يتجاوز معنى التعليم مجرد تحصيل المعرفة، بل يفيد ويثبت وجود دور أساسي للتعليم، وهو إعداد الطلاب ليكونوا قادرين على التفكير الإيجابي، وتمكينهم من النمو الشخصي، والنضوج والوعي، مما يمكّنهم من حل المشكلات بأنفسهم ويجعلهم أداة نافعة في تطوير المجتمع ويغرس فيهم القدرة على المساهمة الإيجابية في صالح المجتمع.
وتبدأ رحلة التعليم من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية وتستمر بشكل أوسع في المرحلة الجامعية حيث يعرف التعليم في هذه المرحلة بالتعليم العالي. ويجب الاهتمام البالغ بتحسين التعليم في المرحلة الابتدائية والثانوية، لأن الأسس الحقيقية للتعلم المستقبلي تُبنى في هتين المرحلتين. فضعف المستوى التعليمي فيها خسارة كبيرة على المستويين الفردي والمجتمعي. وبالتالي يجب أن نتحد ونبذل قصارى الجهود لضمان حصول الطلاب على أساس قوي في المرحلتين الابتدائية والثانوية لتفادي مثل هذه الكارثة.
ويعدّ المنهج التعليمي من بين المجالات المهمة التي تحتاج إلى اهتمام كافٍ وزائد، لقد أوصى خبراء التعليم على مر السنين بمراجعة دورية للمناهج التعليمية حتى تكون ملائمة وفعّالة. إذ يجب أن تكون المناهج قابلة للتغيير والتطور بما يتماشى مع الاحتياجات المتغيرة للطلاب والمجتمع، حيث يؤدي تقادم المنهج الدراسي إلى تدنّي التعليم، وقد يجعل الطلاب يفتقدون المهارات الأساسية حتى بعد سنوات من الدراسة، أو يجعلهم غير مهيئين للتعليم العالي أو سوق العمل. كما أن التغيرات السريعة في المجتمع والتكنولوجيا تفرض إعادة النظر في ما يتم تعليم الطلاب وفي كيفيات تعليمهم. لذلك، يجب أن يتكيف المنهج الدراسي مع هذه التغيرات، خاصة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، لضمان تأسيس قاعدة تعليمية قوية لقادة المستقبل.
نظرة عامة على الإطار الجديد للمنهج التعليمي في نيجيريا
التعليم في نيجيريا واجب للكل بين سنّ 6 و 15 عاماً، ويبدأ من الصف الأول حتى الصف التاسع. وكانت الإنجليزية هي لغة التدريس الرسمية أو اللغة المحلية في السنوات الأولى. ويتكون التعليم الضروري من المرحلة الابتدائية التي تدوم لست سنوات والمرحلة الثانوية الدنيا المستمرة لثلاث سنوات. أما التعليم المبكّر في المرحلة الطفولية فليس إلزامياً لا ضروريا، حيث تقل نسبة المشاركة في دور الحضانة ورياض الأطفال عن %40. ومع ذلك، توفر المؤسسات العامة والخاصة برامج خاصة بــرعاية الأطفال وتعليم الطفولة المبكرة، و كان عدد الأطفال المشاركين في برامج التعليم المبكر هذا يتجاوز 86 مليوناً في نيجيريا.
قبل عام 1914، لم يكن للإدارة الاستعمارية البريطانية توجّه واضح. وبعد عملية الدمج عام 1914، أدخلت بريطانيا نظام الحكم غير المباشر في نيجيريا، وركزت إدارة اللورد لوغارد على التعليم العلماني خصوصاً في شمال نيجيريا، قد يكون ذلك ما أدى إلى الفجوة التعليمية بين الشمال والجنوب. وإن نيجيريا كدولة مستقلة، شهدت عدة أنظمة تعليمية منذ تكوينها عام 1914. وسرعان ما تم الاستقلال، ظهر الكثير من أوجه القصور في النظام التعليمي النيجيري لأنه كان مبنياً على النظام البريطاني الذي لم يلبِّ احتياجات المجتمع النيجيري وطموحاتها. وأدى ذلك إلى مؤتمر المناهج التعليمية لعام 1969 الذي ركّز على الأطفال النيجيريين في مجتمعهم، خلال سياسات وطنية للتعليم تم اعتمادها في أعوام 1977، 1981، 1998، و2004، وجميعها هدفت إلى تحسين جودة التعليم في نيجيريا.
ويخضع تنفيذ نظام التعليم (6-3-3-4) المعتمد لسياسات شتى وهيئات تنظيمية مختلفة حيث تشرف وزارة التعليم الفيدرالية على السياسة الوطنية للتعليم، التي تحدد الأهداف والتوجيهات للنظام التعليمي. بينما تتولى وزارات التعليم في الولايات تنفيذه على المستوى المحلي.
ويعد نقص التمويل من أبرز التحديات، التي تؤثر سلبياً على جميع المستويات التعليمية، حيث يؤدي إلى ضعف البنية التحتية، ونقص المواد التعليمية، وانخفاض رواتب المعلمين، مما يقلل من جودة التعليم في الطلاب.
ولقد وضعت السياسة الوطنية للتعليم (المعدلة في عام 2013) الأساس الفلسفي للتعليم الأساسي في نيجيريا. إذ أكدت هذه السياسة على الحق العام في التعليم، الذي يحميه قانون حقوق الطفل لعام 2003 وقانون التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني لعام 2004. وبموجبها، تلتزم الحكومات النيجيرية بتوفير تعليم إلزامي مجاني شامل وذي جودة للأطفال حتى سن 15 عاماً.
وفي 3 سبتمبر 2025، أعلنت وزارة التعليم الفيدرالية من خلال قائدها الدكتور ماروف تونجي ألاوسا الوزير العام للتعليم، و البروفيسور سويبة سعيد أحمد، وزيرة الدولة للتعليم، عن تعديلات شاملة للمناهج الدراسية العامة للمرحلتين الابتدائية والثانوية. وهذه التعديلات المطلقة عليها اسم “أحمال أخف، عقول أذكى” تهدف إلى تقليل عدد المواد الدراسية المبالغ فيه، وتعزيز اكتساب المهارات العملية لدى الطلاب، وربط التعليم النيجيري بالممارسات العالمية.
وأكدت الوزارة أن هذا الإصلاح الاستراتيجي لم يتم اعتمادها إلا بعد مشاورات واسعة النطاق مع جهات تعليمية أساسية، مثل: مجلس البحوث والتطوير التربوي النيجيري (NERDC)، مجلس امتحانات غرب إفريقيا (WAEC)، والمجلس الوطني للامتحانات (NECO)، ومجلس الامتحانات المهنية والتقنية (NABTEB)، وغيرهم من أصحاب المصلحة.
وتتركز هذه التعديلات في المنهج الدراسي العام على تقليل كبير في عدد المواد في جميع مستويات التعليم الابتدائي والثانوي، مع جعل دراسة المواد المهنية، والرقمية/التكنولوجية، والمواد المدنية والمواطنة إلزامية. وتشمل المواد المهنية الجديدة: تركيب وصيانة الألواح الشمسية، تصميم الأزياء وصناعة الملابس، تربية الماشية، التجميل والعناية، إصلاح الحواسيب والهواتف المحمولة، والبستنة والإنتاج الزراعي.
| عدد المواد حاليا | عدد المواد سابقا | المستوى التعليمي |
| 9–10 مواد |
13–15 مادة |
الصفوف الابتدائية (1-3) |
| 11–13 مادة | 15–17 مادة | الصفوف الابتدائية (4-6) |
| 12–14 مادة | 15–18 مادة | المرحلة الثانوية الدنيا (JSS 1-3) |
| 8–9 مواد | 15–20 مادة | المرحلة الثانوية العليا (SSS 1-3) |
ولا بد أن تغرس هذه المواد المهنية عقلية ريادية في الطلاب منذ سن مبكر، انتقالا من العقلية السائدة التي تحصر التعليم في الحصول على وظائف مكتبية، إلى عقلية أكثر توازناً وفائدة للتنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي. كما أن اختيار هذه المواد المهنية يعكس جهود الحكومة النيجيرية لربط المناهج الدراسية بالقطاعات الناشئة واحتياجات التنمية الوطنية.
وكان تركيز الإصلاح على التربية المدنية والتاريخية مما يؤكد ضرورية سد فجوة الهوية الوطنية. فالتاريخ النيجيري الملغي في المنهج سابقا (إلا أنه مادة اختيارية لطلاب العلوم الانسانية في المرحلة الثانوية العليا)، تمت إعادته كمادة إلزامية من الصف الأول الابتدائي حتى المرحلة الثانوية الدنيا ، كما استُحدثت مادة جديدة في المرحلة الثانوية العليا باسم “دراسات المواطنة والتراث” لترسيخ فهم أشمل للقيم الوطنية. أما إدخال مواد التكنولوجيا الرقمية كمقررات إلزامية في المرحلة الثانوية العليا، فيعكس إدراكاً لمتطلبات القرن الحادي والعشرين الذي يشهد ثورة رقمية متسارعة.
هل يُصلح هذا التغيير فعليًا النظام التعليمي النيجيري؟
تمثل سياسة “أحمال أخف، عقول أذكى” خطوة ثابتة صامدة نحو تحسين جودة التعليم في نيجيريا. وكان هذا المنهج الجديد مصمما بطريقة منظمة، من خلال تقليل عدد المواد في المرحلة الاعدادية والثانوية، لإزالة العبء الثقيل للتعلم الكمي عن الطلاب، وفتح أبواب التعلم النوعي أمامهم، بما يتيح لهم الانخراط في تعليم وظيفي من شأنه أن يؤدي بلا شك إلى تحسين النتائج الأكاديمية.
وتشكل هذه السياسة أيضا حلا وسيطا وإجابة مباشرة لمشكلات البطالة والفجوات المهارية الوطنية، ويظهر ذلك من خلال دمج الثقافة الرقمية والمهارات المهنية الضرورية في المنهج. فهي أيضا تهدف عمليًا إلى خلق قوة عاملة ريادية ضخمة عبر تزويد الطلاب بالأدوات اللازمة إما لابتكار مساراتهم الاقتصادية الخاصة أو ليصبحوا مؤهلين فورًا لسوق العمل. كما أن إدخال الثقافة الرقمية يعكس رؤية الحكومة النيجيرية لضمان مواكبة الطلاب النيجيريين مع متطلبات العصر، وضمان عدم تخلفهم عن المشهد الرقمي العالمي المتطور.
وإن هذا الإصلاح وفقا لـ “رودا أوديغبو”، الخبيرة التربوية والمنظّرة في المناهج الدراسية، يفتح فرصة “للتمهل، والتعمق، ودعم المتعلمين المتعثرين”، وهو ما يُعتبر خطوة حقيقية وتقدمية إلى الأمام للنظام التعليمي. فإعادة مادة التاريخ النيجيري كمادة واجبة من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثالث الإعدادي، واستحداث مادة “دراسات المواطنة والتراث” في المرحلة الثانوية العليا، يحملان دلالات اجتماعية إيجابية. ففي بلد مثل نيجيريا، حيث يشكل التنوع السياسي تهديدات كبيرة للوحدة الوطنية، يُوصى بتوجيه الأجيال الشابة للتعرف على تاريخ الأمة وتراثها وثقافتها ومسؤولياتهم المدنية.
لكن قبل أن نستطيع تحديد فعالية وصلاحية هذا الإصلاح في النظام التعليمي النيجيري، من المهم أن ننظر إلى التعديلات التعليمية السابقة التي تم تبنيها، لفهم السياق التاريخي لمثل هذه السياسات وما إذا كانت قد نُفذت بنجاح.
وٱخر إصلاح كبير تم إحداثه للمناهج هو منهج التعليم الأساسي لتسع سنوات (BEC) الذي قُدم عام 2008 ثم عُدّل في 2012. وتتشابه أهدافه مع أهداف الإصلاح المقترح الجديد حاليًا، إذ يهدف إلى تقليل عبء المواد الدراسية بشكل جذري وإدماج المواد المهنية والتكنولوجية في المرحلتين الابتدائية والثانوية. فالإصلاح حينذاك تسعى نحو القضاء على المشكلات المتكررة في النظام التعليمي على مستوى المرحلتين الابتدائية والثانوية، عبر تحقيق منهج يتماشى مع احتياجات التنمية الوطنية.
لكن نجاح مراجعة منهج 2008 كان محدودًا للغاية بسبب تحديات كبيرة، منها انتشار المعلمين غير المؤهلين أو غير الكفوئين، وانعدام بيئة تعليمية مناسبة، وضعف البنية التحتية التعليمية، إضافة إلى تدني رواتب المعلمين.
إذن فإن نجاح هذا الإصلاح الجديد، قد يكون محدودا بدون تأثير قوي – مثل إصلاح 2008 – على الرغم من الجهود المتجددة للحكومة النيجيرية في معالجة المشكلات المستعصية التي ابتلي بها النظام التعليمي، ويدرك هذا ببساطة إذا علمنا أن التحديات المذكورة آنفًا ما زالت تشكل عوائق كبيرة أمام الإصلاحات المقترحة.
فالمنهج التعليمي الجديد -مع إلزامية المهارات المهنية والثقافة الرقمية- يتطلب مستوى عاليا من الجاهزية في البنية التحتية والقوة التدريسية بشكل كاف، والكثير من المدارس النيجيرية يفتقر هذا، وفقا لما قاله “رودا أوديغبو”، بأن أكثر من %60 من معلمي المدارس الحكومية يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية، كما يحتاج أكثر من %65 من المدارس إلى الكهرباء، بينما لا يتجاوز انتشار الانترنت % 30 فقط. وهذا يعكس واقعًا مفاده أن العديد من المدارس النيجيرية تفتقر إلى معامل حاسوب مجهزة، وإلى كهرباء موثوقة، واتصال بالإنترنت، ومختبرات عملية مجهزة، مما يسهل تدريس الثقافة الرقمية والمهارات المهنية التطبيقية. وكل هذا وذاك يعني أن الحواجز النظامية تشكل تحديا كبيرا أمام التنفيذ الناجح للإصلاح
وأخيرًا، فإن التنفيذ الناجح للسياسة الجديدة هذه يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية التعليمية وتدريب المعلمين على المستوى التأسيسي. وبالتالي، يتوجب على الحكومة الفيدرالية، بالتعاون مع حكومات الولايات، القيام بتطوير شامل للبنية التحتية والأنظمة والقدرات الرقمية في جميع المدارس الحكومية في البلاد على الأقل، قبل أن يمكن ملاحظة الأثر الإيجابي لمثل هذا الإصلاح. فالطموح وراء هذا المنهج الجديد يجب أن يقترن كاملا بالاستثمارات اللازمة لجعله واقعًا ملموسًا لجميع الطلاب.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.