ENG
Facebook Twitter Youtube Linkedin
الأفارقة للدراسات والاستشارات
مكتبتنا
0

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

Library (ENG)
  • الرئيسية
  • تقدير موقف
    • الجيوسياسية والحوكمة
    • الاقتصاد والتجارة
    • الأمن وحل النزاعات
    • التكامل الإقليمي والتعاون العالمي
    • التعليم والعلوم والتكنولوجيا
    • الثقافة والإعلام
  • تحليلات
    • الجيوسياسية والحوكمة
    • الاقتصاد والتجارة
    • الأمن وحل النزاعات
    • التكامل الإقليمي والتعاون العالمي
    • التعليم والعلوم والتكنولوجيا
    • الثقافة والإعلام
  • أفريقيا في أسبوع
  • بيانات
    • الرسم البياني
    • الإنفوغرافيك
  • مجلّات
  • فعاليات
    • حلقات النقاش
    • ورشات
    • أخبارنا
  • سجلات الدول
    • نيجيريا
Font ResizerAa
الأفارقة للدراسات والاستشاراتالأفارقة للدراسات والاستشارات
للبحث
  • الرئيسية
  • English
  • تقدير موقف
    • الجيوسياسية والحوكمة
    • الاقتصاد والتجارة
    • الأمن وحل النزاعات
    • التكامل الإقليمي والتعاون العالمي
    • التعليم والعلوم والتكنولوجيا
    • الثقافة والإعلام
  • تحليلات
    • الجيوسياسية والحوكمة
    • الاقتصاد والتجارة
    • الأمن وحل النزاعات
    • التكامل الإقليمي والتعاون العالمي
    • التعليم والعلوم والتكنولوجيا
    • الثقافة والإعلام
  • أفريقيا في أسبوع
  • بيانات وإحصاءات
    • الإنفوغرافيك
    • الرسم البياني
  • فعاليات
  • مجلّات علمية
  • سجلات الدول
    • نيجيريا
تابعنا
  • من نحن
  • طلب دراسة/تقرير
  • دعوة لتنظيم فعالية/تدريب
  • طلب خدمة استشارية
  • للنشر معنا
جميع الحقوق محفوظة | الأفارقة للدراسات والاستشارات © 2026.
التكامل الإقليمي والتعاون العالميالأمن وحل النزاعات

ما وراء مبادرة “بورتسودان-الرياض”: هل تنجح الدبلوماسية السعودية في فك شفرة الصراع المعقد في السودان والبحر الأحمر؟

تُمثل مبادرة «بورتسودان–الرياض» أكثر من مجرد مسار دبلوماسي لاحتواء نزاع مسلح؛ إنها محاولة سعودية جريئة لهندسة "توازن إقليمي جديد" يربط عضويا بين أمن البحر الأحمر، وتأمين سلاسل الغذاء الخليجية، وكسر العمود الفقري لاقتصاديات العنف العابرة للحدود. وتتجاوز هذه المبادرة في أبعادها منطق "الإغاثة" إلى منطق "الدمج الوظيفي"، حيث تسعى الرياض لتحويل السودان من ساحة لـ "الحروب الهجينة" إلى شريك مركزي في الازدهار الإقليمي.

الطاهر  بكني
بقلم الطاهر بكني
آخر تحديث: فبراير 11, 2026
34 دقائق للقراءة
Share
فهرس المحتوى
  • مبادرة بورتسودان–الرياض: تحول العقيدة الدبلوماسية السعودية من “الوساطة” إلى “إدارة الصراع الجيواستراتيجي“
  • 1-الشرعية المؤسسية كحجر زاوية في “المركب الأمني الإقليمي“
  • 2-التناغم السعودي–الأمريكي والدمج الوظيفي للموانئ والزراعة كركائز للسلام البنيوي
  • معضلة “التعقيد المركب” – لماذا يتجاوز الصراع سقف المبادرات؟
  • 1-جيوسياسية “اقتصاد الظل” وتحول الميليشيا إلى منظومة وظيفية
  • 2-استراتيجية “تعدد الوكلاء” وتدويل الجغرافيا السودانية
  • اختبار الفاعلية في ميزان الحسم الاستراتيجي: «المفتاح» أم «المُسكِّن»؟ 
  •  الاستنتاجات والتوصيات – نحو هندسة نظام إقليمي مستقر 
  • 1- الاستنتاجات الجيوسياسية الكبرى:
  • 2- التوصيات الاستراتيجية
  • خاتمة

تمثل مبادرة «بورتسودان–الرياض» (2025–2026) تحولا بنيويا في العقيدة الدبلوماسية السعودية، حيث انتقلت من مربع “الوساطة الإنسانية” إلى دور “الشريك الضامن” لسيادة الدولة ومؤسساتها الوطنية. ويستمد هذا البحث قيمته الجيوسياسية من رصد هذا التحول الذي لم يعد يرى في السودان مجرد ساحة لنزاع داخلي، بل حلقة مركزية في نظام أمن البحر الأحمر وجسر استراتيجي يربط المشرق العربي بالعمق الإفريقي. حيث تتجسد المعضلة المحورية في طبيعة “الحرب الهجينة” التي تدار عبر شبكات تمويل عابرة للحدود، مما حوّل الصراع إلى “بركان جيوسياسي” خاصة بعد سقوط الفاشر، مهددا الأمن القومي العربي من بورتسودان إلى باب المندب، ومستدعيا تدخل “شراكة حسم” سعودية-أمريكية لإعادة هندسة الأمن الإقليمي.

وتعتمد الدراسة منهجية التحليل الجيوسياسي والاقتصادي لتفكيك أبعاد الأزمة، منطلقة من الحقيقة الحتمية بأن الأمن القومي السوداني بات جزءا لا يتجزأ من الأمن الإقليمي الشامل. وبناء عليه، تتناول الورقة بالتحليل والبحث التحول الجذري في العقيدة الدبلوماسية السعودية (ديسمبر 2025) من دور الوسيط إلى “الشريك الضامن”، وتناقش مدى قدرة هذا التحرك على مواجهة “الحروب الهجينة” ومشاريع التفتيت الإقليمي في ظل المتغيرات الدولية لعام 2026. كما تتبع الورقة منهجية “التحليل النظمي” لربط ملفات السودان، واليمن، والصومال، مع استشراف مستقبل المبادرة في ظل إدارة ترامب الثانية، مسلطة الضوء على تحول الميليشيا إلى منظومة وظيفية تقتات على تآكل هيبة القانون. كما تبحث في كيفية استلهام السعودية لنموذج الحسم اليمني (يناير 2026) كخارطة طريق لإعادة بناء المؤسسات الشرعية وتقويض كيانات الأمر الواقع، واستكشاف آليات تقاطع الرؤية السعودية مع واشنطن لتجفيف منابع تمويل العمليات العسكرية الموازية للدولة.

وتسعى الدراسة بشكل رئيسي إلى تبيان العلاقة العضوية بين استقرار السودان وتحقيق مستهدفات «رؤية 0203 »، وينطلق هذا المسعى من قناعة راسخة بأن التدخل السعودي يرمي بالأساس إلى منع سيناريوهات التقسيم والتفتيت التي تمهد لصراعات إقليمية مستدامة؛ وهو التوجه الذي تجلى بوضوح في المقاربة السعودية للملف اليمني ومنع الانفصال الجنوبي. وتخلص المقالة إلى أن لقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان يؤسس لمرحلة “الإدارة الجيواستراتيجية الشاملة”، التي ترى في تماسك الجيش السوداني ضرورة قصوى لمنع تحول المنطقة إلى فراغ سيادي يهدد الأمن القومي العربي.

وعلى ضوء ما سبق، ومع تفعيل “المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي” كآلية تنفيذية لا سياسية فحسب، يبقى التساؤل حول مدى متانة هذه المبادرة أمام التحديات المركبة: فإلى أي مدى يمكن للمقاربة السعودية أن تنجح في تفكيك “هندسة الهدم” التي تقودها شبكات المصالح العابرة للحدود؟ وهل تستطيع “دبلوماسية الحسم” أن تفرض واقعا مؤسسيا مستداما في السودان يتجاوز هشاشة التحالفات الميدانية؟ وأخيرا، هل سيصمد هذا “الارتباط العضوي” بين الرياض وبورتسودان أمام تقلبات التوازنات الدولية الكبرى في منطقة تعيد تشكيل هويتها السيادية تحت النار؟

مبادرة بورتسودان–الرياض: تحول العقيدة الدبلوماسية السعودية من “الوساطة” إلى “إدارة الصراع الجيواستراتيجي“

تمثل مبادرة «بورتسودان–الرياض» منعطفا بنيويا في المقاربة السعودية للصراعات الإقليمية الهجينة؛ إذ تعكس انتقالا استراتيجيا من منطق “الوساطة التقليدية” المحايدة إلى منطق “الإدارة الجيواستراتيجية الشاملة”. وفي إطار هذه الرؤية، لم تعد السودان مجرد ساحة لنزاع داخلي، بل أُعيد تعريفه كحلقة مركزية في نظام أمن البحر الأحمر، وجسر حيوي يربط المشرق العربي بالعمق الإفريقي. ويأتي هذا التحول ليعكس إدراكا سعوديا عميقا بأن استعادة الدولة السودانية هي الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المنطقة نحو فراغ سيادي تستغله القوى المناهضة للاستقرار.

1-الشرعية المؤسسية كحجر زاوية في “المركب الأمني الإقليمي“

تستند المقاربة السعودية الجديدة إلى فرضية أن الأمن المستدام لا يُشيد فوق رمال الفواعل غير الدولتية، بل عبر استعادة مركز ثقل الدولة الرسمي؛ وهو ما تُرجم عبر “المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي”[1] الذي تأسس في مارس 2025 وتم تفعيله كآلية تنفيذية في يناير 2026. مما يعكس تحولا من إدارة الأزمات العابرة إلى شراكة استراتيجية تعتبر الدولة السودانية الفاعل الشرعي الوحيد القابل للتأهيل، رغم تحديات الحرب وازدواجية السلطة بين بورتسودان ونيالا.[2] وبذلك، تسعى الرياض لتثبيت استقرار جوارها الجنوبي وحماية مصالحها في البحر الأحمر عبر دعم المؤسسات السيادية، وهو تحرك يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور السعودي الذي بات يميل عملياً لدعم “مفهوم الدولة” المتمثل في قيادة الجيش كضمانة وحيدة ضد سيناريوهات التفكك والتقسيم.

وقد انعكس هذا الانحياز المؤسسي بشكل رمزي وميداني في اختيار “المكان” كرسالة سياسية مبكرة؛ إذ لم يكن اختيار بورتسودان منصة للمبادرة مجرد اضطرار لوجستي فرضته ظروف الحرب في الخرطوم، بل كان إعلانا سعوديا صريحا بالاعتراف بالمدينة كمركز للشرعية السيادية، واستيعاب لتحولات “جيوسياسية الموانئ”[3]  بتحويل الساحل السوداني إلى قاعدة انطلاق لاستعادة الدولة، بعيدا عن هيمنة الميليشيا على العاصمة التقليدية. فبورتسودان اليوم تمثل الرئة السيادية والمركز الجديد للشرعية المؤسسية التي تضمن بقاء الدولة واتصالها بالعالم. ويأتي هذا التحرك في ظل موجة “أقلمة” متسارعة للنزاع، حيث تجاوزت الحرب أبعادها المحلية لتطال دول الجوار، مما يفرض واقعا إقليميا جديدا يتطلب السيطرة على الموانئ لمنع تحولها إلى نقاط ارتكاز لمشاريع التفتيت أو التدخلات الخارجية غير المنضبطة.

ولمواجهة عدوى التفكك التي تهدد بانهيار إقليمي شامل يتجاوز الحدود السودانية، انتقلت الرياض نحو مقاربة جيوسياسية ترى في استقرار الخرطوم مصلحة أمنية عليا لدول حوض البحر الأحمر والخليج على حد سواء؛ وفي هذا الإطار الاستراتيجي، تتبنى السعودية منطق “المركب الأمني الإقليمي” لـ ‘باري بوزان’؛[4] وهو المفهوم الذي يفسر كيف تترابط المخلفات الأمنية لمجموعة من الدول لدرجة لا يمكن معها فهم أمن أي دولة منها بمعزل عن الأخرى. وبذلك يفسر تطبيق هذا المنطق على الحالة السودانية إصرارا سعوديا على منع ‘الصوملة’؛ فالتفكك في السودان ليس مجرد أزمة حدودية، بل هو شرارة قادرة على إشعال مركب أمني يمتد من القرن الإفريقي إلى العمق الخليجي، مما يجعل حماية الدولة السودانية فعلا دفاعيا عن أمن المملكة القومي ذاته.[5]

وتتزامن المبادرة مع تحدي “مشروع التقسيم” التي تواجه القرن الإفريقي والتي تجسدت في الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” (يناير 2026)،[6] وهو الإجراء الذي رفضته الرياض بحزم دفاعا عن السيادة القومية العربية. في حين تتجلى ملامح “أقلمة الصراع”[7] في انفجار “السيولة الحدودية” من ليبيا وتشاد وصولا إلى السودان، حيث تورطت أطراف إقليمية في تمرير الإمدادات وتجنيد المرتزقة (بما في ذلك الطائرات المسيّرة)، مما يهدد بنقل خبرات الحرب الحديثة من السودان إلى داخل بلدان الجوار. وأمام هذا التهديد، تبرز المبادرة السعودية كـ ”حائط صد” يهدف لتجفيف منابع التمويل الميليشياوي العابر للحدود، وقطع الطريق أمام تحويل السودان والقرن الإفريقي إلى مختبر للمشاريع الانفصالية التي تستهدف تقويض الدولة الوطنية. ويتطلب هذا الدور اشتباكا مع ثلاث دوائر أمنية متداخلة من الأمن القومي العربي الذي يواجه خطر التفتت من الداخل، وأمن البحر الأحمر بوصفه شريانا حيويا لا يتحمل وجود بؤر قرصنة أو ميليشيات على ضفتيه، واستقرار القرن الإفريقي الذي يعد العمق الاستراتيجي لمواجهة الأجندات التوسعية والاعترافات الأحادية المهددة للسيادة.[8] وهنا تتقاطع مصلحة الرياض والقاهرة في الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه كضمانة ضد ”هندسة الهدم” الإقليمية، بينما تبرز نقاط الاختلاف مع القوى التي تستثمر في ”السيادة البديلة” أو الممرات الموازية؛ إذ إن أي اختلال في هذه الموازين سيضع أمن الملاحة الدولية ومستهدفات رؤية 2030 في مهب الريح.[9]

2-التناغم السعودي–الأمريكي والدمج الوظيفي للموانئ والزراعة كركائز للسلام البنيوي

انتقلت الدبلوماسية السعودية بناء على الإدراك العميق لترابط المصالح الأمنية، ومواجهة لتعنت الوكلاء الإقليميين الذين يغذون الفوضى، إلى مستوى متقدم من الضغط السياسي لضمان توفير غطاء دولي فاعل؛ حيث سعت الرياض من أجل هندسة الحسم إلى تنسيق رفيع المستوى مع إدارة الرئيس ترامب.[10] ويهدف هذا التنسيق الاستراتيجي إلى استثمار مقاربة ترامب الواقعية (أمريكا أولا)[11] لإقناع واشنطن بأن استقرار السودان وتأمين البحر الأحمر يمثلان مصلحة أمريكية حيوية لقطع الطريق أمام التمدد الإيراني والروسي، ولتجفيف منابع التمويل الإقليمي العابر للحدود عبر فرض عقوبات ذكية تستهدف ”كارتيلات الذهب” والشبكات المالية الداعمة للميليشيا.[12]

وتمثل زيارة ولي العهد السعودي[13] إلى واشنطن نقطة التحول الجوهري التي حوّلت مخرجات “منبر جدة”[14] من مجرد هدنات إنسانية هشة إلى “خارطة طريق تنفيذية” مدعومة بغطاء دولي صلب. وتكمن فرادة هذه الشراكة في دمج “الغطاء الدولي الأمريكي” بـ “القدرة اللوجستية والمالية السعودية”، مما يمهد لبروز “صناديق إعادة إعمار” وآليات رقابة صارمة تهدف لتحقيق معادلة دقيقة: ضمان وحدة الدولة السودانية، ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة للفوضى، مع العمل على “تأطير” المؤسسة العسكرية بعيدا عن العمل السياسي المباشر فور استعادة الاستقرار، لضمان استدامة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. [15]

وتكتمل أركان المبادرة برؤية اقتصادية شاملة تتجاوز منطق “المساعدات” إلى استراتيجية “الدمج الوظيفي” للسودان ضمن منظومة البحر الأحمر المرتبطة برؤية 2030.[16] وتنطلق الرياض من قناعة بأن السلام يظل هشا ما لم يُسند بأساس تنموي يربط مصالح النخبة والقاعدة الشعبية بشبكة مصالح إقليمية؛ وهو ما دفع المملكة لترميم شرايين الاقتصاد السوداني عبر تحويل بورتسودان من “هامش مضطرب” إلى “عقدة استراتيجية” في سلاسل الإمداد العالمية. ويبرز الانخراط الاقتصادي المشروط هنا كأداة “قوة ناعمة” لدفع مؤسسات الدولة نحو تسوية سياسية من موقع قوة، مما يجعل السعودية الضامن الوحيد القادر على فرض توازن يقي السودان من الانزلاق نحو “سيناريو الصوملة” أو التقسيم.[17]

إلا أن الطموح السعودي يصطدم بجدار “الحرب الهجينة”، حيث تداخلت طموحات الدولة بجموح “اللادولة”، واختلط الاقتصاد الوطني بـ “اقتصاد الجمارك السوداء” الذي تديره شبكات المصالح غير المشروعة. هذا التشابك البنيوي يجعل من التسوية السياسية هدفا متحركا، حيث تبرز الميليشيا كمنظومة اقتصادية مسلحة لا كطرف سياسي فحسب. لذا، فإن جوهر المبادرة السعودية يركز على كسر هذا التحالف بين الفوضى والسوق السوداء، وإعادة تفعيل أجهزة الرقابة والسيادة القانونية، لضمان أن الاستثمار في الموانئ والزراعة والطاقة يصب في مصلحة الدولة المركزية لا في خزائن المجموعات المسلحة.

معضلة “التعقيد المركب” – لماذا يتجاوز الصراع سقف المبادرات؟

تمثل طبيعة النزاع الراهن في السودان تحديا غير مسبوق للمساعي الدبلوماسية التقليدية؛ إذ إن الانتقال من منطق “الأزمة السياسية” القابلة للتفاوض إلى منطق “الحرب الهجينة” المفتوحة يفرض تحديات وجودية تتجاوز القدرة على صياغة اتفاقيات ورقية. ويرجع ذلك إلى أن هذا النمط من الحروب لا يُدار بجيوش نظامية فحسب، بل بشبكات معقدة تدمج بين العمل العسكري، والتضليل الإعلامي، والارتباط العضوي بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، فإن المبادرة السعودية لا تواجه مجرد طرفين متصارعين على تقاسم السلطة أو النفوذ السياسي، بل تصطدم بـ “منظومة اقتصادية-عسكرية” متجذرة؛ وهي شبكة من المصالح والوكلاء الذين يرون في وجود “دولة مركزية قوية” عائقا بنيويا أمام تدفقاتهم غير المشروعة من الذهب والارتزاق. ومن هذا المنطلق بات نجاح المقاربة السعودية مرهونا بقدرتها على تفكيك هذا “التشابك المصلحي” الذي يقتات على غياب القانون، وتحويل الدبلوماسية من مجرد وسيط لتقريب وجهات النظر إلى “أداة جراحية” قادرة على عزل هذه الشبكات وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها السيادية.

1-جيوسياسية “اقتصاد الظل” وتحول الميليشيا إلى منظومة وظيفية

في الوقت الذي تسعى فيه الرياض لترسيخ معادلة استقرار إقليمية تحمي ممرات التجارة والطاقة في البحر الأحمر، تجد نفسها أمام واقع ميداني معقد يتجاوز مفاهيم التمرد التقليدية إلى صراع تحركه شبكات التمويل العميقة؛ إذ يصطدم الدور القيادي للسعودية بعائق بنيوي يتمثل في تحول النزاع السوداني إلى “حرب هجينة” مكتملة الأركان، حيث لم تعد المواجهات العسكرية الميدانية سوى غطاء لعمليات أعمق تديرها شبكات اقتصادية إجرامية عابرة للحدود.[18] وفي هذا النمط، لم يعد الفاعل المسلح (قوات الدعم السريع نموذجا) مجرد طرف سياسي يبحث عن حصة في السلطة، بل تحول إلى “كارتيل عسكري-اقتصادي” يستمد ديمومته من استمرارية الفوضى وتآكل مؤسسات الدولة.[19] حيث لم يعد العنف في عقيدة هذا الكارتيل وسيلة سياسية، بل أداة لتجريف الأرض وتأمين الموارد، وهو ما يفسر بلوغ التوحش ذروته في إقليم دارفور؛ إذ إن ما يحدث في الفاشر[20] اليوم هو نتاج مباشر لتقاعس المجتمع الدولي وصمته الذي مكن من حدوث إبادة جماعية في ظل تمرد يحظى بدعم إقليمي غير مسبوق جعل من بعض دول الجوار شريكا فاعلا في إضعاف الدولة السودانية وتقويض سيطرتها على حدودها السيادية.

وفي قلب هذا المشهد الجيوسياسي، جرى تجريف الثروات الوطنية لتمويل آلة القتل إذ تحول الذهب السوداني من مورد سيادي إلى “عملة حرب”[21] وأداة مركزية للالتفاف على العقوبات الدولية، حيث يمنح توفر سيولة “نقد الذهب” خارج النظام المصرفي حصانة مطلقة للميليشيات ضد الضغوط المالية التقليدية، مما يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار مجرد “إجراء تقني” فاقد الأثر. وبينما سجل السودان إنتاجا قياسيا في عام 2025، تدفقت الكتلة الأكبر من العوائد عبر شبكات تهريب معقدة تتخذ من شرق إفريقيا وجنوب السودان عُقدا لوجستية لتصدير “ذهب الدم”،[22] مما يعيد إلى الأذهان مأساة “الألماس الدموي” التي مزقت غرب إفريقيا (سيراليون وليبيريا) في تسعينيات القرن الماضي. واستيراد السلاح والارتزاق.

إن هذا التكالب على الموارد يمثل النسخة الحديثة من “اقتصاد الإبادة”؛[23] فكما كانت القوى الاستعمارية قديما (في ناميبيا وغيرها) تبيد الشعوب لتأمين الموارد، تمارس الميليشيات والوكلاء الإقليميون اليوم “تطهيرا جغرافيا” في دارفور والفاشر لتأمين ممرات التهريب ومنشآت التعدين، مما يجعل “ذهب الدم” السوداني صنو الألماس في كونه “معدنا مغسولا بدماء المدنيين. حيث يُستخدم الذهب كخزان استراتيجي لتمويل جبهات صراع أخرى وتجاوز العزلة الدولية لفاعلين دوليين مثل موسكو. وأمام هذا الواقع، لم يعد الصراع مجرد نزاع سياسي بل صار “آلية نهب” مُمنهجة؛ إذ تكشف البيانات أن الميليشيا لا ترى في الدولة إطارا للحكم بل فرصة لتعظيم ”اقتصاد الغنيمة” عبر شركات خاصة مثل ”الجنيد” المملوكة لعبد الرحيم دقلو.[24] إذ تظهر تقارير الأمم المتحدة أن الإمارات العربية المتحدة استوردت نحو 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب في النصف الأول من 2025. وبناء على بيانات “كومتريد”، برز الدور المركزي للإمارات كمركز مزدهر لتجارة الذهب الملطخ بالدماء، باستيرادها 29 طنا مباشرة من السودان في 2024،[25] بخلاف الكميات الموجهة عبر مصر وتشاد وليبيا.

وبخلاف الألماس الذي يتطلب مهارة في التقييم، يتميز الذهب بكونه “سيولة عالمية” فورية وصعبة التتبع بمجرد صهره وإعادة سبكه في مراكز إقليمية (مثل دبي). مما جعله “العملة الجيوسياسية” الأكثر خطورة؛ لأنه يوفر للميليشيا استقلالا ماليا كاملا عن ميزانية الدولة، ويجعل من استمرار الحرب “نشاطا تجاريا مربحا” بدلا من كونه أزمة سياسية. ونتيجة لذلك، ترى الميليشيا في تفكك الدولة “فرصة استثمارية” كبرى. وأمام هذا الواقع، تبرز ضرورة انتقال المبادرة السعودية من مربع “الوساطة السياسية” التقليدية إلى مرحلة “التدخل الجراحي” الاقتصادي لتفكيك بنية التمويل غير المشروع. فاستعادة سيادة الدولة لن تتحقق إلا بكسر “التحالف غير المقدس” بين الميليشيا والمراكز التجارية الإقليمية التي تشتري الذهب المهرب، وتحويل تجفيف منابع هذا الاقتصاد إلى أولوية أمنية قصوى تسبق أي ترتيبات سياسية هشة.

2-استراتيجية “تعدد الوكلاء” وتدويل الجغرافيا السودانية

لم يعد الصراع السوداني يُقرأ بوصفه نزاعا داخليا على السلطة، بل بات تجليا لـ “مشروع تفتيت” تتقاطع فيه حسابات قوى دولية تستخدم الوكلاء المحليين كأدوات في حروب بالنيابة؛ حيث يُوظف الذهب والفراغ الأمني لخدمة صراعات كبرى تمتد من أوكرانيا إلى القرن الإفريقي.[26] وفي هذا السياق، برز التحول الروسي البراغماتي عبر “فيلق إفريقيا” (الوريث لفاغنر) الذي لا ينطلق من حسابات داخلية سودانية، بل من معادلة الصراع مع الغرب؛[27] والذي أعاد تموضعه سنة 2026 نحو مؤسسات الدولة الرسمية لضمان قاعدة بحرية في بورتسودان، لتكون تعويضا جيوسياسيا في المياه الدافئة بعد سقوط النظام السوري. هذا التدويل يحول الساحل السوداني إلى عقدة اشتباك وتفاوض دولي عابر للحدود، وإلى ساحة “استنزاف متبادل” ويقلص هوامش المناورة الإقليمية، بينما تستخدم الخرطوم الوجود الروسي كموازنة للضغوط الغربية.[28]

وتتجلى خطورة التفتيت في الدعم العابر للحدود عبر لوجستيات التفكيك وأقلمة “اللا-دولة” حيث تحولت دول جوار، كإثيوبيا، إلى عمق استراتيجي للميليشيا عبر قواعد تدريب في “الأمهرا” بإشراف إماراتي مباشر ومشاركة خبراء أجانب في الحرب غير النظامية.[29] وللالتفاف على التفوق الجوي للجيش، لجأت الميليشيا إلى تكتيك “المهابط المؤقتة” في دارفور وكردفان، وهي منظومة تُدار خارج السيادة الوطنية لربط حركة السلاح بنقل الذهب.[30] هذا المسار، الذي تصفه تقارير الأمم المتحدة بأنه مدعوم بانتشار الأسلحة الفتاكة من أطراف إقليمية كالإمارات، بلغ ذروته بسقوط الفاشر؛ اللحظة الكاشفة لسيناريوهات التقسيم العرقي الرامية لخلق “دولة ميليشياوية” تهدد الأمن القومي العربي، وتسهل نقل تكتيكات الحرب الحديثة وشبكات الجريمة المنظمة إلى دول الجوار. [31]

ويتقاطع مسار الأزمة السودانية عضويا مع التحول الجيوسياسي الإثيوبي الهادف لكسر قيد الجغرافيا الحبيسة عبر استراتيجية “المائين”؛ وهي رؤية تدمج الأمن المائي (نهر النيل) بالأمن اللوجستي (البحر الأحمر). فمنذ إعادة تشكيل بحريتها عام 2019، انتقلت أديس أبابا من مرحلة الرمزية إلى السعي لامتلاك نفوذ عملي، مُعتبرة أن وضعها كخزان مياه إفريقيا وأحد أكبر اقتصادات القارة يمنحها صفة “الشريك الطبيعي” في أمن الملاحة والتجارة الدولية. هذا الاندفاع الإثيوبي، المدعوم بمشاركات في أطر أمنية مثل «بريكس+» ومناورات «إرادة السلام 2026»،[32] يعكس رفضا صريحا لمنطق الإقصاء الجغرافي الذي كبّل الدولة منذ استقلال إريتريا في عام 1993، وهو الحدث المفصلي الذي حوّل إثيوبيا رسميا إلى دولة حبيسة وفقدت بموجبه كافة منافذها المباشرة على البحر الأحمر. بيد أن أديس أبابا تسعى اليوم لتجاوز هذا القيد عبر وسائل تفتقر للشرعية الدولية وتصطدم بسيادة الدول المشاطئة، مما يثير معارضة إقليمية واسعة. وفي هذا السياق، تطرح إثيوبيا مفهوم “الحوكمة البحرية الشاملة” كإطار طارئ تحاول من خلاله فرضه كأمر واقع لشرعنة نفوذها البحري، في محاولة لاستعادة مكانة الفاعل البحري التي فقدتها تاريخيا، وتحويل حاجتها التنموية للموانئ إلى حق سياسي ومؤسسي في مياه لا تملك عليها حقا سياديا بموجب الجغرافيا السياسية الحالية.

وقد ترجمت استراتيجية “المائين” ميدانيا عبر تحركات وصفتها القاهرة ومقديشو بـ “العدائية”؛ حيث سعى آبي أحمد لانتزاع موطئ قدم بحري في ميناء «بربرة» عبر اتفاقية مثيرة للجدل مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي في يناير 2024.[33] هذا التوجه، الذي يحظى بتمويل وإشراف إماراتي مباشر لإنشاء قواعد عسكرية وتجارية، يهدف لتوفير منفذ استراتيجي بديل يحرر الاقتصاد الإثيوبي من الاعتماد على جيبوتي وإريتريا. ومع الاعتراف الإسرائيلي بـ “صوماليالاند” مطلع 2026، تحول الساحل الصومالي إلى “عملة نفوذ” تُستخدم لمقايضة السيادة بالاعتراف، مما فجر أزمة إقليمية حادة وضعت الطموح الإثيوبي في صدام مباشر مع الخطوط الحمراء (المصرية-السودانية-الصومالية) التي تتمسك بحصرية السيادة للدول المشاطئة.

وفي وسط هذا الاستقطاب الحاد، تبرز السعودية كفاعل توازني يسعى لاحتواء التناقض الوجودي بين “الرؤية الساحلية السيادية” لمصر والسودان، و”الرؤية الحوضية التنموية” لإثيوبيا. ومع عودة الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة مطلع 2026،[34] أصبحت الرياض الجسر المرشح لمنع الانزلاق نحو صدام إقليمي مفتوح؛ حيث تبنت مقاربة لا تقوم على الإقصاء، بل على إدارة التوازن ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة للفوضى الدولية. وفي ظل هذا التشابك المعقد، يغدو نجاح مبادرة «بورتسودان–الرياض» رهينا بقدرتها على تفكيك الارتباط بين أزمات الداخل السوداني وطموحات الخارج الإثيوبي، وصياغة معادلة أمنية تستوعب القوى المؤثرة دون المساس بالسيادة الوطنية للدول المشاطئة.

اختبار الفاعلية في ميزان الحسم الاستراتيجي: «المفتاح» أم «المُسكِّن»؟ 

في ظل هذا المشهد الجيوسياسي المتشابك، يبرز السؤال الجوهري حول المآلات: هل تُشكل مبادرة «بورتسودان–الرياض “مفتاحا بنيويا” لإعادة إنتاج الدولة السودانية، أم أنها مجرد “مُسكِّن” دبلوماسي لتهدئة الصراع دون استئصال جذوره؟ إن الفاعلية السعودية باتت مرهونة بالقدرة على تحويل النفوذ السياسي إلى “رافعة حسم استراتيجي” تنهي حقبة “التوازن الميليشياوي” وتنتصر لمنطق الدولة المركزية، وهو ما يتطلب معالجة حزمة من المتغيرات الحرجة التي تتجاوز الطاولات التفاوضية المعلنة.

ومن هذا المنطلق، تتجاوز مبادرة «بورتسودان-الرياض» سقف الوساطات التقليدية لتدخل طور “إعادة تشكيل موازين القوى”، مستلهمة النجاح المحقق في اليمن مطلع عام 2026؛[35] حيث انتقلت الرياض من إدارة التوازنات إلى الحسم لصالح “الشرعية” وإجهاض مشاريع التفتيت. إن إسقاط هذا النموذج على السودان يعني رفض “الأمر الواقع” المسلح ومنع تحول الساحل السوداني إلى “منصة مشاع” لقوى إقليمية منافسة، خاصة مع تشكل محور (سعودي-مصري) صلب يرى في انهيار “الدولة المركزية” لصالح ميليشيات مسلحة تهديدا وجوديا يتجاوز السياسة ليصل إلى “شريان الحياة” المصري؛ إذ إن سيطرة الدعم السريع على مواقع كـ “خزان سنار” تعني عمليا تسليم مفاتيح النيل لإثيوبيا، وهو ما لا يقبل القسمة على اثنين في حسابات الردع الإقليمي.

وبموازاة هذا التهديد الوجودي لقلب الدولة النابض، ينتقل الصراع إلى الأطراف والممرات المائية لتعزيز أوراق الضغط الدولي، حيث تفرض ”الديناميكيات الخفية” صراعا على ”السيادة البديلة” المتمثلة في تحول الموانئ (بورتسودان، بربرة، وعدن) إلى مراكز ثقل سيادية تتجاوز في أهميتها السيطرة على العاصمة. لذا تدرك السعودية أن استقرار بورتسودان هو الضمانة لمنع نشوء “جيوب سيادية” خاضعة للوكلاء. ويتزامن ذلك مع تآكل العقوبات التقليدية أمام “اقتصاد الذهب” الذي منح الميليشيات حصانة مالية، مما دفع الرياض لصياغة مقاربة تقنية لتجفيف منابع التمويل. وبموازاة ذلك، برزت الوساطة السعودية لتأمين صفقات دفاعية نوعية (كالعتاد الباكستاني) لدعم الجيش السوداني،[36] في خطوة تهدف لتمكين المؤسسة النظامية من استعادة احتكار القوة، مع سعي الرياض لتحييد الخلافات الخليجية البينية ومنع انعكاس صراعات الساحة اليمنية على الملف السوداني المعقد.

وبقدر ما تبدو هذه التفاهمات الإقليمية ضرورية، فإنها تظل رهينة القدرة على كبح ديناميكيات الحرب التي بدأت تُعيد تشكيل الوعي المحلي، إذ تواجه المبادرة تحدي ”التحول الجيلي للصراع”؛ فمع إطالة أمد الحرب، تُعاد تنشئة أجيال جديدة داخل بيئة العنف المستدام. مما يجعل من التدخل السعودي الراهن ضرورة زمنية قصوى للحيلولة دون “توطين العنف” كأداة للرزق. إن التحرك السعودي، المدعوم بتنسيق مع واشنطن والقاهرة، يسابق الزمن لإحداث “إحلال اقتصادي شامل” يمتص المقاتلين إلى قطاعات الإنتاج، قبل أن تتحول الحرب من أزمة سياسية قابلة للتفاوض إلى “بنية اجتماعية” يصعب تفكيكها بغير القوة المفرطة، وهو ما يفسر الاستعجال السعودي في تحويل بورتسودان إلى نقطة انطلاق لإعادة الإعمار والربط اللوجستي الدولي.

وخلف هذا الخطاب الأمني، يقبع “الأمن الغذائي الخليجي”[37] كمحرك صامت لرؤية 2030، حيث يمثل السودان العمق الاستراتيجي لسلاسل الغذاء العالمية المضطربة. ومن هنا، تعمل المبادرة كـ “درع سيادي” يمنع سقوط السودان في فخ “التدويل الإنساني” أو “سيناريو الصوملة” الذي قد يفتح الباب لوصاية دولية مقنعة تحت غطاء الممرات الآمنة. إن المقاربة السعودية تسعى لتقديم بديل إقليمي يدمج بين الإغاثة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لضمان استمرارية السودان كمنتج للغذاء وشريك وظيفي في حوض البحر الأحمر، بعيدا عن مشاريع التفتيت التي تهدف لتحويل المنطقة إلى محميات دولية تفتقر للقرار الوطني المستقل.

 الاستنتاجات والتوصيات – نحو هندسة نظام إقليمي مستقر 

تمثل مبادرة «بورتسودان–الرياض» المحاولة الأكثر نضجا وتكاملا لإعادة التوازن الجيوسياسي لمنطقة البحر الأحمر منذ اندلاع صراع أبريل 2023. وتنطلق هذه القراءة من إدراك عميق بأن سقوط السودان في فخ “الدولة الفاشلة” سيؤدي إلى سلسلة من التفاعلات الكارثية التي تهدد العمق الاستراتيجي للمملكة واستثماراتها الساحلية الكبرى.

1- الاستنتاجات الجيوسياسية الكبرى:

  • الانتقال الوظيفي (من الوساطة إلى الضمان): تجاوزت الرياض دور الوسيط “المسهل” لتصبح “الشريك الضامن” لكيان الدولة وسيادتها.  هذا التحول يعكس قناعة سعودية بأن الميليشيات الهجينة لا تشكل طرفا في معادلة الاستقرار، بل هي نقيض بنيوي لها؛
  • جيوسياسية الذهب والتمويل: استبان للتحليل أن “ذهب الدم” السوداني هو المحرك الفعلي لاستدامة الحرب. إن بقاء منافذ التصريف العالمية مفتوحة (خاصة عبر المراكز المالية الإقليمية) يفرغ أي اتفاق سياسي من محتواه، ما يجعل السيطرة على الموارد شرطا لا محيد عنه للسلام؛
  • عقيدة الردع المستلهمة (نموذج اليمن 2026): أثبتت التجربة السعودية في اليمن قدرتها على “فرض” نظام الدولة وكسر مشاريع التفتيت. فتطبيق هذا النموذج في السودان، بالتنسيق مع إدارة ترامب، يمنح المبادرة السعودية “أنيابا” سياسية وعسكرية قادرة على تغيير الحسابات الميدانية؛
  • وحدة “المركب الأمني” للبحر الأحمر: لا يمكن عزل السودان عن طموحات “الدول الحبيسة” (إثيوبيا) أو اضطرابات القرن الإفريقي. الحل يكمن في استيعاب هذه القوى ضمن منظومة أمنية قانونية تقودها الدول المشاطئة وتضمن المصالح الاقتصادية للجميع تحت سقف سيادة الدول.

2- التوصيات الاستراتيجية

تأسيسا على ما سبق، تُطرح التوصيات التالية كركائز لضمان فاعلية المبادرة وتحويلها إلى واقع ميداني:

  • مأسسة الحسم عبر “مجلس التنسيق الاستراتيجي”: يجب تحويل المجلس من منصة تشاورية إلى “غرفة عمليات تنفيذية” تدير المساعدات العسكرية واللوجستية والاقتصادية للسودان، وربط هذا الدعم بمسار “الإصلاح الهيكلي” للمؤسسات الوطنية وضمان احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع؛
  • تدويل “تجفيف المنابع” وخنق اقتصاد الظل: عبر العمل مع الخزانة الأمريكية وبورصات الذهب العالمية لفرض منظومة تعقب صارمة تستهدف الشركات والوسطاء المتورطين في تبييض أموال الذهب السوداني، وتحويل تدفقات الموارد من قنوات الميليشيا إلى خزينة الدولة المركزية؛
  • الاستثمار في “السيادة البديلة” (المحور اللوجستي): من خلال البدء الفوري في تحويل بورتسودان إلى “ميناء ذكي” وربطه بشبكة سكك حديدية عابرة للقارة. إن خلق واقع اقتصادي ملموس يوفر فرصا بديلة للسكان هو السلاح الأكثر فاعلية لامتصاص الأجيال الشابة من أسواق الارتزاق والعنف؛
  • تدشين “المبادرة البحرية الكبرى”: بقيادة تحالف إقليمي لإنشاء “قوة مهام بحرية مشتركة” لتأمين الملاحة ومكافحة التهريب (السلاح والبشر). تهدف هذه القوة إلى موازنة النفوذ المتصاعد للقوى الدولية والتحالفات الناشئة (بريكس+)، وضمان ألا يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة للقوى العظمى.

خاتمة

تُمثل مبادرة «بورتسودان–الرياض» أكثر من مجرد مسار دبلوماسي لاحتواء نزاع مسلح؛ إنها محاولة سعودية جريئة لهندسة “توازن إقليمي جديد” يربط عضويا بين أمن البحر الأحمر، وتأمين سلاسل الغذاء الخليجية، وكسر العمود الفقري لاقتصاديات العنف العابرة للحدود. وتتجاوز هذه المبادرة في أبعادها منطق “الإغاثة” إلى منطق “الدمج الوظيفي”، حيث تسعى الرياض لتحويل السودان من ساحة لـ “الحروب الهجينة” إلى شريك مركزي في الازدهار الإقليمي. إن نجاح هذه المقاربة مرهون بقدرة المملكة على ممارسة “السياسة الخشنة” في ضبط الموارد السيادية وتجفيف منابع تمويل الميليشيات، مع تقديم بديل تنموي جاذب يمتص الطاقات الشابة من أتون اقتصاد الحرب، ويُعيد الاعتبار لمركزية الدولة السودانية كصمام أمان وحيد ضد التفتت الجيوسياسي الذي يهدد منطقة القرن الإفريقي برمتها.

يبرز الملف السوداني كالاختبار الأكبر لمكانة المملكة العربية السعودية كقوة استقرار إقليمي ومهندس للنظام الدولي الجديد في حوض البحر الأحمر. فإذا نجحت الرياض في تحويل مبادرة بورتسودان من “مُسكن مؤقت” إلى “مفتاح استراتيجي” لإعادة بناء الدولة، فإنها لن تنقذ السودان من خطر الانحلال الجغرافي فحسب، بل ستؤسس لـ “منظومة أمنية متكاملة” تتبوأ فيها المملكة موقع “المهندس الاستراتيجي” الرابط بين أمن النهر وأمن البحر. بهذا التحول، تنتقل السودان من تصنيفها كـ “خاصرة رخوة” ومنطقة نفوذ للوكلاء إلى “شريك سيادي وظيفي” في قلب معادلات الأمن والملاحة الدولية، مما يضع حجر الزاوية لنظام إقليمي مستدام يقوم على قوة المؤسسات وسيادة القانون.

ـــــــــــــ

المراجع

[1]  البرهان يعيد تشكيل المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي مع السعودية، العربي الجديد، 17 يناير 2026 ، https://tinyurl.com/3tb43yus

[2]  ذو النون سليمان، الدعم السعودي للبرهان: عامل استقرار محتمل أم محفّز لتصعيد الحرب وانقسام السودان؟ مركز تقدّم للسياسات، أكتوبر 25, 2025، https://tinyurl.com/58y6c4sc

[3] Ruben De Koning, Contested corridors, 20 Nov 2025, globalinitiative, https://globalinitiative.net/analysis/the-illicit-transnational-supply-chains-sustaining-sudans-conflict/

[4]  صباح بالة،  مركب الأمن الإقليمي، الموسوعة السياسة، 12/11/2020، https://tinyurl.com/37f2hrf4

[5]  خالد كاظم أبو دوح، الأمننة، أوراق السياسات الأمنية، مركز البحوث الأمنية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2021

[6]  الصادق الرزيقي، مخطط نتنياهو في القرن الأفريقي، الجزيرة نت،  5/1/2026، https://tinyurl.com/4857tme9

[7]  عباس محمد صالح، أقلمة الصراع في السودان، ورقة تحليلية، منصة دراسات الأمن والسلام، 11 أكتوبر/ تشرين أول 2025.

[8]  أحمد القاضي، تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على الأمن القومي المصري (دراسة)، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، يناير 10, 2026، https://tinyurl.com/yew2byj2

[9] Saudi strategic influence grows in bid to stabilise Sudan, Middle East Online, 16/12/2025, https://middle-east-online.com/en/saudi-strategic-influence-grows-bid-stabilise-sudan

[10]  توماس “تومي” بيغوت، النائب الأول للمتحدث الرسمي، بيان صحفي، فرض عقوبات على شبكة عابرة للحدود تؤجج الصراع في السودان، وزارة الخارجية الأمريكية، 9  كانون الأول/ديسمبر 2025، https://tinyurl.com/yv73pt7d

[11] US, Saudi Arabia push for humanitarian truce in Sudan, Sudan Tribune, 7 January 2026, https://sudantribune.com/article/309100

[12]  بطلب من محمد بن سلمان.. ترامب يُعلن أنه سيعمل على إنهاء الحرب في السودان، سي ان ان بالعربية،  19 نوفمبر / تشرين الثاني 2025، https://tinyurl.com/2ee25sm8

[13]  هبة القدسي،  السعودية وأميركا… لقاء الفرص يطلق فصلاً جديداً في العلاقات، الشرق الأوسط، 19 نوفمبر 2025 ، https://tinyurl.com/yc4w7wzk

[14]  منى عبد الفتاح، هل يعود “منبر جدة” للواجهة لإنهاء حرب السودان؟ اندبندنت عربية،  23 أكتوبر 2025، https://tinyurl.com/5d3us365

[15]  رشا إبراهيم، السودان على طاولة الرياض مجددا، الحرة،  2025-12-16، https://alhurra.com/8942

[16]  مشروع البحر الأحمر و رؤية 2030، https://sothebysrealty.sa/ar/the-journal/red-sea-project

[17]  ذو النون سليمان، الدعم السعودي للبرهان: عامل استقرار محتمل أم محفّز لتصعيد الحرب وانقسام السودان؟ مصدر سابق.

[18] Ruben De Koning, Contested corridors, cited earlier.

[19]  عباس محمد صالح، أقلمة الصراع في السودان، مصدر سابق.

[20]  السودان: فظائع جماعية إثر الاستيلاء على الفاشر، هيومن رايتس ووتش، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، https://www.hrw.org/ar/news/2025/10/30/sudan-mass-atrocities-in-captured-darfur-city

[21] Charlotte Touati, Gold and Mercenaries: The Price of the Massacre in Sudan,  African Arguments, November 10, 2025, https://africanarguments.org/2025/11/gold-and-mercenaries-the-price-of-the-massacre-in-sudan/

[22] Sudan gold production surges during war as smuggling drains economy, sudantribune, 15 January 2026, https://sudantribune.com/article/309393

[23]  إدريس آيات، المعادن الإفريقية في التنافس الدولي..الرهانات والمآلات، ورقة تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 26 اكتوبر/تشرين أول 2021.

[24]  أ.يوسف كامل خطاب، حل قوات الدعم السريع، هل يوقف الحرب في السودان أو يطيل أمدها ويوسع دائرتها؟ ورقة بحثية، مركز الخليج للأبحاث، 2023.

[25]  دومينيك سوغيل-دي-بيكار، من مناجم السودان إلى مصافي سويسرا…الذهب الإماراتي يغذّي الصراع بين الأشقاء،, SWI swissinfo 07  نوفمبر 2025، https://tinyurl.com/36snsfnu

[26]  عباس محمد صالح، أقلمة الصراع في السودان، مصدر سابق.

[27] Melissa B. Mahle, Geostrategic Rivalry: Russian Force Projection into the Middle East and Africa, Steptoe,  December 5, 2025, https://www.steptoe.com/en/news-publications/stepwise-risk-outlook/geostrategic-rivalry-russian-force-projection-into-the-middle-east-and-africa.html

[28]  إدريس آيات، المعادن الإفريقية في التنافس الدولي..الرهانات والمآلات،  مصدر سابق.

[29]  دومينيك سوغيل-دي-بيكار، من مناجم السودان إلى مصافي سويسرا…الذهب الإماراتي يغذّي الصراع بين الأشقاء، مصدر سابق.

[30] Ruben De Koning, Contested corridors, cited earlier.

[31]  أحمد القاضي، تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على الأمن القومي المصري، مصدر سابق.

[32] Bethelhem Fikru,Redefining Relevance: Ethiopia, BRICS+, and Maritime Strategy in the Horn of Africa, hornreview,  13 Jan 2026, https://hornreview.org/2026/01/13/redefining-relevance-ethiopia-brics-and-maritime-strategy-in-the-horn-of-africa/

[33]  الصادق الرزيقي، مخطط نتنياهو في القرن الأفريقي، مصدر سابق.

[34]  ما فرص نجاح الوساطة الأميركية لحل أزمة سد النهضة؟ الجزيرة نت، 17/1/2026، https://tinyurl.com/uak7be96

[35]  رشا إبراهيم، بعد اليمن.. هل تفعلها السعودية في السودان؟، الحرة، 2026-01-14، https://alhurra.com/10630

[36]  بـ”وساطة سعودية”.. باكستان تدخل على خط الحرب السودانية، الحرة، 2026-01-09، https://alhurra.com/10402

[37]  استمرار الحرب في السودان سيرفع فاتورة الغذاء في الخليج، ميدل ايست أونلاين (MEO)، 2023/05/23، https://tinyurl.com/34jpvjnp

الطاهر بكني
الكلمات المفتاحيةالأزمة السياسية في السودانالحرب السودانيةالسودان-الرياضبورت-السودانصراع السودان

اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على ملخصاتنا الأسبوعية وتقاريرنا وتحليلاتنا فور نشرها!

بالتسجيل، فإنك توافق على شروط الاستخدام وتقر بممارسات البيانات الواردة في سياسة الخصوصية . يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
شارك هذا المقال
فيسبوك بريد إلكتروني نسخ الرابط اطْبَعْ

اشترك الآن

اشترك في نشرتنا لتحصل على ملخصاتنا الأسبوعية وتقاريرنا وتحليلاتنا فور نشرها!

ما يقرؤه الآخرون

أفريقيا في أسبوع (2026/06/13)

أفريقيا في أسبوع
يونيو 14, 2026

الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026: ماذا تعني لأفريقيا؟

طوال معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة، احتلت أفريقيا هوامش الاستراتيجية الأمريكية الكبرى حيث اعترفت…

يونيو 12, 2026

أفريقيا في أسبوع (2026/06/06)

في هذا الأسبوع، أجرت الرئيسة التنزانية سامية سولوهو حسن محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين،…

يونيو 6, 2026

أفريقيا في أسبوع (2026/05/23)

ينطلق عرض موجز الأخبار الأفريقية لهذا الأسبوع من جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث ارتفع عدد الوفيات…

مايو 23, 2026

ملفات متصلة

مقتل الإرهابي أبو بلال المينوكي على يد القوات الأمريكية – النيجيرية: قراءة في أبعاد العملية وسيناريوهات المستقبل

الأمن وحل النزاعات
مايو 22, 2026

قمة أفريقيا إلى الأمام 2026: سياسة فرنسية جديدة للقارة أم تكرار لتحرّك مألوف؟

تحليلاتالتكامل الإقليمي والتعاون العالمي
مايو 15, 2026

الجريمة المنظمة في غرب أفريقيا: شبكات الظل التي تُهدد الاستقرار والتنمية

الأمن وحل النزاعات
مايو 4, 2026

من القطيعة إلى التعاون… قراءة في دوافع التقارب بين واشنطن وباماكو

التكامل الإقليمي والتعاون العالمي
مارس 31, 2026

لاكتشاف المزيد

أفريقيا في أسبوع

أفريقيا في أسبوع (2026/05/16)

في هذا الأسبوع، أجرى الرئيس النيجيري بولا تينوبو ونظيره الرواندي بول كاغامي…

بقلم الأفارقة
مايو 16, 2026
أفريقيا في أسبوع

أفريقيا في أسبوع (2026/05/10)

في هذا الأسبوع، أبرمت أنغولا والغابون ثلاث اتفاقيات ثنائية تهدف إلى توسيع…

بقلم الأفارقة
مايو 10, 2026
أخبارنا

إعلان إطلاق مجلة “كودي” (KUDI)

تأتي مجلة "كودي" (KUDI) في إطار الالتزام الأوسع لـ "الأفارقة للدراسات والاستشارات"…

بقلم الأفارقة
مايو 7, 2026

مسجلة ومعتمدة لدى:

تابعنا: 

صفحات أخرى

  • من نحن
  • طلب تقرير/دراسة
  • طلب خدمة استشارية
  • دعوة لتنظيم فعالية/تدريب
  • للنشر معنا

روابط سريعة

  • فعاليات
  • مكتبة
  • مجلّات
  • سياسة الخصوصية
  • اتصل بنا
جميع الحقوق مجفوظة لدى الأفارقة للدراسات والاستشارات 2026 .
كُنْ على اطلاع بآخر التطورات الإفريقية!
اشترك في نشرتنا البريدية لكي لا تفوتك أحدث التقارير والتحليلات والإصدارات والفعاليات الأخرى.

لا رسائل مزعجة، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
Welcome Back!

Sign in to your account

اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني
كلمة المرور

هل نسيت كلمة مرورك؟