خلّف الاستعمار الأوروبي في أفريقيا، منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهاية الاستعمار في الستينيات والسبعينيات، العديدَ من الآثار التي لا تمحى، منها ما يتعلق بالحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية الأوروبية. وفي السنوات الأخيرة، بدأت أصداء تحرير التجارة ترتفع تماشيا مع سعي أفريقيا إلى تحقيق التقدم الاقتصادي. ويشكل هذا التحول في التوجه السياسي نقطة تحوّل مهمة، مع التركيز القوي على كيفية تحفيز النمو، وتعزيز القدرة التنافسية، ودمج الاقتصادات الأفريقية في السوق العالمية. ومع استمرار القارة الأفريقية في سعيها نحو تحقيق إمكاناتها الاقتصادية الكاملة، أصبح أمر تحرير التجارة محركا رئيسيا وعاملا مهما. ويتجلى ذلك في كون البلدان الأفريقية تسعى بنشاط إلى إبرام اتفاقيات تجارية إقليمية، وخفض الرسومات الجمركية، وتنفيذ سياسات تعود بالنفع على السوق. وتهدف هذه الجهود كلها إلى كسر الحواجز المعرقلة وإطلاق عنان أفريقيا للوصول إلى الإمكانات غير المستغلة بعد.
وتعد الزراعة قطاعًا مهمًا في مناطق الجنوب الأفريقي، ولها أهمية اجتماعية واقتصادية كبيرة لاقتصادات دول المنطقة. فهي تساهم اقتصاديا بنسبة لا بأس بها من الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول الواقعة في الجنوب الأفريقي. وقد أفادت إحصائيات 2015 بأنه ساهمت الزراعة بنحو 40% في اقتصاد جمهورية الكونغو الديمقراطية اعتباراً من عام 2011؛ وبنسبة 30% في مالاوي (2013)؛ و 29% في تنزانيا (2015)؛ و 24% في مدغشقر (2015)؛ و 23% في موزمبيق (2014). وفي الآونة الأخيرة، وضعت وزارة الزراعة التنزانية الحظر على واردات جميع المنتجات الزراعية من ملاوي وجنوب أفريقيا، كما حظرت تصدير الأسمدة التنزانية إلى ملاوي، غير أنه تم الآن رفع الحظر المفروض على صادرات الأسمدة إلى ملاوي.
فالدول الثلاث المعنية، تنزانيا، وملاوي، وجنوب أفريقيا، أعضاء في مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (SADC)، التي تعمل على تعزيز التكامل الاقتصادي ودعم التجارة الحرة في المنطقة. وعلى الرغم من وجود خطط شاملة للتكامل الإقليمي، مدعومة بإطار قانوني قوي، فلا تزال هذه المجموعة تواجه بعض التحديات فيما يتعلق بالبطء في الأخذ بالسياسات والأطر القانونية المتفق عليها. وبما أنه لدى كل دولة من الدول الأعضاء إجراءات مختلفة في عملية التصديق على القوانين الإقليمية وتشريعها محليًا، يحدث التأخير دائما في تنفيذ جدول أعمال التكامل الإقليمي. وبالنسبة لبعض البلدان، تستغرق عملية الحصول على بروتوكول إقليمي من خلال العمليات الداخلية عدة سنوات، وبالتالي يسبب تأخير تنفيذ البرامج الإقليمية المخطّطة.
وكان الحظر مفروضاً على الواردات الزراعية في البداية،كالذرة والبصل والتفاح، واستمرّ لمدة تزيد عن ثلاثة أسابيع. وتم وصف هذا الحظر المؤقت رسميًا على أنه “إجراء احترازي لحماية الزراعة المحلية من تهديدات الأمن الحيوي المزعومة”. ويبدو أنه انكشف من خلال هذا الوضع، ما كان مخفيا من عدم الثقة وظاهرة التعصب القومي في العلاقات التجارية بين البلدان الأفريقية، حيث اكتشف العديد من المراقبين ميول هذه الدول الميولَ إلى الحمائية والضغوط السياسية أكثر من المصالح الزراعية المحلية. ورغم أن إلغاء الحظر قد رُفع حاليا، فإن التساؤلات التي أثارتها حول مدى استعداد أفريقيا للتكامل الاقتصادي الحقيقي تظل باقية.
كيف وصل الوضع إلى هذه النقطة؟
إجابة على هذا السؤال، يشير بعض المصادر من الداخل إلى دوافع أعمق وأقل تقنية. وذلك لأن الإنذار الذي وجهته تنزانيا إلى ملاوي وجنوب أفريقيا لرفع الحظر المفروض على السلع الزراعية التنزانية ذهب أدراج الرياح، ما دفع وزير الزراعة في البلاد، حسين باش، إلى تأكيد عدم امتثال البلدين بالإنذار. وكان الحظر الذي فرضته مالاوي وجنوب أفريقيا، قد استهدف العديد من المنتجات التنزانية، بما فيها دقيق الذرة والأرز والزنجبيل والموز. ثم فرضت تنزانيا بعد ذلك حظرا على الواردات الزراعية من البلدين ردا على إجراءات مماثلة سبق أن فرضتها الدولتان، وفقا لوزير الزراعة التنزاني حسين باش، الذي أوضح أن تنزانيا ستحظر الواردات من البلدين على الفور، قائلا: “لن نسمح بدخول أي منتجات زراعية من جنوب إفريقيا إلى بلادنا”. وأكّد على ضرورة الحفاظ على مصالح تنزانيا في التعاملات التجارية وضرورة تعزيز الاحترام المتبادل، مضيفا: “هذا عمل، وعلينا جميعا أن نحترم بعضنا البعض”. وبالنسبة للمحللين السياسيين والاقتصاديين، فهم يعتقدون بأن الدول التي تحظر بعضها البعض، تردّد إعادة تأكيد سيادتها في المنطقة كحجة. على سبيل المثال،كشف وزير التجارة والصناعة الملاوي فيتومبيكو مومبا، في أوائل مارس من هذا العام 2025، أن حكومة مالاوي فرضت حظرًا على استيراد المواد والسلع الغذائية، حتى 12 مارس 2027 لهدف حماية مصالح الصناعات المحلية وتعزيزها، وتشجيع النمو الاقتصادي ودعم الاكتفاء الذاتي. وتهدف الاستراتيجية – وفق إفادة أدلى بها الوزير – إلى نقل ملاوي من اقتصاد مستورِد إلى اقتصاد مصدر، استجابةً بشكل مباشر للهدف الثامن من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهو: “تعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، والتوظيف، والعمل اللائق للجميع.” واستطرد الوزير قائلا بأن “الاستراتيجية ترغّب الصناعات المحلية إلى مواصلة العمل من أجل تحسين جودة المنتجات وتعبئتها من أجل التنافس مع المنتجات الأجنبية”. ومهما بدت هذه الاستراتيجية جيدة، فإن السؤال المهم الذي يجب طرحه هو: لماذا يصبح التضامن الأفريقي معرَضا للانهيار في كثير من الأحيان عندما تكون المصالح الوطنية على المحك؟
التعاملات الاقتصادية المفاجئة بين تنزانيا وملاوي وجنوب أفريقيا
فرح بعض المزارعين ومستخدمي الإنترنت في تنزانيا بالحظر المفروض على ملاوي وجنوب أفريقيا، معتقدين بحق تنزانيا في الدفاع عن نفسها بالرد بالمثل تجاه رفض جنوب أفريقيا وملاوي لشراء السلع التنزانية، محتجين بأن الاحترام المتبادل في التجارة أمر بالغ الأهمية. لكن خبراء الاقتصاد ينبهون الجميع إلى اتخاذ الحذر من العواقب اللامقصودة. وفي ملاوي، كشفت التقارير أن القطاع الزراعي يواجه حالة غير معروفة العاقبة، حيث كان من المتوقع أن يمنع الحظر التجاري المؤقت من حصول ملاوي على الأسمدة. ومن الجدير بالذكر أن قطاع الزراعة في ملاوي يعد بالغ الأهمية لاقتصادها ومجتمعها، حيث يمثل 38% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر سبل العيش لـ 85% من السكان. ويفيد تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بأن تحقيق النمو الزراعي أمر ضروري لملاوي، لتحقيق رؤيتها المتمثلة في خلق الثروة وتوفير فرص العمل لشعبها. وبالخلاصة، أدى الحظر التجاري المؤقت الذي فرضته تنزانيا إلى تعطيل سلسلة التوريد الإقليمية، مما يهدد النمو الزراعي والأمن الغذائي في ملاوي. وقد يؤدي تأثير الحظر، إذا طال أمده، إلى تفاقم نقص الغذاء، ما سيقوض جهود ملاوي التي تهدف إلى تحقيق النمو الزراعي المستدام والحد من الفقر. وبالنسبة لجنوب أفريقيا، قد يمتد التأثير إلى تصديراتها للفواكه.
تأثير النزاع على التكامل الاقتصادي في الجنوب الأفريقي
وبينما قدمت مالاوي احتجاجات رسمية وطلبت جنوب أفريقيا توضيحات، لم تقدم الهيئة الإقليمية وساطة فورية أو تدخلا فوريا في النزاع، الأمر الذي يشكل خطرا على تحقيق التكامل بين الدول الأعضاء في الهيئة الإقليمية (SADC). ونشر أحد المعلقين على موقع X أنه “من المحرج أن تكون هذه الدول كلها أعضاء مجموعة SADC، إذ يتوقع المرء أن يتم بينها حرية نقل البضائع والأشخاص في الوقت الحالي. وهذا يكشف افتقار منطقتنا إلى الجدية ويسلط الضوء على أن لدينا فجوة في القيادة”. وهذا يعني أن افتقار مجموعة SADC إلى اتخاذ إجراءات فورية يسلط الضوء على الحاجة إلى تعاون إقليمي أقوى. ولقد أدت هذه الحادثة الآن إلى تسريع الدعوات داخل مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي SADC لإنشاء آلية قادرة على حل المنازعات وتسويتها، ما سيُجبر الدول المتنازعة على الأخذ بالتحكيم بدلا من فرض الحظر التجاري. ويتعين علينا الآن أن نرى ما إذا كانت مثل هذه الإصلاحات ستكتسب الاهتمام اللازم. فالحق الثابت أنه ستحتاج مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي إلى تعزيز قدرتها المؤسسية، كي تتمكن من إدارة التكامل الإقليمي المنشود وحل النزاعات بشكل فعّال.
الدرس الأكبر لأفريقيا: النزعة الإقليمية أم التراجع؟
يحمل هذا الوضع درسا قويا للقارة بأكملها، بغض النظر عن كونه مختصّا بالجنوب الأفريقي. فالحظر الانتقامي الذي فرضته تنزانيا تمثل إشارة تنبيهية للدول الأفريقية، في الوقت الذي تستثمر فيه أفريقيا آمالا هائلة في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) والتي تعد أكبر اتفاقية للتجارة الحرة بين عدد من البلدان. وإذا فُقد التنفيذ القوي للاتفاقيات والاحترام المتبادل للشراكات الاقتصادية، فستصبح منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية معرضة للتقويض قبل أن تنطلق بشكل كامل. وإن كانت هناك إشارات إيجابية تبشّر بإمكانية تحقيق التجارة الحرة بنجاح.
ومن قبيل ذلك ما ورد من المحلل إيتيم إيتيم في صحيفة بيزنس داي، حيث أفاد في تقرير بأن القارة تواصل تسجيل إنجازات ملحوظة في القطاعات الرئيسية، رغم أن الأفارقة يشكون من القيادة السيئة، والفساد، والاقتصاد، والطقس، وحتى من اللهجة أحيانا. فبخصوص التجارة البينية الأفريقية، على سبيل المثال، نادرا ما كان لدينا أي شيء نشتريه من بعضنا البعض منذ عقود مضت. ولكنه في اليوم ظلت التجارة البينية الأفريقية مرنة، حيث تقف الآن كمنارة أمل للتنمية المستدامة في أفريقيا، على الرغم من المشهد الاقتصادي العالمي المتقلب. وفقا لبنك أفريكسيم، في عام 2023، “لقد نما هذا القطاع بنسبة 7.2% على أساس سنوي، ليصل إلى 192 بليون دولار، وهو ما يمثل 15% من إجمالي التجارة الأفريقية في عام 2023، ارتفاعًا من 13.6% عن العام السابق. وعلى الرغم من أن هذا يعد انتصارًا ملحوظًا، إلا أن قادة الأعمال الأفارقة لا يستريحون على مجاذيفهم. إنهم يريدون زيادة التجارة فيما بينهم، وكسر الحواجز التي تمنعنا من زيارة بعضنا البعض بحرية أكبر، ودمج القارة في كتلة اقتصادية كبيرة.
ولا شك في أن هذا التحليل مثير للأمل، لكن الحرب التجارية الأخيرة تسلط الضوء على مدى ضعف الأمن الغذائي في أفريقيا أمام الصدمات السياسية. ومن المهم أيضًا عدم نسيان ما يخلفه تغير المناخ من الآثار السلبية على المحاصيل وما تسبب الصراعات من نزوح السكان. فإن التجارة البينية الأفريقية يجب أن تصبح أكثر مرونة لا أكثر تصدعًا. غير أن الكلمات وحدها لن تصلح شيئا من الأوضاع. وستبقى حلم أفريقيا للوحدة اقتصاديا بعيد المنال، لغياب آليات أقوى تقدر على منع مثل هذه الأزمات أو حلها.
كان الحظر الزراعي الذي فرضته تنزانيا وملاوي وجنوب أفريقيا قصير الأمد، ولكنه كان مفيداً للغاية، حيث كشفت طبقات من المواقف السياسية لتتجلى التوترات الحقيقية في ظل جهود التكامل في أفريقيا. وقد ذكّرت الحادثة منطقةَ الجنوب الأفريقي والقارة بأكملها بأنه يسهل جدا التبشير بالتكامل والتضامن، ولكن تطبيقه صعب عندما تكون المصالح المحلية على المحك. إذا كان هناك أي جانب إيجابي، فهو يكمن في الحاجة الملحة المتجددة التي ظهرت في الأزمة الصغيرة. وقد اكتسبت المناقشات حول إدارة التجارة الإقليمية الأقوى، والتواصل الأفضل أثناء الأزمات، والاحترام المتبادل زخماً جديداً. وجدير بالذكر أنه لا يعتمد المستقبل الاقتصادي لأفريقيا على معاهدات طموحة مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية فحسب، بل يعتمد أيضا على ثقافة مشتركة قوامها الثقة والتسوية والحوار. فرفع الحظر خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن يبدو أنه يبدأ الآن الرحلة الحقيقية نحو خلق أفريقيا متكاملة وقادرة على الصمود ومزدهرة، إذ لا تزال أمام القارة خطوات “أكثر مما ينبغي” للوصول إلى هذه المرحلة.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.