كان تاريخ السودان السياسي متسما بالانقلابات والإطاحات المضادة وبالمناطحة بين القوات العسكرية والمدنية بشكل مستمر. ولقد انهار الآن جدار العلاقات بين السودان والإمارات العربية المتحدة، بعد أن قامت السودان بإنهاء علاقاتها مع الإمارات، التي هي شريكة رئيسية للسودان بعد الإطاحة بالرئيس الديكتاتوري عمر البشير في عام 2019. وتعود الأسباب وراء هذا الانهيار إلى اتهام وجّهتْه السودان إلى الإمارات شريكتها الحليفة؛ وهو أن الإمارات العربية المتحدة تؤجّج نار الحرب الأهلية الجارية في السودان من خلال توفير الأسلحة لقوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية متهمة بارتكاب مذابح وفظائع عرقية في السودان، وتتصارع مع حكومة السودان العسكرية في شأن السيطرة على البلاد. وقد أدى الصراع إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وتشريد 12 مليونًا من السودانيـيـن، بل تسبب في حدوث ما يعتبر الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وفي مايو 2025، وصلت محاولة السودان لمحاسبة الإمارات العربية المتحدة إلى النقطة النهائية، حيث رفضت محكمة العدل الدولية قضية السودان المرفوعة إليها، بسبب حدودها القضائية.
وقد اتهمت الدعوى دولة الإمارات بانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية من خلال توفير الأسلحة وتمويل قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها دولة الإمارات بشدة مراراً وتكراراً، بينما كانت الأدلة الواردة من مختلف المنظمات الحقوقية تؤكد دعوى السودان. وإن جذور الأزمة الحالية في السودان، تعود إلى الاتفاق الذي أوصل الجماعات العسكرية المتنافسة إلى السلطة في أعقاب انقلاب عام 2021 حيث أطيح بالحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون والتي كانت تتقاسم السلطة مع الجيش منذ ثورة 2019. بهذا وضع الانقلاب نهاية للانتقال المفترض إلى الديمقراطية في السودان، حيث تولى الجيش المسؤولية الكاملة، وتم اعتقال القادة المدنيـين وإعلان حالة الطوارئ.
وفي عام 2023 انتهى التحالف المتناغم بين الفريق أول عبد الفتاح البرفان (قائد القوات المسلحة السودانية) والفريق محمد حمدان دقلو (قائد قوات الدعم السريع) بسبب خلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني، حيث قد تطورت قوات الدعم السريع، التي كانت في الأصل ميليشيا الجنجويد المسؤولة عن الفظائع المرتَكبة في دارفور، فأصبحت جيشاً شبه خاص له مصالح اقتصادية هائلة.
أعلن مجلس الدفاع التابع للجيش السوداني علناً أن الإمارات “دولة معتدية”، مشيراً إلى أنها تقوم بتوفير الأسلحة المتطورة المستخدمة في هجمات قوات الدعم السريع القاتلة على بورت سودان. و توعد رئيس الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في بيان تم بــثّــــــه عبر التلفاز، بأن “الجيش السوداني سيهزم المليشيا وكل من يدعمها، ونقول لمن اعتدى على الشعب السوداني بأن وقت القصاص سيأتي والشعب سينتصر في النهاية”. وفي البداية، كانت تعتمد مشاركة دولة الإمارات في السودان على دعم القنوات الخلفية للقادة العسكريين، خلاف تدخلاتها السرية في اليمن أو ليبيا. غير أنه تحول ما بدأ كنفوذ هادئ إلى توتر متزايد، مع تكثيف هجمات قوات الدعم السريع، حيث تنظر القيادة السودانية بشكل متزايد إلى تورط الإمارات العربية المتحدة باعتباره تهديدًا مباشرًا لتطلعاتها.
الإمارات العربية المتحدة في السودان: تحول من الشريك الاستراتيجي إلى القوة بالوكالة
وفي فترة ما بين 2014 و 2019، عملت دولة الإمارات العربية المتحدة كجهة مانحة رئيسية للسودان. واستمرت هذه الاستراتيجية في عام 2019 حيث ارتفعت المساعدات الإماراتية في السودان إلى 543.2 مليون دولار، واستهدفت %99 منها قطاعات التنمية. وشملت الاستثمارات البارزة في هذا الجدول الزمني 250 مليون دولار دعمًا مباشرًا لميزانية بنك السودان المركزي خلال الفترة الانتقالية بعد الرئيس عمر البشير، ولمشاريع زراعية واسعة النطاق. ثم تغير هذا النهج بعد الانقلاب العسكري الذي حدث في عام 2021، حيث انخفضت المساعدة المالية الإماراتية بشكل ملحوظ إلى 78.9 مليون دولار. وكان لملوك الخليج مصالح في السودان منذ فترة طويلة، حيث كاوا ينظرون إليها كمنطقة مناسبة لتوسيع قوتهم الإقليمية، وفقاً للمحلل السياسي فيديريكو دونيلي. وكان موقع السودان الاستراتيجي على طول البحر الأحمر وقربه من مضيق باب المندب، ما يضعها في قلب الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر.

تُعد السيطرة على طرق التجارة البحرية والبنية التحتية اللوجستية في هذا الممر هدفًا أساسيًا لدول مجلس التعاون الخليجي. وكان أحد أكثر مشاريع الإمارات المطموح إليها في المنطقة، هو بناء ميناء أبو أمامة، وهذا جزء من صفقة بقيمة 6 بليون دولار، وقعتها الإمارات مع السلطات السودانية. وعلى الرغم من أنه تم إلغاء هذه الصفقة، فإن السيطرة على هذه البنية التحتية، ستمنح الإمارات العربية المتحدة نفوذاً على باب المندب، وهو نقطة اختناق حاسمة للتجارة العالمية. وبعيدًا عن البنية التحتية للموانئ، تشير المصادر إلى أن مشاركة الإمارات العربية المتحدة في السودان ترجع إلى وجود الموارد الطبيعية الوفيرة في البلاد، وخاصة الذهب والأراضي الصالحة للزراعة.
ومن ثم، أصبحت الأراضي الخصبة في السودان عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الأمن الغذائي في دولة الإمارات العربية المتحدة، بحيث تستورد ما يقرب من %90 من احتياجاتها الغذائية، كما أنها تتجه بشكل متزايد إلى الاستثمارات الزراعية الخارجية لمكافحة نقص الغذاء. وكانت الشركات المتحالفة مع الإمارات تسيطر على حوالي خمسين ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، كما يتم شحن المحاصيل الزراعية عبر موانئ البحر الأحمر. وتلعب تجارة الذهب في السودان دوراً فعالا في تعميق العلاقات بين قوات الدعم السريع والإمارات العربية المتحدة، حيث تتم تعدين كل الذهب السوداني المهرب تقريبًا عبر دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتمثل كمركز غسيل قبل بيع الذهب في الأسواق العالمية. وفي عام 2022 وحده، بلغ إجمالي واردات الإمارات من المعادن الثمينة السودانية حوالي 2.3 بليون دولار أمريكي، مع العلم بأن قوات الدعم السريع هي القوة المسيطرة إلى حد كبير على هذه التجارة.
مستقبل العلاقات السودانية الإماراتية
إن الوضع الحالي للعلاقات السودانية الإماراتية مليء بالتوترات، والتي شكّــلتْها تقارير مختلفة وأجّجها رفض محكمة العدل الدولية لقضية السودان. فالإمارات العربية المتحدة تواصل إنكار المزاعم القائلة بأنها تقدم مساعدات أسلحة لقوات الدعم السريع السودانية، وترفض ادعاءات منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة والسلطات السودانية، بل وصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، وأنها تفتقر إلى “أدلة موثقة”. فقد رفض سالم الجابري، مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون الأمنية والعسكرية، تقرير منظمة العفو الدولية الذي تحقق من لقطات لمقاتلي قوات الدعم السريع وهم يستخدمون قنابل صينية الصنع من طراز GB50A ومدافع هاوتزر عيار 155 ميلمتر من طراز AH-4 في هجمات على الخرطوم ودارفور. واستشهد التقرير ببيانات تشير إلى أن الإمارات كانت المشترية الوحيدة المعروفة لهذه الأسلحة من الصين. ولكن، ردت الإمارات على هذا التقرير مدّعية بأن امتلاك تلك المعدات العسكرية ليس حكراً على الإمارات وحدها، بل شراؤها متاح لكل من يريد، و وصفت استنتاجات منظمة العفو الدولية هذه بأنها “مضلِّلة”.
وعلى الرغم من هذا النفي، اتهمت الحكومة العسكرية السودانية دولة الإمارات بانتهاك سيادتها من خلال دعم قوات الدعم السريع، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقد تصاعد الصراع مع تصاعد هجمات قوات الدعم السريع باستخدام طائرات بدون طيار على البنى التحتية الرئيسية في بورت سودان، بما فيها المطار الدولي بالمدينة، ومستودعات الوقود، ومحطات الطاقة، ما أدى إلى تعطيل عمليات تسليم المساعدات الإنسانية. وتصر دولة الإمارت العربية المتحدة على أنها لا تعترف بالحكومة السودانية الحالية كحكومة شرعية. ويتوافق هذا النمط مع قواعد اللعبة التي تتبعها دولة الإمارات في الحرب بالوكالة والموثقة في ليبيا واليمن في مقال بعنوان “الإمارات العربية المتحدة في ليبيا واليمن: تكتيكات مختلفة، هدف واحد”، حيث كان الإنكار من خلال قنوات خارجية بمثابة استراتيجية ثابتة لدى الإمارات. وكما سبق في مناطق الصراع الأخرى في ليبيا واليمن ومصر وغيرها،كانت الإمارات العربية المتحدة تدعي بأنها تحافظ على الحياد الرسمي بينما تستمر عمليات نقل الأسلحة غير المشروعة، مستفيدة من الشبكات التجارية والوسطاء الأجانب لإخفاء دورها.
ولقد وجهت محكمة العدل الدولية ضربة حاسمة لقضية السودان ضد الإمارات العربية المتحدة، حيث صوتت بأغلبية 14 صوتًا مقابل 2 لرفض التدابير المؤقتة وإزالة القضية بالكامل من قائمتها العامة، مشيرة إلى افتقارها الواضح للولاية القضائية (MLoJ). و إنّ تحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، والذي يوقف اختصاص محكمة العدل الدولية في النزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية على أنها واضحة و شاملة، قد حظي بتأييد الأغلبية. و هناك قضايا عدة شبيهة سبق أن تم إصدار مثل هذا القرار بخصوصها، ومن قبيلها قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد رواندا (2006)، التي أيدت فيها المحكمة تحفظات المادة التاسعة مع إعطاء الأولوية لموافقة الدولة على المحاسبة. ولقد ورد من مقال بعنوان “ضبط النفس القضائي والوضوح القضائي: شرح قرار محكمة العدل الدولية في السودان ضد الإمارات العربية المتحدة”، أن القاضي يوسف قال بأن تحفظ الإمارات العربية المتحدة غير واضح، متجاهلاً لغة مهمة بشأن مسؤولية الدولة عن الإبادة الجماعية، بينما أدان ستة قضاة في رأي مشترك مخالف جزئيًا، الإزالةَ المبكرة للقضية باعتبارها انتهاكًا لحق السودان في جلسة استماع كاملة.
في حين حذر القاضي جوميز روبليدو من أن المحكمة تخلت عن دورها كحارس للاتفاقية، من خلال تجاهل القانون الدولي المتطور بشأن المحاسبة عن جرائم الإبادة الجماعية. والجدير بالذكر أن المعارضين سلطوا الضوء على أنه قامت محكمة العدل الدولية بالاحتجاج على قانون العدل لإزالة قضية لم يتم تقديم أي حجج قضائية بخصوصها إلا مرتين فقط خلال 25 عامًا. و يكشف الحكم عن وجود توتر خطير في الساحة، في حين أكدت الأغلبية أن الحواجز القضائية لا تعفي الدول من التزاماتها الموضوعية، إلا أن جمودها الإجرائي يترك مزاعم تواطؤ الإمارات العربية المتحدة في الفظائع التي ترتكبها قوات الدعم السريع، بما فيها الإبادة الجماعية لشعب المساليت، دون تحقيق أو نظر. وكما لاحظ القاضي سيما، فإن هذا يقوض سبب وجود الاتفاقية من خلال السماح للتحفظات بحماية الدول من التدقيق القضائي. ومع إغلاق باب محكمة العدل الدولية، يتوقف لجوء السودان الآن إلى الضغط السياسي أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومن غير المرجح أن يتغلب كل هذا وذاك على النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.