أجرت أوغندا، الواقعة في شرق أفريقيا، انتخاباتها الرئاسية في 15 يناير 2026، وهي خطوة وصفتها السلطات الحكومية استمراراً للأنظمة الديمقراطية. ومع ذلك، كشفت فترة ما قبل يوم الانتخابات والإدلاء بالأصوات، وما تلاها من أحداث، عن توترات حادة بين السلطة الراسخة وتطلعات المواطنين في منافسة ديمقراطية حرة ونزيهة. وفي قلب هذه الأحداث، صدر قرار قطع خدمة الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، قبل أيام من توجه الأوغنديين إلى صناديق الاقتراع. ويرى المحللون أن هذه الخطوة قوضت الشفافية في وقت يحاول فيه الناخبون المشاركة في إحدى الانتخابات الأكثر تأثيراً في تاريخ أوغندا الحديث.
كان الرئيس يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عاماً، يحكم أوغندا منذ عام 1986، وقد فاز بولاية سابعة في الانخابات الأخيرة بعد حصوله على حوالي 71.6% من الأصوات وفقاً للمفوضية الانتخابية، وهي نتيجة سارع المعارضون إلى رفضها. وحل زعيم المعارضة روبرت كياغولاني سينتامو، المعروف باسم “بوبي واين”، في المرتبة الثانية بنسبة 24.7% تقريباً، واصفاً الأرقام المعلنة بأنها مزيفة، ومندداً بوقوع عمليات تزوير وترهيب وقمع.
وقال واين في مقطع فيديو: “أعلم أنهم يبحثون عني، ولكن حتى لو نجحوا في الوصول إليّ وفعلوا ما فعلوا، أريد أن أقول لكم إخواني الأوغنديين: إننا نرفض كل ما يعلنه السيد سيمون بياباكاما [رئيس المفوضية الانتخابية]، لأن تلك النتائج المزعومة مزيفة ولا تعكس بأي حال من الأحوال ما حدث في مراكز الاقتراع”.
ويرى المحللون السياسيون أن الأهمية التاريخية لانتخابات أوغندا 2026 تكمن في جانبين: الأول هو أن حكم موسيفيني الممتد يثير نقاشات حول طول فترة البقاء في السلطة ومسألة الخلافة، أما الثاني فيتعلق بقيود الإنترنت التي تسلط الضوء على تأثير الرقابة الرقمية على الشفافية الديمقراطية في أفريقيا. ومن الجدير بالذكر أن الحالة الأوغندية تعكس التفاعل المعقد بين الانتخابات والاتصالات الرقمية والحوكمة في منطقة تحاول الموازنة بين الطموحات الديمقراطية ومرونة الأنظمة السلطوية.
قطع الإنترنت والعملية الانتخابية
في 13 يناير 2026، وقبل يومين فقط من التصويت، وجهت هيئة الاتصالات الأوغندية (UCC) شركات الاتصالات بتقييد وصول الجمهور إلى الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، مبررة ذلك بالمخاوف من المعلومات المضللة والتزوير الانتخاب وخطر التحريض على العنف. ودافعت المؤسسات الموالية للحكومة عن هذه الخطوة باعتبارها ضرورية للسيطرة على الاتصالات الرقمية خلال ما وصفته بـالفترة الحساسة.
وبحسب معظم التقارير، كان لقطع الإنترنت تأثير ملموس؛ فبعد الانتخابات، تواترت الأنباء عن تعطل وسائل التواصل الاجتماعي، وانقطاع الوصول إلى الإنترنت، وبطء منصات المراسلة، وتأثر خدمات تجوال البيانات الدولية، مما ترك العديد من الأوغنديين معزولين فجأة عن العالم الرقمي. وكشفت التقارير أيضاً أن الخدمات الأساسية فقط، مثل الخدمات المصرفية والمرافق الحيوية، هي التي ظلت تعمل عبر الإنترنت. وأكدت قياسات مستقلة للشبكات حدوث انخفاض حاد ومتعمد في حركة مرور الإنترنت في جميع أنحاء البلاد.
ولم يكن هذا أول انقطاع للإنترنت تشهده أوغندا خلال الفترة الانتخابية؛ فقد شهدت الانتخابات العامة السابقة، بما في ذلك انتخابات 2021، إجراءات مماثلة أدت حينها إلى حظر موقع فيسبوك الذي لا يزال سارياً حتى اليوم. وكانت السلطات تحتج في كل مرة بضرورة الأخذ بهذه الإجراءات للحفاظ على النظام، إلا أن منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن الديمقراطية يحذرون من أنماط مقلقة.
وقال توميو إيلوري، باحث أول في التكنولوجيا والحقوق لدى منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “إن الدستور الأوغندي والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان يضمنان الحق في الحصول على المعلومات وحرية التعبير، وهي حقوق تكتسب أهمية بالغة خلال الفترات الانتخابية”. ودعا إلى الاستعادة الفورية للاتصال الكامل، محذراً من أن انقطاع الإنترنت يقوض الحقوق الأساسية ويهدد نزاهة التصويت في أوغندا.
وفي صدى لهذا القلق، انتقدت بعثة مراقبي الانتخابات التابعة للاتحاد الأفريقي قطع الإنترنت. وقال الرئيس النيجيري الأسبق غودلاك جوناثان، الذي قاد البعثة، إن قرار هيئة الاتصالات الأوغندية بقطع الخدمة يتناقض مع التأكيدات السابقة بأن الوصول إلى الإنترنت سيظل متاحاً طوال الفترة الانتخابية.
تجربة الناخب في أجواء من عدم الثقة
في يوم الاقتراع، اتسمت العملية الانتخابية بمشكلات لوجستية وشعور متزايد بالقلق ناتج عن انقطاع الإنترنت، رغم التقارير التي أشارت إلى لجوء العديد من المواطنين إلى الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) وتطبيق طوره بوبي واين للبقاء على اتصال. وأفيد بأن بعض مراكز الاقتراع فُتحت متأخرة، وبعضها واجهت تأخيرات بسبب أعطال في أنظمة القياس الحيوي (البصمة)، ما جعل المسؤولين مضطرين إلى التحول للفحص اليدوي.
وأشارت التقارير إلى أن آلاف الناخبين اصطفوا بصبر، لكن القلق تملك الكثيرين بسبب عدم قدرتهم على التواصل أو التحقق من التحديثات في الوقت الفعلي. وأدى قطع الإنترنت إلى عرقلة مجموعات الناخبين وبعض المراقبين ووكلاء المعارضة عن مشاركة المستجدات، مما أجج المخاوف بشأن الشفافية.
وبعد الإدلاء بالأصوات وبدء الفرز، أظهرت النتائج الأولية تقدم موسيفيني بفارق كبير، ليضمن ولايته السابعة ويمد حكمه إلى عقد خامس. ورفض حزب بوبي واين هذه الأرقام جملة وتفصيلاً، وادعى احتجاز وكلاء مراكز الاقتراع وعرقلة التواصل بين مراقبي المعارضة. وبعد ساعات من إعلان النتائج، ظهرت تقارير عن عمليات أمنية مكثفة حول منزل بوبي واين في كمبالا، مع تقييد حركة فريقه واتصالاتهم، مما زاد من حدة اتهامات القمع.
مسألة خلافة السلطة وظل الحكم الراسخ
تمثل الرواية السياسية الطويلة المتعلقة بـ “توسع فترة الولاية في أوغندا ومسألة القيادة الجيلية” أحدَ العوامل الكامنة وراء قضايا الجدل حول الشفافية والوصول إلى الإنترنت. ولقد أعاد موسيفيني تشكيل السياسة الأوغندية منذ وصوله إلى السلطة في عام 1986، حيث عدل الدستور لإلغاء القيود على فترات الولاية وتركيز السلطة.
ويبدو أن خطة الخلافة المحتملة لموسيفيني، والمتمثلة في إعداد ابنه، موهوزي كاينيروغابا، قد أثارت مخاوف بشأن المشروعية الديمقراطية. وعندما تبدو الانتخابات مائلة لصالح الموجودين في السلطة، تبدأ الثقة العامة في التلاشي. وفي المقابل، كان صعود بوبي واين مدفوعاً بجيل الشباب المتعب من حكم موسيفيني الطويل، والمنجذب لتركيز واين على ارتفاع تكاليف المعيشة وندرة الوظائف.
ماذا تعني انتخابات أوغندا للشفافية الانتخابية في أفريقيا؟
إن ما حدث في أوغندا يتردد صداه بعيداً عن حدودها؛ ففي جميع أنحاء القارة، تظهر مراراً الجدالات حول قطع الإنترنت وقت الانتخابات، كما حدث في زيمبابوي وإثيوبيا والكاميرون. وترى مجموعات الحرية المدنية أن هذه التحركات تشير إلى تهديدات نظامية أعمق للانفتاح الانتخابي والحقوق الأساسية.
وتؤكد المؤسسات الدولية أن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب يحمي الحق في تلقي المعلومات والتحدث بحرية. فإن قطع الإنترنت بشكل واسع وغير خاضع للرقابة، يمكن أن ينتهك تلك الضمانات ويقوض ثقة الجمهور في الهيئات الانتخابية تدريجياً.
ومن وجهة نظر الحوكمة، تبدو المسألة معقدة؛ فالسلطات تدافع عادة عن قيود الاتصالات كأدوات لمحاربة المعلومات المضللة أو منع الاضطرابات، لكن في الواقع، يمكن لهذه القيود أن تخمد المعارضة وتمنع المراقبة المستقلة وتصعّب على الناخبين الحصول على المعلومات الضرورية في وقتها.
لقد أوضحت تجربة أوغندا أمراً واحداً: التكنولوجيا يمكنها إما تعميق الديمقراطية أو تقويضها بهدوء. فحين يُسمح لها بالعمل، فإنها تفتح مجالاً لمزيد من الأصوات وتحسن المساءلة، أما حين يتم إغلاقها أو التحكم فيها بصرامة في لحظات مفصلية، فإنها تفعل العكس من خلال زرع الشك وتعزيز الشعور بأن المنافسة لا تدار بنزاهة.
وبالنسبة للديمقراطيات الأفريقية التي تسعى للحصول على مصداقية دائمة، لا يمكن تجاهل هذا التوتر. فالأمن مهم، ولكن حق الجمهور في التواصل والبقاء على اطلاع أثناء التصويت لا يقل أهمية. ومن الواضح تماماً أن انتخابات أوغندا في 15 يناير 2026 تؤكد أن حماية الاتصالات المفتوحة ليست خياراً ثانوياً، بل هي جزء أساسي من بناء الثقة والإصلاح والقوة الديمقراطية.
أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.