الضخمة. وقد أظهرت تجربة هذه الدول بالفعل أنه بفضل الإرادة السياسية الحازمة، يمكننا على الأقل تجنب الأسوأ. كما أدركنا بسرعة أن الاتحاد قوة، وأنه إذا كانت الحرب والفقر والفوضى الناتجة عن العولمة ” السعيدة” المزعومة معُدية، فإن السلام والأمن والنظام والتسامح والحكم الرشيد والحرية والتقدم يمكن أن يكون كذلك. لذلك، تعُد هذه العناصر عوامل رئيسية في السياسات الإفريقية التي ترعاها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
الجزء الأول: السيادة المحدودة ومسار التراجع
يقدّم جان بينغ في الجزء الأول تشخيصًا تاريخيًا سياسيًا لمسار الدولة الإفريقية منذ الاستقلال، مستخدمًا استعارة “مسيرة جراد البحر” (The Walk of the Crayfish) للدلالة على السير إلى الخلف، أي على مسار تاريخي لا يسير خطيًا نحو التقدم، بل يعيد إنتاج أشكال جديدة من التبعية والتراجع. يتناول هذا الجزء مناقشة فكرتين رئيسيتين:
الأولى: السيادة بين الشكل والمضمون – يركّز بينغ على فكرة أن الاستقلال السياسي لم يُترجم إلى سيادة فعلية، إذ ظلت الدول الإفريقية مقيدة اقتصاديًا، خاضعة أمنيًا، محدودة القرار سياسيًا. فالسيادة، في نظره، لم تكن يومًا مطلقة، بل كانت منذ البداية سيادة مشروطة، تحكمها اعتبارات الحرب الباردة، ثم شروط العولمة لاحقًا. ويحسب للمؤلف هنا أنه يرفض السردية الرومانسية للاستقلال، ويضعه في سياقه الدولي الواقعي. غير أن هذا التحليل يظل، في جوهره، تحليلًا خارجي التمركز، يفسّر هشاشة السيادة أساسًا بعوامل دولية، دون أن يمنح وزنًا كافيًا للبنى السلطوية الداخلية أو لطبيعة الدولة ما بعد الاستعمار بوصفها دولة وراثة استعمارية.
الثانية: الحرب الباردة وخيارات القسر – يقدّم بينغ قراءة دقيقة لمرحلة الاستقطاب الدولي، مبرزًا كيف فُرض على الدول الإفريقية “الاختيار” بين المعسكرين، وهو اختيار لم يكن حرًا بقدر ما كان ضرورة وجودية. ويبرز هنا دور حركة عدم الانحياز بوصفها محاولة للهروب من الثنائية المانوية، لكنها تظل – في تحليله – محاولة محدودة الأثر. هذا القسم من الكتاب يتميز بقوة التشخيص، لكنه يفتقر إلى تحليل أعمق لنتائج هذا الخيار على: بنية الاقتصاد، طبيعة النخب الحاكمة، عسكرة السياسة.
ويستخدم بينغ الغابون كنموذج حالة، ويرى أنها مرت بثلاثة عصور رئيسية من حيث سياستها الداخلية والخارجية؛ الأولى بعد إعلان الاستقلال وبداية سياسة خارجية شبه منعدمة في عهد الرئيس ليون إمبا (1961 – 1967)، الذي كان منشغلا بلا كلل بالحاجة إلى الأمن (داخليا وعلى الحدود الغابونية). كانت الفكرة آنذاك بناء أمة وضمان حياة جماعية، سواء ضد العدوان الخارجي (كان يعتقد أن التهديد الشيوعي كان حقيقيا في تلك الفترة من الحرب الباردة)، أو ضد الاضطرابات الداخلية لمحاولات الانقلابات ومخاطر الانفصال. الثانية من أوائل السبعينيات، تميزت برغبة جديدة في “كسر” الصفوف والانفتاح على العالم، وهو ما شجعه ليس فقط الانفراج بين الشرق والغرب وسياسة التعايش السلمي، ولكن أيضا ادعاء العالم الثالث ب “دولة جديدة”. اتسمت الفترة الثالثة بتراجع ملحوظ بسبب الصعوبات التي واجهتها الدولة الإفريقية نتيجة لاضطرابات العولمة والنظام العالمي الجديد الذي أعقب الحرب الباردة. ينقسم هذا الجزء إلى ثلاثة فصول.
الفصل الأول يحمل عنوان الخطوات الأولى: التحرر السياسي و”سيادة محدودة”
عندما حصلت جميع الدول الإفريقية تقريباً على السيادة القانونية عام 1960، كان الوضع الدولي يهيمن عليه “صراع القرن” بين الليبرالية والشيوعية، مما أدى إلى إقامة كتلتين، واحدة ضد الأخرى، باسم أيديولوجيتين متعارضتين. المعسكر الشيوعي الذي يهيمن عليه الاتحاد السوفيتي من جهة؛ والمعسكر الرأسمالي والذي لعبت فيه الولايات المتحدة الدور القيادي من جهة أخرى.
في ذلك الوقت، كان من الواضح أن الحرب المباشرة بين هذين الاتجاهين النوويين ستخُاض في “المحيط”: في آسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، خاضت الحرب بين القوى العظمى محلياً من خلال قوى بالوكالة. دفعت الحرب الباردة والأنشطة التخريبية والصراعات بالوكالة والحاجة إلى السلام والأمن دفعت الدول الإفريقية إلى اللجوء إلى التحالفات واتفاقيات الأمن الجماعي. الهدف المقصود: الدفاع عن أنفسهم وحمايتهم بشكل أفضل ضد كل هذه التهديدات وأشكال العدوان. وكانت النتيجة استقطاباً وعسكرة متزايدة لإفريقيا والعالم الثالث.
بالنسبة لجميع هذه الدول، فإن المهمة الأهم والأكثر إلحاحاً خلال هذه الفترة من بناء الأمة وبدء السياسة الخارجية، هي ضمان الأمن، قبل كل شيء، على الصعيدين الدولي والداخلي، لأن الحاجة إلى الأمن كانت تطغى على كل شيء آخر. في الواقع، ظهرت معظم هذه الدول الجديدة، التي لم تكن تمتلك آنذاك الإرادة ولا القدرة الحقيقية على قيادة سياسة خارجية فاعلة، على الساحة الدولية كمجرد تابعين لقوى الحماية السابقة. وهذا يعني أن هذا العصر الأول من السياسة الداخلية والخارجية لمعظم الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية اتسم بهيمنة واضحة من خلال عضويتها الكاملة في “الجماعة الفرنسية الإفريقية”. كانت فرنسا آنذاك حامية أمن ونظام هذا الفضاء الذي يعُتبر “فناءها الخلفي”. كانت هذه بداية ما سيطُلق عليه لاحقاً “فرنس إفريقيا”؛ لسنوات عديدة، اعتمدت هذه الدول الجديدة على حماية فعلية من الغرب. أدى هذا إلى إرساء نوع من “السيادة المحدودة”.
الفصل الثاني يحمل عنوان نضج: التحرير الاقتصادي والانفتاح على العالم
يتناول المرحلة الثانية للسياسات الوطنية للدول الإفريقية وهي مرحلة الانفتاح على العالم خلال فترة الانفراج بين الشرق والغرب في سبعينيات القرن العشرين والظهور الموازي لمطالبات العالم الثالث. وهي الفترة، التي ازداد وعي الدول الإفريقية بأن الاستقلال الحقيقي يتطلب استقلالا اقتصاديا وتنمية. وسعت جاهدة من خلال “الاقتصاد الدولي الجديد”. على سبيل المثال في الغابون ودول أخرى بزغ عصر جديد للسياسة الوطنية. تميزّت هذه السياسة بتعزيز السيادة على الموارد الطبيعية، وسياسة انفتاح على العالم، ودبلوماسية عدم انحياز اتسمت بتعزيز الالتزام بالمبادئ السامية لمنظمة الوحدة الإفريقية وحركة عدم الانحياز.
في تلك الفترة اتجهت الغابون للانفتاح على الشرق؛ كان هذا الانفتاح، نتيجة طبيعية لتحدي الكتل، كان الانفتاح على الكتلة الشيوعية ليوازن إلى حد ما الهيمنة المطلقة للنفوذ الدبلوماسي الغربي. يتلخص هذا الاتجاه في إقامة وتعزيز أفضل العلاقات الممكنة مع أكبر عدد من البلدان في مجالات الأمن والدفاع، استنادا إلى المصالح الوطنية. فتح الانفراج مع الكتلة الشيوعية، بطبيعة الحال، الطريق أمام تطور مماثل نحو العالم العربي الإسلامي. الأزمة. فقد تبنت الغابون تدريجياً خطاً سياسياً جديداً، أكثر تنوعاً وتأييداً للعرب، بالإضافة إلى موقف أكثر انفتاحاً تجاه القضية الفلسطينية. وأقامت علاقات دبلوماسية، وسرعان ما تبادلت السفراء مع عدة دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبذلك أصبحت الجابون، على غرار العديد من الدول الإفريقية الأخرى، تمتلك وفقاً لما تمليه مصلحتها الوطنية في ذلك الوقت، سياسة شرق أوسطية وعربية خاصة بها. وهكذا، تكثفت العلاقات بشكل كبير كجزء من “الحوار العربي الإفريقي”.
أيضاً اتجهت الغابون في إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء المقيمين مع العديد من دول آسيا وأمريكا اللاتينية. كانت هذه بداية فترة طويلة ومثمرة من التعاون متعدد الأشكال، تم خلالها توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي مع دول جديدة في جميع أنحاء العالم.
لم يقتصر اتجاه الغابون نحو الشوق والغرب فقط بل امتد ليشمل الدول الإفريقية ذاتها فقد اقتضت المصلحة الوطنية عدم تجاهل بقية إفريقيا، وأن ينبغي الاعتماد على سياسة إفريقية منظمة وفعاّلة. وتستند هذه السياسة إلى مبادئ راسخة؛ كتجنب استخدام القوة، والسعي إلى تسوية النزاعات سلمياً، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات، واحترام السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وحسن الجوار، والسعي إلى التعاون الودي، والتضامن الإفريقي. لقد طبقت إفريقيا سياسة الانفتاح لصالح المعسكر الغربي والشرقي، وهكذا، نوعّت إفريقيا شركائها (إيطاليا، البرتغال، اليابان، كندا، المملكة المتحدة، …).
الفصل الثالث يحمل عنوان العودة القوية ل “الأساتذة” و “القفزة الكبرى إلى الوراء”
في عام 1990 بدأ عصر جديد للسياسات الوطنية للدول الإفريقية، مع نهاية الحرب الباردة والتحول، في غضون خمسة عشر عاماً فقط، من عالم ثنائي القطب إلى العالم المعولم الذي نعيش فيه اليوم، عالم ما بعد ثنائي القطب. في ذلك الوقت، عندما بدأت العلاقات الدولية منعطفها التاريخي الكبير، كان على كل دولة إفريقية أن تأخذ هذا التحول في الاعتبار وأن تتكيف معه للتكيف مع الظروف. في البداية، ولدّ هذا النظام العالمي الجديد شعوراً كبيراً بالنشوة؛ إذ أعلن البعض نهاية الأيديولوجيات ونهاية التاريخ، وانتشار خطاب العدالة والمساواة. إلا أن فترة النشوة هذه لم تدم طويلا. فما كادت إفريقيا أن تبدأ، مع بوادر تحول في الاتجاه، حتى اضطرت إلى الاعتراف بالواقع؛ وسرعان ما خاب أملها وتبددت أوهامها. فبدلا من عالم أكثر إنصافاً وحرية وازدهاراً وسلاماً أعُلن عنه بضجة كبيرة، واجهت الدول الإفريقية، الخاضعة لضغوط خارجية صارمة، تدهوراً خطيراً في وضعها الاقتصادي والاجتماعي، وانتشاراً غير مسبوق للصراعات من جميع الأنواع. وفي الوقت نفسه، اضطرت إلى تطبيق عدد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية المهمة، تحت طائلة عقوبات رادعة، في سياق دولي مضطرب للغاية.
في أوائل التسعينيات، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت الولايات المتحدة تعتقد أنها حسمت معركة التاريخ. وبدا المستقبل مشرقاً بلا شك، إذ أصبحت الآن أسياد العالم. لكن العالم الذي بدأ يتشكل تدريجياً منذ ذلك الحين، لا يبدو أنه يطُابق تماماً التوقعات المعلنة. في الواقع، يتغير توازن القوى، وتظهر جهات فاعلة جديدة، حكومية وغير حكومية، ويستمر النظام الدولي في الخضوع لتغييرات جوهرية. هناك بالفعل تغييرات جذرية في هذا العالم الذي يشهد تحولات أمام أعيننا.
– أولاً، هناك أوروبا، المجُتمعة اقتصادياً ضمن الاتحاد الأوروبي، والتي تعُد الآن قوة صناعية كبرى في طور التكوين. ومن المرُجحّ أن تضُاهي قوة الولايات المتحدة أو قوة الصين غداً.
– ثم هناك صعود آسيا، وخاصة الصين والهند، اللتين انضمتا بالفعل، إلى جانب اليابان، إلى مصاف القوى العالمية الرائدة. ولأول مرة في التاريخ الحديث، ساهمت الصين والهند وروسيا بأكثر من نصف النمو. الاقتصادي العالمي في عام 2007.
– هناك أيضا ظهور متوقع لقوى أخرى تشكل، إلى جانب البرازيل وروسيا وكوريا وكندا وأستراليا وإندونيسيا، قوى “متشددة”. على سبيل المثال، قد تصبح البرازيل، التي يبلغ عدد سكانها 210 مليون نسمة في عام 2025، القوة الاقتصادية الرابعة في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين والهند.
– أخيراً، هناك تكتلات اقتصادية إقليمية واسعة النطاق تتشكل أمام أعيننا، في مناطق الرخاء المشترك، مثل السوق المشتركة للجنوب (ميركوسور MERCOSUR) أو رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان ASEAN). وهناك إفريقيا باتحادها الإفريقي، وسكانها البالغ عددهم مليار نسمة، ومواردها الطبيعية الوفيرة، التي تبني أعشاشها شيئاً فشيئاً.
وفي ظل تواجد أمريكا كقوة واحدة في عالم القطب الواحد ترتجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا. في الوقت الذي زادت فيه الصين والهند وحتى اليابان أو كوريا استثماراتها في إفريقيا بشكل كبير، قامت فرنسا وبقية دول أوروبا، على نحو متناقض، بسحب استثماراتها بشكل كبير لصالح آسيا. ويرى البعض أن ذلك علامة على أن الوقت قد حان للتفكير في ظروف “إفريقيا بدون فرنسا”. ويعلن آخرون “سقوط الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا”.
ظهور آسيا؛ ما يميز آسيا اليوم، ثاني أكبر قطب في العالم بعد الولايات المتحدة، هو نموها الاقتصادي المذهل، الذي اتسم بمعدلات نمو ثنائية الرقم، وهي الأعلى في العالم. كما تضم آسيا مجموعة من الدول العملاقة، العديد منها يمتلك أسلحة نووية: الصين، التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة، والهند، 1.1 مليار نسمة، وباكستان، 160 مليون نسمة، وبالطبع اليابان، 127 مليون نسمة. وتضم هذه المنطقة الواسعة من الرخاء المشترك، التي أصبحت لا غنى عنها، إلى جانب العمالقة الاقتصاديين الثلاثة (اليابان والصين والهند)، دولاً ناشئة شديدة الديناميكية مثل كوريا، ودول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وأستراليا، ونيوزيلندا، وباكستان، وإندونيسيا.
تتمتع إفريقيا الآن بعلاقات ديناميكية للغاية مع شمال آسيا (الصين واليابان وكوريا الجنوبية). على سبيل المثال، يتسع نطاق التعاون الصيني الإفريقي في مجالات متنوعة للغاية (الصحة، والتعليم، والمعدات، والبنية التحتية، والزراعة، والصناعة، والتجارة، وغيرها).
مع العولمة، نشهد ميل العالم نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والدول التي تستحق المحاكاة لما حققته من نجاحات باهرة تقع جميعها تقريباً في هذا الجزء من العالم: كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا، وتايلاند، وإندونيسيا، وغيرها. كل منها، بطريقته الخاصة، ولأسباب مختلفة، يمُثل نموذجاً بديلاً للدول الإفريقية. في الواقع، “تمارس جميع الدول الآسيوية تدخلاً حكومياً محظوراً حالياً في إفريقيا من خلال التعديلات الهيكلية، جميعها ترفض تفكك الدول الوطنية في ظل العولمة الليبرالية، ولا تحاول، كما تفعل المنظمات الدولية، فرض سيطرة الدول على إفريقيا”. باختصار، تكمن أهمية هذا التعاون الآسيوي الإفريقي في أنه يبدو وكأنه يتم دون إملاءات، دون تدخلات فظةّ، دون شروط مستحيلة وغير مسبوقة، وخاصة دون تهديدات منهجية بالعقوبات.
إحياء التعاون فيما بين بلدان الجنوب؛ لضمان تنميتها بسلام في ظل سياق اقتصادي دولي متوتر للغاية، أدركت إفريقيا أن خلاصها، في مجال السياسة الخارجية، يكمن أيضاً في تعزيز جديد للتعاون بين بلدان الجنوب، دون أي شروط أو أوامر أو تهديدات أو عقوبات. وكما يتضح جلياً من العلاقات الأفرو آسيوية، فإن هذا التعاون يقوم على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة والتضامن.
إفريقيا في ظل العولمة؛ إن العواقب الناجمة عن هذا الانتصار العالمي الباهر للعولمة والأجندة النيوليبرالية التي وجهّت العالم بأسره تقريباً لم تكن واحدة للجميع، بل على العكس تماماً. كان هناك رابحون وخاسرون. بالنسبة للبعض، جلبت أرباحاً طائلة، بينما مثلت للآخرين صعوبات لا حصر لها. وفيما يتعلق بإفريقيا تحديداً، فإن العولمة، كما لا تزال تتكشف في هذا الوقت، قد أدت إلى سلسلة من المفارقات والتناقضات التي تؤثر تحديداً على استقلال القارة وأمنها وتنميتها، والتي شهدت تراجعاً حقيقياً في هذه القضايا.
إن الوجه الآخر للنظام العالمي الجديد هو، قبل كل شيء، التشكيك الجذري والمنهجي في مبدأ سيادة الدول الإفريقية واستقلالها، سواء في مجال العلاقات الدولية أو في صلاحياتها السيادية الداخلية. ولا بد من التذكير أيضاً بأن مبدأ السيادة الذي ظهر في القرن السابع عشر، بالتزامن مع ظهور الدولة الحديثة، وتحديداً الدولة الغربية، كما يجب التأكيد، يندمج مع مبدأ الاستقلال الوطني. وقد أرسى هذا المبدأ، منذ أربعة قرون، الحق الحصري للحكومة في ممارسة سلطتها على أراضيها وعلى شعبها دون الخضوع لأوامر طرف ثالث. لكن هذا المبدأ، الذي كان في السابق غير قابل للمساس، يتعرض للتنمر والتحدي الشديدين بشكل متزايد نتيجة العولمة وظهور “جهات فاعلة غير سيادية”، بل وأيضاً “حقوق جديدة” في طور التكوين. وينطبق هذا تحديداً على “حق التدخل”، أي الحق في التدخل دون إذن في شؤون تقع ضمن الاختصاص الحصري لدولة أخرى. لذلك، ارتبطت العولمة بتآكل سيادة الدولة، أو حتى نهايتها.
لقد أدي هذا الوضع إلى انزلاق إفريقيا الآن على منحدر لطيف من التعصب الديمقراطي والفوضى والانقسام والعنف. وهذا أمر مخيف بشكل خاص لأن “الفوضى”، أسوأ من الطغيان لأنها تحل محل تعسف الفرد بتعسف الجميع. عموماً، في هذه البلدان، لم تعد مفاهيم المسؤولية والسلطة والسيادة ذات معنى، وتمكنّت الجهات الفاعلة غير الحكومية (الإرهابيون، وقطاع الطرق، والمهربون، والمافيا، والقراصنة، والمنظمات الدينية أو الإقليمية أو العرقية، إلخ) من اكتساب أوسع نطاق من الاستقلالية. وتعُد حالة الصومال، بعشائرها وعشائرها الفرعية، ومنظماتها الإقليمية (في أرض الصومال)، والمنظمات الدينية (حركة الشباب، وحزب الله، إلخ)، حالة بالغة الأهمية. علاوة على ذلك، تضُعف الدولة القومية، بفعل التدخل الخارجي المتُطفلّ والممنهج، والتقليد القانوني المحُيط، والتفكير السليم، و”الصواب السياسي”، في إفريقيا أكثر من أي مكان آخر، صعوبات في الحكم تقُوضّ سلطتها بشكل كبير وتحُولّ شعوبها بشكل خطير إلى أطفال.
تنمية التخلف؛ يمثل الاقتصاد جانباً رئيسياً من العولمة، وهو جانب متميز ولكنه لا ينفصل عن البعد السياسي. وقد اتسمت فترة ما بعد عام 1990 بتزايد التهميش الاقتصادي والاجتماعي لإفريقيا. فمع ظهور الليبرالية الجديدة والعولمة والنظام العالمي الجديد، اعتبُرت دولة ريادة الأعمال هذه دولة مفترسة، تشُكل عقبة أمام التنمية. لذا كان لا بد من تدميرها. اضطرت الدول الإفريقية، تحت وطأة الضغوط الخارجية الشديدة، إلى التخلي عن نموذج “الاقتصاد الوطني”، أي دولة الرفاهية ودولة ريادة الأعمال، لصالح السوق، الذي لطالما كان مصدراً للثروة الطائلة والبؤس في آن واحد. هذا هو النموذج الذي فرُض على إفريقيا، والذي رفضته آسيا رفضاً قاطع.
ثم على الصعيد الاجتماعي، بينما شهد العالم خلال العقدين الماضيين ازدهاراً هائلاً وقدرة هائلة على إنتاج الثروة والرفاهية، إلا أن إفريقيا، للأسف، عاجزة عن الاستفادة منها. ففي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يعيش أكثر من 50 في المائة من السكان في فقر مدقع لا يزال يكتسب أرضية. لقد أصبحت القارة الإفريقية منطقة حرمان وبؤس وظلم. لم تعد ميزانية الدولة تسُتخدم لبناء المدارس والمستشفيات، أو لشراء الأدوية والكتب المدرسية، ولكن فقط لسداد فوائد الديون الخارجية. لم تعد السياسة الضريبية أداة للتماسك الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة، بل مجرد آلة لصالح إثراء الأغنياء. وعلى الرغم من أننا نشهد انخفاضاً في الفقر في العالم بفضل الانخفاض الكبير في الفقر المدقع في آسيا، إلا أن الفقر الجماعي في جميع البلدان الإفريقية تقريباً أصبح بدلا من ذلك حقيقة متفشية مأساوية، مما يؤدي أحياناً إلى أعمال شغب بسبب الغذاء.
لم تستطع إفريقيا تحقيق “الازدهار المشترك” الذي كان من المفترض نظرياً أن يتحقق من خلال وضعها تحت الوصاية، وتحولها إلى الديمقراطية، وتوجهها نحو الغرب، وعولمتها. هذه هي المفارقة المأساوية التي استغلها الرئيس فيدل كاسترو Fidel Castro ببراعة في خطابه الشهير لرؤساء دول الجنوب: “لم يسبق للبشرية أن امتلكت مثل هذه الإمكانات العلمية والتكنولوجية الهائلة، وهذه القدرة الاستثنائية على إنتاج الثروات والرفاهية، ولكن لم يسبق أن كان التفاوت وعدم المساواة عميقين إلى هذا الحد.
الجزء الثاني: التحديات الكبرى الجديدة
ينتقل بينغ في الجزء الثاني إلى تحليل ما يسميه “التحديات الكبرى الجديدة”، وعلى رأسها: الأمن، الفقر، وتفكك الدولة. ويُعد هذا الجزء من أكثر أجزاء الكتاب حدة في النقد، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الدولة الفاشلة. أهم أفكار هذا الجزء:
– نقد مفهوم الدولة الفاشلة: يرفض بينغ التعامل مع “الدولة الفاشلة” بوصفها حالة طبيعية أو ناتجة عن عجز ثقافي، ويرى أنها: نتيجة مباشرة لتفكيك الدولة، وتآكل احتكار العنف المشروع، وخصخصة الأمن في ظل العولمة. هذا النقد يقترب كثيرًا من أطروحات الاقتصاد السياسي النقدي، لكنه يبقى في مستوى الوصف الأخلاقي أكثر منه تفكيكًا نظريًا عميقًا لبنية الرأسمالية العالمية ودورها في إنتاج الهشاشة.
– الأمن والفقر علاقة سببية معكوسة: يربط المؤلف بين انعدام الأمن والفقر، لكنه يتجنب الوقوع في التفسير الأمني الصرف، ويؤكد أن غياب التنمية يولّد العنف، كما أن العنف يقوّض أي إمكان للتنمية. غير أن المقاربة تبقى عامة، ولا تميّز بما يكفي بين: أنماط العنف (السياسي، الإثني، الاقتصادي)، وأدوار الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. يقدم هذا الفصل نماذج حالة متنوعة عن انعدام الأمن وكثرة النزاعات والانقلابات في إفريقيا. وينقسم هذا الجزء إلى فصلين:
الفصل الرابع يحمل عنوان العيش خالياً من الخوف
يقرر أن السلام والأمن هما أثمن ما تملكه الأمم، وهما الأساس الذي لا غنى عنه لنمو التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فبدون السلام والأمن، لا يمكن تحقيق أي من ذلك. في المقابل، تبدو الحرب تدميراً شاملاً للأرواح والممتلكات، وإهانة للكرامة الإنسانية، وقد تلُحق الضرر بالسلامة الجسدية للمدنيين والجنود على حد سواء. ولذلك، في مطلع القرن العشرين، ركزت السياسة الخارجية الإفريقية بعناد وبشكل رئيسي على الوقاية والوساطة وتسوية النزاعات وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، كشرط أساسي لإرساء سيادة القانون وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. ومثل جميع الشعوب، يتطلع الأفارقة إلى العيش “متحررين من الخوف” مع احترام الحياة والحرية والكرامة الإنسانية.
عانت إفريقيا كثيراً من الصراعات، وفي ظل هذه البيئة، عاد الأمن ليصبح قضية حيوية للدول الإفريقية وهدفاً رئيسياً لدبلوماسيتها. وكان إرساء السلام وتعزيز الأمن هدفين رئيسيين للسياسة الوطنية. طوال تسعينيات القرن الماضي، اتسمت استراتيجيات الدول الإفريقية بمضاعفة التزاماتها بحل النزاعات. وخير مثال على ذلك دول مثل السنغال ونيجيريا وغانا والغابون. ففي حين تأثرت القارة بشدة باضطرابات النظام العالمي الجديد، ظلت هذه الدول من بين الدول القليلة التي نجحت في الحفاظ على السلام داخل حدودها وخارجها.
ناقش الفصل النزاعات المتعددة التي انتشرت في أجزاء كثيرة من إفريقيا جنوب الصحراء وخطورة الصراعات والانقلابات على الأمن والاستقرار الإفريقي وما يترتب عليه من توقف عملية التنمية والتي يترتب عليها بالضرورة انتشار الفقر في مناطق شاسعة من القارة.
الفصل الخامس يحمل عنوان العيش خالياً من الحاجة
يقرر أن أحد الأهداف الأساسية التي اضطلعت بها الأمم المتحدة عند إنشائها عام ١٩٤٥ هو “تعزيز التقدم الاقتصادي والاجتماعي لجميع الشعوب”. ولذلك، كان الآباء المؤسسون للأمم المتحدة يدركون جيداً أن السلام والأمن لا ينفصلان عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبنفس الروح، أعلنت الولايات المتحدة في الخامس من يونيو ١٩٤٧ تفاصيل خطة مساعدات اقتصادية ضخمة جمعت من عام ١٩٤٨ إلى عام ١٩٥١ مبلغاً غير مسبوق من المساعدات لأوروبا التي مزقتها الحرب من أجل شن ما أسماه وزير الخارجية الأمريكي جورج سي. مارشال مكافحة “الجوع والفقر واليأس والفوضى”. وقد ساهمت هذه المساعدات الضخمة في إرساء أسس السلام والازدهار والديمقراطية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، أصبح السعي لتحقيق الرفاهية الاقتصادي والاجتماعي لتمكين شعوبها من العيش “متحررين من الحاجة” هدفاً أساسياً للسياسات الإفريقية، بتشجيع من الأمم المتحدة، وتحفيز من مكافحة التهميش الاقتصادي المتزايد لإفريقيا. لذلك، تمحورت سياسات معظم الدول الإفريقية، سواء بشكل فردي أو جماعي، حول هدف أساسي: انتشال إفريقيا من الفقر اليومي، لا سيما من خلال العولمة. ووفقاً للنظرية الاقتصادية الكلاسيكية السائدة، يفُترض أن تحُسنّ العولمة أداء الاقتصاد العالمي، وأن تفُيد الجميع بفضل تنمية التجارة الدولية والتوزيع الأمثل لثروات العالم، شريطة أن نرُسي، كما يقُال، الحوكمة الرشيدة.
برزت الحوكمة الرشيدة في ثمانينيات القرن الماضي، بل وأكثر في تسعينياته، كتعبير رئيسي ذي قيمة عقيدة ضرورية، وهي المبدأ الرسمي للمانحين، بهدف إلهام الحكومات الإفريقية للعمل. وهي تستند إلى سلسلة من التوجيهات الاقتصادية والسياسية، بل وحتى الأيديولوجية، وإلى سلسلة من القواعد والقيم والمعايير النيوليبرالية التي تعُتبر عالمية. تشمل هذه المبادئ سيادة القانون والديمقراطية؛ والشفافية والمساءلة والكفاءة والفعالية؛ والتماسك في صياغة السياسات؛ والأخلاق وحسن السلوك وهي سلسلة من الوصفات التي أصبحت إلزامية لتحقيق النجاح باسم التنمية.
إن السعي لتحقيق حوكمة اقتصادية رشيدة، رغم القيود الخارجية متعددة الجوانب، يفُسر لماذا أصبح استقرار الاقتصاد الكلي التزاماً ومحوراً أساسياً للبرامج الاقتصادية في إفريقيا. يقُال لنا باستمرار إن مأساة النمو في إفريقيا ترجع جزئياً إلى أن الحكومات الإفريقية لم تنجح في تهيئة بيئة اقتصادية كلية مستقرة. بمعنى آخر، لم تبُق الحكومات الإفريقية معدلات التضخم منخفضة، ولم تسُيطر على عجز ميزانياتها، ولم تحافظ على استقرار أسعار صرف عملاتها، ولم تدُرِ ديونها الخارجية، ولم تحُافظ على استقرار أسعار الفائدة الحقيقية وإيجابيتها.
الجزء الثالث: إحياء الحركة القومية والتعددية الإفريقية
يمثّل هذا الجزء البعد المعياري الاستشرافي للكتاب، حيث ينتقل المؤلف من التشخيص إلى اقتراح الحلول. من أهم أفكار هذا الجزء:
– إحياء البان أفريكانزم (حركة عموم إفريقيا): يرى بينغ أن الفعل الإفريقي الجماعي هو الشرط الضروري لأي استعادة للسيادة، سواء عبر الاتحاد الإفريقي، أو آليات التعاون الإقليمي، أو التفاوض الجماعي داخل المؤسسات الدولية. غير أن هذه الرؤية تظل دولانية الطابع، إذ تراهن على الدولة والمؤسسات الرسمية، مع تجاهل نسبي لدور: المجتمعات المدنية، الحركات الاجتماعية، الفاعلين غير الرسميين.
– التعددية وإصلاح النظام الدولي: يدعو بينغ إلى إصلاح الأمم المتحدة والحوكمة العالمية، بما يحقق: عدالة تمثيلية، توازنًا في اتخاذ القرار، اعترافًا بدور الجنوب العالمي. لكن هذا الطرح يعكس بوضوح موقع المؤلف داخل النظام الدولي، إذ يبدو الإصلاح هنا: أخلاقيًا ومؤسساتيًا، لا بنيويًا أو جذريًا. بعبارة أخرى، يسعى بينغ إلى أنسنة النظام الدولي أكثر من السعي إلى إعادة بنائه من جذوره. وينقسم هذا الجزء لفصلين:
الفصل السادس ويحمل عنوان الإدارة المشتركة ل الشؤون الإفريقية
في بداية القرن العشرين ارتفعت أصوات متزايدة في النخبة السياسية والفكرية الإفريقية لإحياء الحركة القومية الإفريقية. من أبرز دعاة الوحدة الإفريقية؛ رواد الشتات الإفريقي الأمريكي إدوارد بلايدن Edward Blyden، وهنري سيلفستر ويليام Henry Sylvester William، وماركوس غارفي Marcus Garvey، ودبليو إي بي دو بوا W.E.B. Du Bois. أما في القارة الإفريقية، فكان كوامي نكروما Nkrumah Kwame، أول رئيس لغانا، أعظم وأشهر مدافع عن الوحدة الإفريقية. فقبل أكثر من خمسين عاماً، دعم هو وأحمد سيكو توري Ahmed Sékou Touré (أول رئيس لغينيا)، وجمال عبد الناصر Abdel Nasser Gamal (ثاني رئيس لمصر)، وننامدي أزيكيوي Nnamdi Azikiwé (أول رئيس لنيجيريا)، التكامل السياسي والاقتصادي الكامل لجميع دول القارة الإفريقية. ولهذا الغرض، دعا نكروما إلى إنشاء دولة اتحادية على نطاق قاري بحكومة مركزية واحدة، وجنسية مشتركة، ومنطقة نقدية واحدة تسُمى الولايات المتحدة الإفريقية. ومع ظهور العولمة، عادت الوحدة الإفريقية بقوة. وفي الواقع، كان للدفعة الجديدة من الإقليمية في جميع أنحاء العالم تأثير على إفريقيا أيضاً. أصبح من الضروري مراجعة ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية لمواكبة أحدث التطورات السياسية والاقتصادية، ولإعداد إفريقيا لعالم معولم، فبدون التكامل والتنمية المشتركة لإمكانات إفريقيا الهائلة، لن يكون هناك خلاص لدول إفريقيا التي تطمح للعيش في مأمن من الفقر. لقد أقر معظم الأفارقة بأن خلاص القارة يكمن في الاتحاد في كتلة إفريقية واحدة، بدلاً من البقاء دولاً صغيرة مستقلة.
في عصر العولمة، حيث تعُطى الأولوية للجانب الاقتصادي على الجانب السياسي وللشرعية الخارجية على الشرعية الداخلية، ينبغي أن يرتكز التكامل السياسي للقارة على تكاملها الاقتصادي، الأداة التنموية الأساسية للدول الإفريقية. ويتذكر الناس باستمرار في هذا الصدد أن إفريقيا لا يمكنها الاندماج في الاقتصاد العالمي إلا إذا نجحت في تحقيق تكاملها الاقتصادي. لذا، تم التأكيد بشدة على ضرورة نجاح التكامل الإفريقي، وإلا، في نهاية المطاف، ستختفي من الوجود. فكان من بين أهداف الوحدة الإفريقية ضرورة التكامل السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من أهمية الخطوة بالنسبة لإفريقيا إلا أنها واجهت إضرابات بين الآراء الإفريقية لمعالجة بعض القضايا. إن الصعوبة التي تواجهها إفريقيا اليوم تكمن في ضرورة المضي قدما وبسرعة أكبر، والاندماج بشكل فوري وكامل في نموذج واحد مهيمن.
الفصل السابع ويحمل عنوان الإدارة المشتركة للشؤون الدولية
كثيرا ما يقُال إن إفريقيا لا تسير على ما يرام. فقد ظهرت في القارة تهديدات ومخاطر جسيمة، بعضها جديد وغير مسبوق، بوتيرة متزايدة. مثل الآفات اجتماعية كالأوبئة (مثل السارس والإيبولا والملاريا)، والأوبئة (فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز)، والأمراض الوبائية (إنفلونزا الطيور) والصراعات المسلحة وانتشار أسلحة الدمار الشامل؛ والجرائم المالية العابرة للحدود والديون العالمية؛ وتفاقم الفقر والفساد؛ والإرهاب الدولي، والكائنات المعدلة وراثيا؛ والكوارث البيئية العالمية؛ والكوارث المناخية المتكررة. إن العالم، على مفترق الطرق، حيث تبرز الحاجة إلى خيارات حيوية، لا سيما في مجالي حماية البيئة ومكافحة الإرهاب العالمي؛ وهي خيارات ستتطلب نقاشاً أوسع نطاقاً على مستوى العالم. وأكثر من أي وقت مضى، بات لزاماً على السياسات الإفريقية أن تدُمج تعزيز التعددية في أهدافها، بالإضافة إلى الإدارة المشتركة الضرورية للشؤون الإفريقية والدولية. لا يمُكن مواجهة التهديدات والتحديات العالمية إلا جماعياً وعالمياً بدعم من جميع الدول وجميع الأطراف الفاعلة في البحث عن حلول.
إن مستقبلنا يتحدد، إلى حد كبير، في قاعات الأمم المتحدة، مكان اللقاء الأساسي للبشرية جمعاء. أنُشئت الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف “الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وتحقيق التعاون الدولي في حل المشكلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني”. ومثل العديد من المنظمات الدولية، تعُد الأمم المتحدة أداة في خدمة السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية من خلال التعاون الدولي. إنها منظمة أساسية وفريدة لا غنى عنها للتعاون متعدد الأطراف، تتمتع بعضوية عالمية والتزام مشترك بالشؤون الدولية. إنها المكان الأمثل للشرعية الدولية، ومركز حيوي للعمل متعدد الأطراف، وحوكمة عالمية لا غنى عنها، تهدف، قدر الإمكان، إلى تجنب العلاقات مع دول تحكمها قوانين الغاب ويسيطر عليها الأقوى. وعلى الرغم من أهمية منظمة الأمم المتحدة للعالم إلا أنها تحتاج إلى إصلاحات كثيرة وفقا لبينغ. وفي الواقع لم يكن بينغ وحده يرى ضرورة إصلاح الأمم المتحدة بل كل مفكر حر يرى اليوم ضرورة الإصلاح من أجل تحقيق عدالة دولية شاملة دون تميز في الحقوق بين الدول والذي أضحي واضحاً للجميع.
والخلاصة يناقش هذا الفصل بيونغ ضرورة التعاون والتكامل الإفريقي من جانب، والتعاون الإفريقي الدولي من جانب أخر لمواجهة القضايا الخطيرة والمشتركة في العالم كقضايا المناخ وقضايا الإرهاب.
الخاتمة
يجمع الكتاب بين خاتمتين؛ الأولى والتي تحمل عنوان “معاً، دعونا نبني مستقبلاً أفضل لإفريقيا”.
تبدأ الخاتمة بالحديث عن النتائج الكارثية التي لحقت بإفريقيا وعلى الرغم من ذلك يرى بينغ رؤية استشراقية لمستقبل القارة من خلال عمليات التكامل الإقليمي والقاري الجارية في إفريقيا والتي لاتزال تكتسب زخماً متزايداً. ومن المتوقع أن يسُفر هذا التكامل عن فوائد كثيرة، مثل توسيع الأسواق من خلال حرية تنقل الأشخاص والسلع والخدمات ورؤوس الأموال؛ وتوسيع نطاق التجارة وزيادة الاستثمار؛ وتطوير أسواق رأس المال الإقليمية؛ وتعزيز التعاون في معالجة قضايا السلام والأمن، وغيرها. لذا، يعُد التقدم في أجندة التكامل أمراً بالغ الأهمية للأعمال التجارية، من خلال تسهيل التجارة والاستثمار. وكما قال إيمي سيزير ببراعة: “لطالما اعتقدت أن الخطوات الصغيرة التي نتخذها معاً أفضل من قفزة واحدة كبيرة”. وفي هذا السياق وبهذه الروح، يمُكن تعميق التفكير الذي بدأ على المستويات القارية والإقليمية والوطنية داخل الاتحاد الإفريقي ووكالته “نيباد NEPAD”.
أيضاً ينبغي على إفريقيا التخلي عن التبعية للنماذج الغربية واستلهام قصص نجاح ونماذج الدول الناشئة في آسيا وأمريكا الجنوبية التي تسعى إلى التماسك الاجتماعي والإدماج الاجتماعي. وينبغي أن توُجهَّ نحو زيادة القدرات الإنتاجية لإفريقيا، لا سيما في قطاعات الزراعة والصناعة والبنية التحتية والطاقة والخدمات. وينبغي أن تعُزز التكامل الكامل لإفريقيا؛ وينبغي أن تدعم سيادة الدول الإفريقية واستعادة مسؤوليتها الكاملة عن احترام شعوبها وكرامتها وشرفها. لذلك تحتاج القارة إلى التحرر من الخطط والهياكل الجاهزة التي تعيق الفكر والعمل الإبداعي في إفريقيا. يجب على إفريقيا أن تعيد معنى الواقع السياسي المتمثل في أهمية الدولة، من خلال تجديدها وإعادة ابتكارها، لا سيما في أدوارها كضامن للسلام والأمن والاستقرار؛ وكمحفز ومنظم للنمو والتنمية؛ وكحامية للبيئة والحريات الأساسية وحقوق الإنسان الأساسية (بما في ذلك، والأهم من ذلك، حقوق المرأة والطفل). وحدها الدولة الحديثة، وهي أداة رئيسية للعمل الحكومي، قادرة على التنفيذ، بشكل فردي. يطرح بينج بعض الأهداف المحتملة للنهوض بإفريقيا
القطاع الاقتصادي. من المعترف به بوضوح أنه بالنسبة للسوق لكي يزدهر، يحتاج إلى بيئة مواتية، منظمة، مهيكلة، خاضعة للرقابة، وخاضعة للمساءلة. والإطار اللازم لتحقيق ذلك هو، بالطبع، الدولة الحديثة. ينبغي تنظيم قوى السوق والدولة الحديثة بحيث تتكامل وتدعم بعضها البعض.
القطاع الاجتماعي. في هذه الحالة الهدف هو النضال ضد الإقصاء الاجتماعي (مصدر للعنف) والآفات الاجتماعية (مصدر للموت). حيث يجب على الحكومات مكافحة الإقصاء الاجتماعي والفقر والبطالة كهدف أساسي لسياساتهم الاقتصادية الكلية. يجب عليهم أيضاً، في الواقع، التوفيق بين ضرورات الحرية والاستقرار والكفاءة والفعالية الاقتصادية وضرورات العدالة والتضامن والتماسك الاجتماعي.
المجال السياسي. ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك الترويج للديمقراطية والحوكمة الرشيدة. الديمقراطية والحكم الرشيد ليسا حتميين فحسب، بل لا غنى عنهما لقارتنا. “لا أحد”، كما ينبغي تكراره، “في أي ثقافة، لا أحد يرغب في أن يحُرم من حريته أو يصُاب أو يقُتل!” يجب أن تتجذر العمليات الديمقراطية، بفضل التعليم والتدريب، في الثقافة الإفريقية وتقاليدها. ينبغي إدخال ديمقراطية السوق، التي أصبحت ضرورة ملحة في العالم الحديث، إلى إفريقيا بطريقة سلمية وتوافقية. يجب أن نناقش معاً ما نخطط للقيام به معاً.
اعتبارات الأخلاق والآداب (المعركة ضد الفساد واستغلال الأطفال والنساء وانتهاك حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وما إلى ذلك). أن على المجتمع المدني ووسائل الإعلام بذل العناية الواجبة كجهات رقابية، وإدانة الانتهاكات عند الضرورة. فالدولة ونظامها القضائي وحدهما قادران على قيادة جهد شامل ومستدام نحو بروز ثقافة حقيقية لحقوق الإنسان في إفريقيا، كضامن لحياة سياسية سلمية.
تعزيز التعاون الدولي يجب على إفريقيا أن تعتمد أولا على نقاط قوتها، الفردية والجماعية، بما في ذلك استعادة معنى وقيمة الدولة الحديثة والتكامل الإفريقي على المستويين الإقليمي ودون الإقليمي بفعالية. فالدولة النشطة والمنظمة والفعالة وحدها هي القادرة على تنظيم السوق وتعزيز النمو والتنمية المستدامة، لا سيما من خلال الاستثمار والتجارة والتعاون الإقليمي والدولي.
وفي النهاية يوضح بينغ أن القارة هي مساحة شاسعة من الأرض ذات إمكانات هائلة. إفريقيا قارة مساحتها أكبر من مساحة أوروبا والولايات المتحدة والصين والهند والمكسيك والأرجنتين مجتمعة. إنها قارة لديها سوق محلية كبيرة ستضم 1.4 مليار مستهلك بحلول عام 2020 وأكثر من 2 بليون بحلول عام 2050؛ ولديها أحد أكبر خزانات الثروة والمواد الخام على هذا الكوكب. إنها قارة تعتبر فيها بعض التجمعات الاقتصادية الإقليمية، مثل مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، كيانات كبيرة بالفعل ومنظمة بشكل جيد ومتكاملة. يجب ألا ينُظر إلى إفريقيا على أنها مشكلة، بل كفرصة.
ثم الخاتمة الثانية والتي تحمل عنوان السلام والأمن والتنمية في إفريقيا
تتمحور خاتمة الكتاب حول حوار مع جان بينغ، يقدّم فيه رؤية شاملة لقضايا السلام والأمن والتنمية في إفريقيا انطلاقًا من خبرته داخل الاتحاد الإفريقي والمنظومة الدولية. يؤكد بينغ أن أحد الأسباب الجوهرية لأزمات القارة يتمثل في تفكيك الدولة الإفريقية خلال عقود الليبرالية الجديدة، خاصة في ظل ما عُرف بـ«توافق واشنطن»، حيث أُضعفت مؤسسات الدولة قبل اكتمال بناء الأمة، ما أسهم في تصاعد النزاعات الإثنية والحروب الأهلية. ويرى أن الحل لا يكمن في العودة إلى السلطوية، بل في بناء دولة قوية وديمقراطية تحترم سيادة القانون، قادرة على مكافحة الفساد، وضبط العنف، وتعزيز المواطنة، معتبرًا أن الدولة تظل الفاعل المركزي في تحقيق الاستقرار والتنمية. كما يشدد على أن غياب الدولة القوية كان عاملًا حاسمًا في فشل كثير من سياسات التنمية وفي تفاقم الأزمات الأمنية بالقارة.
وتبرز الخاتمة أهمية التكامل الإقليمي والقاري بوصفه شرطًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية ولتعزيز الحضور الإفريقي في النظام العالمي، في ظل التجزئة السياسية وضعف الأسواق الوطنية. ويؤكد بينغ أن إفريقيا، رغم ثرواتها البشرية والطبيعية، تعاني من تهميش واضح داخل مؤسسات الحوكمة العالمية مثل مجلس الأمن ومجموعة العشرين، ما يطرح إشكالية الشرعية والتمثيل في النظام الدولي. كما تتناول الخاتمة العلاقة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في مجال حفظ السلام، حيث ينتقد بينغ بطء قرارات مجلس الأمن، وعدم ملاءمة آليات الأمم المتحدة لطبيعة النزاعات الإفريقية، التي يغلب عليها الطابع الداخلي. ويؤكد أن إفريقيا اضطرت في كثير من الأحيان إلى تحمّل مسؤولية إدارة أزماتها بنفسها، مع الدعوة إلى تنسيق أفضل بين المنظمات الإقليمية والأمم المتحدة. وفي الختام، يؤكد بينغ أن السلام والتنمية مترابطان، ولا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر، وأن مستقبل إفريقيا مرهون ببناء دولة قانون قوية، وتعزيز التكامل القاري، وإقامة شراكة دولية قائمة على الاحترام لا الوصاية، وعلى الاعتراف بإفريقيا كفاعل مسؤول عن مصيره داخل النظام العالمي.
الأهمية الأكاديمية والسياسية للكتاب
– أكاديميًا؛ يقدم الكتاب تحليلًا شاملًا لفهم القارة الإفريقية منذ الاستقلال وحتى اليوم، بما يجمع بين التاريخ السياسي، الاقتصاد، والتنمية المؤسسية.
– سياسيًا واستراتيجيًا؛ يسلط الكتاب الضوء على أهمية تعزيز السيادة الوطنية، بناء مؤسسات فعالة، وتكامل إفريقيا اقتصاديًا وسياسيًا لتصبح قوة فعالة في الساحة الدولية.
وبناءً عليه يمثل الكتاب جسرًا بين النظرية السياسية والتطبيق العملي، حيث يربط بين الواقع السياسي الإفريقي والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، كما يقدم رؤية استراتيجية شاملة حول أهمية التكامل الإقليمي، تعزيز المؤسسات الوطنية، وبناء القوة التفاوضية الموحدة لإفريقيا في الساحة الدولية. ومن هذا المنظور، يعد الكتاب ليس مجرد مذكرات شخصية، بل دراسة أكاديمية قيمة تسهم في فهم الواقع الإفريقي الراهن واستشراف مستقبله، سواء بالنسبة للباحثين أو صانعي القرار أو الممارسين في حقل السياسات العامة. كما تكمن أهمية الكتاب في قدرته على المزج بين السرد التاريخي والتحليل السياسي والاستشراف الاستراتيجي، مع تقديم توصيات قابلة للتطبيق، مما يجعله مرجعًا مهمًا لكل من يرغب في فهم العمق البنيوي للأوضاع الإفريقية وسبل تطوير السياسات التي تضمن التنمية المستدامة والسيادة الحقيقية للقارة.
مميزات الكتاب
– شمولية الرؤية؛ يغطي الكتاب جميع الأبعاد الكبرى للتحديات الإفريقية: السيادة، التنمية، الأمن، التكامل الإقليمي، والدور الدولي.
– ربط النظرية بالممارسة؛ الجمع بين الخبرة الدبلوماسية للمؤلف والتحليل السياسي يجعل الكتاب جسرًا بين الفهم الأكاديمي والواقع العملي.
– أهمية التكامل الإقليمي؛ يقدم رؤية واضحة لاستراتيجية القوة الجماعية للقارة، وهو موضوع غالبًا ما يُهمل في الدراسات الإفريقية التقليدية.
– الأبعاد المستقبلية والاستشرافية؛ يقدم الكتاب مقاربة للتحديات المستقبلية مع التركيز على تنمية الذات وبناء مؤسسات قوية.
– قيمة أكاديمية وعملية؛ يعد الكتاب مفيد لكل من الباحثين وصانعي القرار على حد سواء.
عيوب الكتاب
– الحلول العامة؛ بعض الفصول تقدم حلولًا واسعة وغير مفصلة، دون تقديم دراسات حالة واضحة أو أمثلة محددة على نجاحات وفشل السياسات.
– التركيز على العوامل الخارجية؛ يميل الكتاب أحيانًا إلى التركيز على تأثير القوى الدولية على إفريقيا، مع تقليل أهمية الديناميات الثقافية والاجتماعية المحلية.
– غياب التحليل التفصيلي للتباينات القارية؛ الاختلاف الكبير بين الدول الإفريقية من حيث الموارد، المؤسسات، والقدرة الاقتصادية لم يتم تناولها بالتفصيل في بعض الفصول.
– النقد الذي يقدمه الكتاب لم يكن على مستوى الضرر الذي لحق للقارة الإفريقية جراء الصراعات الغربية وما أعقبه من تبعية للقوى الاستعمارية، فقد كان بينغ حذرا في توجيه النقد للقوى الاستعمارية الغربية بخلاف نقده الموجه لإفريقيا.
على الرغم من النقد الموجه للكتاب إلا أنه لا ينقص من قيمة الكتاب الأكاديمية والسياسية شيئاً، فالكتاب ألقى الضوء على الجانب المظلم لما بعد الحرب الباردة والتي كانت بلا شك عامل رئيسي من عوامل تأخر النمو والتقدم في إفريقيا ما بعد الاستعمار، كما القى الضوء على الأخطاء الرئيسة للبلدان الإفريقية والتي ساعدت على تأزم الوضع داخل القارة. وعليه يمكننا القول إن التحليل البنيوي لأجزاء الكتاب يكشف عن نص غني في تشخيصه، قوي في لغته المعيارية، لكنه متردد في الذهاب إلى أقصى حدود النقد. فهو يفضح اختلال النظام الدولي، لكنه يتجنب تفكيك علاقات القوة داخليًا، ويراوح بين خطاب تحرري وخطاب إصلاحي. والخلاصة؛ يكشف الكتاب المشاكل التي تواجهها القارة بالإضافة إلى استشراف مستقبل مشرق لها أيضاً.
دعاء عبدالنبي حامد
باحثة دكتوراه تخصص فلسفة إفريقية حديثة ومعاصرة - كلية الآداب/جامعة القاخرة-مصر.