على الرغم من انخراط الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل في الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، إلا أن الاهتمام الأمريكي لم يتراجع حيال القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، تبذل الإدارة الأمريكية جهوداً لإعادة دول الساحل إلى دائرة اهتمامها، من خلال تبني نهج واقعي يركز على المصالح المشتركة. وقد تجلى ذلك في محاولات واشنطن للتقارب مع السلطة العسكرية الحاكمة في مالي، والعمل على التنسيق في مكافحة الإرهاب. فبحسب عدد من التقارير المتداولة خلال شهر مارس 2026، هناك مفاوضات جارية بين الجانبين الأمريكي والمالي، ويُتوقع أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأن التعاون الاستخباراتي، بما يتضمن السماح للجانب الأمريكي باستئناف تحليق طائرات الاستطلاع والمسيرات فوق الأراضي المالية؛ لجمع المعلومات عن تحركات الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة، والتي تشكل تهديداً لاستقرار منطقة الساحل والمصالح الغربية فيها.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الورقة البحثية إلى التركيز على استعراض التغير والاستمرارية في السياسة الخارجية الأمريكية حيال مالي، وتناول محفزات التقارب بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية والنظام العسكري الحاكم في مالي، وأخيراً محاولة استكشاف مدى إمكانية التوصل لاتفاق رسمي بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الحاكم في مالي بشأن التعاون الاستخباراتي لمكافحة الإرهاب.
التغير والاستمرارية في السياسة الخارجية الأمريكية حيال مالي
شهدت مالي تحولات سياسية في بنية نظام الحكم، حيث تم إزاحة الرئيس المدني إبراهيم بوبكر كيتا وصعود النخبة العسكرية للحكم في أغسطس 2020، التي عملت على ترسيخ حكمها من خلال تبني خطاب يرتكز على الحفاظ على السيادة الوطنية، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتفاقمة. علاوة على ذلك، نجد أن التحولات السياسية في مالي لم تقتصر على الشأن الداخلي فحسب، بل عمل النظام العسكري في مالي على إحداث تحول شامل في نمط التحالفات الدولية، حيث لم تكتفِ بالقطيعة مع الغرب، بل سعت في الوقت نفسه إلى تنويع شراكاتها الدولية، وهو ما اتضح جلياً في التقارب مع روسيا التي أصبحت الشريك الأمني والسياسي الرئيسي لمالي، كما تحالفت مالي مع الصين لتعزيز خياراتها الاقتصادية والتنموية.
الجدير بالذكر أن، صعود النخبة العسكرية للحكم في مالي لم ترحب به الإدارة الأمريكية إبان عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وعملت على اتخاذ عدد من الإجراءات العقابية لعودة الحكم المدني في مالي؛ إذ دعمت إدارة بايدن موقف إيكواس (ECOWAS) في فرض عقوبات على مالي، كما تم وقف التعاون العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية ومالي، فقد تم تعليق برنامج التدريب العسكري والمساعدات الأمنية التي تقدر بحوالي 40 مليون دولار سنوياً، كما تم إنهاء التواجد العسكري الأمريكي بعد طلب السلطات المالية خروج القوات الغربية. علاوة على ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في يوليو 2023 عقوبات على ثلاثة مسؤولين كبار في الحكومة المالية من بينهم وزير الدفاع ساديو كامارا بسبب علاقاتهم بمجموعة فاغنر (Wagner) الروسية، واتهامهم بانتهاكات حقوق الإنسان. وعلى الرغم من سياسة العقوبات التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في التعامل مع المستجدات في مالي، إلا أنها لم تُؤتِ بثمارها، حيث استمرت النخبة العسكرية في الحكم، ولم يتم العودة إلى الحكم المدني، كما أن النهج المتشدد حيال مالي أسفر عن تقليص النفوذ الأمريكي في مقابل تزايد النفوذ الروسي. وعلى النقيض من سياسة التشدد وفرض العقوبات على مالي، تشهد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية ومالي تقارباً ملحوظاً على عدد من المستويات، وذلك خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، حيث تتسم سياسة ترامب حيال مالي بالبراغماتية، وتجاهل القضايا الأيديولوجية؛ إذ يتم التركيز على تحقيق المصلحة الوطنية بدلاً من الضغط لعودة الحكم المدني.
مؤشرات التقارب
تجلت عدة مؤشرات بشأن تصاعد وتيرة التقارب بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية والنخبة العسكرية في مالي خلال الآونة الأخيرة، وتتمثل أبرز تلك المؤشرات فيما يلي:
- استئناف الحوار على الصعيد العسكري: لقد تم كسر الجمود بين الولايات المتحدة الأمريكية ومالي في فبراير 2025، من خلال تنظيم أول لقاء على الصعيد العسكري منذ التحولات الجذرية التي شهدتها مالي منذ 2020. فقد استضافت عاصمة مالي باماكو فعالية ضمت ممثلين قانونيين عسكريين من القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) وقانونيين عسكريين من الجانب المالي لمناقشة عدد من القضايا الرئيسية تتمحور حول مجال العدالة العسكرية، وقانون النزاعات المسلحة، وقواعد الاشتباك، وحماية المدنيين.
- الزيارات الدبلوماسية: حرصت إدارة دونالد ترامب على تعزيز قنوات التواصل مع السلطات في مالي، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال إجراء عدد من اللقاءات الدبلوماسية؛ إذ قام نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون غرب أفريقيا والمبعوث الخاص للساحل وليام بي ستيفنز، بزيارة رسمية لمالي في يوليو 2025، وحرص على إيصال عدد من الرسائل التي تتمحور حول اعتبار أن مكافحة الإرهاب مسؤولية مشتركة، مع الأخذ في الحسبان أن الجماعات المسلحة تشكل “تهديداً مباشراً للولايات المتحدة”، وأن التعاون مع مالي يشكل “أولوية” للولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد على استمرار الجهود الأمريكية لتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة بالتعاون مع السلطات المالية. بالإضافة إلى ذلك، زيارة رئيس مكتب الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأمريكية نيك تشيكر، إلى العاصمة المالية باماكو في فبراير 2026، وتأتي أهمية هذه الزيارة لتعزيز التواصل مع الخارجية المالية، والتأكيد على احترام سيادة مالي، والرغبة في إعادة بناء الثقة مع السلطة العسكرية في مالي لتحقيق المصالح محل الاهتمام المُشترك.
- الاستثمار في قطاع التعدين: تمكنت الشركة الأمريكية الخاصة “Flagship Gold Corp” من تحقيق شراكة استراتيجية مع شركة “SOREM” المملوكة للدولة المالية في أكتوبر 2025. وبموجب هذه الشراكة، تم التوصل إلى إعادة التشغيل والإنتاج في منجم”Morila Gold Mine”، الواقع في جنوب مالي، والذي يحتوي على احتياطي يُقدر بحوالي 2.5 مليون أونصة من الذهب.
- رفع العقوبات الاقتصادية عن مسؤولين في مالي: نجد أنه في سياق محاولة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتصحيح مسار العلاقات مع مالي بعد فترة من الجمود والتوتر أبان عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، قامت سفيرة الولايات المتحدة لدى مالي، راشنا كوركونن، بعقد لقاء رسمي مع رئيس الوزراء المالي ووزير خارجية مالي مطلع شهر مارس 2026. وقد تمحور اللقاء بشأن تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين، وإبلاغ الحكومة المالية رسمياً بقرار وزارة الخزانة الأمريكية في 27 فبراير 2026 إسقاط العقوبات الاقتصادية عن عدد من كبار المسؤولين في مالي، بينهم وزير الدفاع ساديو كامارا، وضباط بارزون، بعد أن كانوا قد وُضعوا على القائمة السوداء بسبب اتهامات بارتباطهم بشبكة فاغنر الروسية.
- استثناء مالي من رسوم التأشيرة: أدرجت الخارجية الأمريكية مالي في الثامن من أكتوبر 2025، ضمن الدول التي سيُفرض على مواطنيها إيداع وديعة مالية تصل إلى 10 آلاف دولار كشرط للحصول على تأشيرة دخول ابتداء من 23 أكتوبر 2025. وفي ضوء ذلك، ردّت مالي بقرار مماثل في 11 أكتوبر 2025، يقضي بإلزام الأميركيين بدفع وديعة مماثلة قبل الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي المالية، ابتداء من 12 أكتوبر 2025، وذلك وفق مبدأ المعاملة بالمثل. ولكن نجد أن وزارة الخارجية الأمريكية قد تراجعت عن هذا القرار بالإعلان في 23 أكتوبر 2025 عن قائمة معدَّلة استثنت فيها مالي من قائمة الدول التي يُلزم مواطنوها بإيداع مبلغ مالي، بينما لم تتراجع مالي عن القرار الذي اتخذته.
هل يمكن أن يكون لواشنطن دور استخباراتي في مالي؟
في ضوء استعراض السياق المصاحب للتقارب بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والنظام العسكري الحاكم في مالي، يحاول هذا الجزء من الورقة البحثية بحث إشكالية التعاون بين البلدين على الصعيد الاستخباراتي، وما هو التصور المُحتمل للتنسيق بين الجانبين، وهو ما يمكن توضيحه، وذلك على النحو التالي:
- حسابات الجانب الأمريكي: تهدف الإدارة الأمريكية إلى الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة لمكافحة الإرهاب وتضييق الخناق على “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، الذراع الرسمية لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، فهناك سعي لاستهداف قياداتها المتورطين في احتجاز طيار أمريكي داخل الأراضي المالية. علاوة على ذلك، إذا تمكنت واشنطن من استئناف العمليات الجوية الاستخباراتية الأمريكية فوق مالي، فإن ذلك يُعد خطوة حاسمة لاستعادة نفوذها الإقليمي في منطقة الساحل.
- حسابات النظام العسكري الحاكم في مالي: تعاني مالي من محدودية قدراتها الاستخباراتية لاحتواء أنشطة الجماعات الإرهابية، على الرغم من تواجد “فيلق إفريقيا” التابع لروسيا. ولذا، ترغب مالي في الحصول على الإمكانيات المتقدمة المتوفرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يتعلق بمجال الاستطلاع والمراقبة.
- التصور المُحتمل بشأن آلية عمل الشراكة الاستخباراتية: سيقتصر التعاون بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومالي في هذه المرحلة على تبادل المعلومات الاستخباراتية، ولا يمتد التعاون ليشمل تدريب الجيش المالي أو تزويده بمعدات عسكرية حديثة لمواجهة الجهاديين. وبذلك، الاتفاق سيتمحور حول تحليق الطائرات الأمريكية في الأجواء المالية لتتبع أنشطة الجماعات الإرهابية، ورصد مواقع تمركز قياداتها، وهذه المعلومات سيتم توفيرها للجيش المالي لاستهداف القيادات الإرهابية بدقة، وهو ما يجهض الهجمات الإرهابية قبل وقوعها. مع الأخذ في الحسبان أنه من المرجح عدم استضافة مالي أي قواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية لانطلاق عملياتها الجوية الاستخباراتية، بينما من المحتمل أن تستضيف دول الجوار قاعدة العمليات الأمريكية مثل غانا أو كوت ديفوار.
وعلى الرغم من المعطيات السابق ذكرها، نفت وسائل الإعلام المالية ما تداولته التقارير الغربية بشأن وجود أي تعاون عسكري أو استخباري مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن الحوار بين مالي والإدارة الأمريكية في هذا التوقيت يقتصر على الدبلوماسية والاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. غير أن هذا النفي صدر في وسائل الإعلام دون أن يكون منسوباً لمسؤول رسمي في الحكومة المالية، وهو ما يفتح المجال أمام تفسيرين متباينين؛ التفسير الأول، قد يشير غياب التصريح الرسمي إلى انخراط مالي في مفاوضات سرية مع واشنطن، ربما سعياً لتحقيق مكاسب أكبر قبل الإعلان الرسمي عن أي اتفاق يتعلق بالتنسيق الاستخباراتي. أما التفسير الثاني، فقد يكون ما أعلنته وسائل الإعلام المالية صحيحاً، ولا يوجد تفاوض بشأن التعاون الاستخباراتي مع الجانب الأمريكي. وفي هذه الحالة، يمكن تفسير السلوك المالي بأنه محاولة لتجنب الضغوط الداخلية المرتبطة بالتقارب الأمني مع الغرب، ورغبة في الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع روسيا.
خلاصة القول، تسعى إدارة ترامب، في إطار نهجها البراغماتي “أمريكا أولاً”، إلى إعادة النفوذ الأمريكي في مالي، ولذلك هناك حرص أمريكي على فتح قنوات اتصال مع النخبة العسكرية في مالي، لتحقيق جملة من الأهداف التي تتمحور حول مكافحة الإرهاب، والعمل على موازنة النفوذ الصيني والروسي في منطقة الساحل، إلى جانب الحفاظ على الحضور الاقتصادي؛ إذ تُعد مالي من أكبر منتجي إفريقيا للذهب والليثيوم.
_____________
المصادر
- Jessica Donati, Exclusive: US nears deal to resume intelligence operations in Mali , Reuters,9 March 2026,available at: https://www.reuters.com/world/africa/us-nears-deal-resu me-intelligence-operations-mali-2026-03-09/
- Solomon Ekanem, After close to three years, U.S. lifts sanctions on Mali officials amid improving AES ties, Business Insider Africa, 28 February 2026, available at: https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/after-close-to-three-years-us-lifts-sanctions-on-mali-officials-amid-improving-aes/mzw5697
- US looks to revitalize relations with Mali with envoy visit to Bamako, Radio France International(RFI), 4 February 2026, available at: https://www.rfi.fr/en/africa/20260204-us-looks-to-revitalise-relations-with-mali-with-envoy-visit-to-bamako-eyeing-on-the-sahel
- U.S. and Mali Hold First Military-to-Military Engagement in Five Years, Defense Visual Information Distribution Service (DVIDS), 17 March 2025, available at: https://www.dvidshub.net/news/493021/us-and-mali-hold-first-military-military-engagement-five-years
- Washington trades military support to Sahel juntas for access to mineral wealth, france24, 25 August 2025, available at: https://www.france24.com/en/americas/20250825-washington-extends-offer-of-military-support-to-sahel-junta-regimes
- US-Mali visa row: US removes Mali from list requiring visa bonds, Africa News, 27octobar 2025, available at: https://www.africanews.com/2025/10/27/us-mali-visa-row-us-removes-mali-from-list-requiring-visa-bonds/
- U.S. Miner Flagship Gold Corp Partners with Mali’s SOREM to Revive Morila Gold Mine, African Security Analysis, 22 October 2025, available at: https://www.africansecurityanalysis.org/reports/u-s-miner-flagship-gold-corp-partners-with-mali-s-sorem-to-revive-morila-gold-mine
- Mali: aucune coopération militaire avec les États-Unis envisagée à ce stade, MALI ACTU, March2026, available at: https://maliactu.net/mali-refuse-cooperation-militaire-etats-unis-2024/#google_vignette