تزايدت اهتمامات القوانين الوطنية والدولية من منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بتقنين معايير تضبط الانعكاسات السلبية للهجرة غير النظامية التي أهمّها تهديد الأمن القومي والاستقرار المجتمعي في السياسة والاقتصاد والثقافة خاصة في مختلف حكومات دول أفريقيا منطقة الصحراء والساحل، لاتسامها بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتسبّب خسارات كبيرة للأنفس والممتلكات وانعكساساتها المأساوية على العلاقات البينية الدولية. وترجع الأسباب وراء تزايد هذه الهجرة المحفوفة بعديد من المخاطر إلى عدم الاستقرار السياسي وصدمات الاقتصاد الداخلية، وتزايد الصراعات الأهلية، وانعدام الفرص الوظيفية، وتأثيرات المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، وشدة الرغبة في تحصيل معيشة أفضل خارج المجتمعات الأصلية.
وقد أثّرت الهجرة غير النظامية مؤخّرًا في علاقة نيجيريا كدولة مَصدر الهجرة –غالبًا- ودولة ليبيا كونها إمّا دولة العبور أو دولة المقصد-غالبًا-، في علاقاتهما الدبلوماسية خاصة بعد تصاعد عمليات الهجرة غير النظامية بشكل كبير بعد سقوط نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، فأصبحت الهجرة غير النظامية تجارة مربحة بالنسبة لبعض التنظيمات المسلحة سواءً في نيجيريا أو ليبيا.
ظاهرة الهجرة غير النظامية في أفريقيا
شهدت أفريقيا حركات هجرة جماعية متكررة أثّرت في مشهدها الديمغرافي المعاصر، حيث هاجرت نسبة كثيرة من الأفريقيين داخل القارة وخارجها لتصبح الهجرة في أفريقيا ظاهرة استراتيجية هامة لكسب الرزق والتكيّف في أوقات الانكماش الإيكولوجي والاقتصادي. وأصبحت الهجرة الشرعية وغير النظامية في أفريقيا قضية رئيسية في القرن الحادي والعشرين تحمل في طياتها تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية لصانعي السياسات العاملين في إدارة الهجرة من أجل تحسين سياسة الهجرة في القارة (الاتحاد الأفريقي، 2018 :1 ).
ولم تكن هذه الظاهرة بأفريقيا وليدة العقود المتأخرة، بل ظلت ثقافة توغلت جذورها في المشهد الثقافي الأفريقي خاصة فترة ما بين عشرينيات القرن التاسع عشر إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث أسفرت دراسات (عباس:2024) أن الهجرة الأفريقية إلى الولايات المتحدة كانت صغيرة نسبيًا في بدايات القرن التاسع عشر حتى فترة الستينيات من القرن العشرين، ليستمر ذلك مجدّدًا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. ثم تغيّر نمط ذلك مع حلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ليصبح تنامي الهجرات الأفريقية متسارعًا في ظلّ الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية القاحلة وخاصة بعد ظهور تغيرات سياسية واضحة في أمريكا. مثل قانون الهجرة والجنسية لعام 1965 الذي وفر الأرضية الخصبة لجلب الهجرة إلى الولايات المتحدة والمواطنة فيها من خلال توسيع مسارات الفرص أمام المهاجرين من غير أوروبا الغربية للقدوم إلى الولايات المتحدة، وذلك من خلال الروابط العائلية بشكل رئيسي.(ميكيل:2016).
كما أدى قانون اللاجئين لعام 1980 إلى زيادة قبول اللاجئين الفارين من الصراع، بما في ذلك جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وإريتريا، وقانون الهجرة لعام 1990 التي سهّلت تأشيرة التنوع لتعزيز الهجرة من البلدان الممثلة تمثيلًا ناقصًا، بما في ذلك بنين والكاميرون،و قانون عام 1990 الذي وفّر على المهاجرين ذوي المهارات العالية الهجرة للعمل، وفتح الباب أمام العمال المتعلمين والطلاب الدوليين من دول مثل غانا وكينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا،حتى عهد إدارة الرئيس ترمب الذي دعا إلى منع مؤقت لمعظم الوافدين من أفريقيا خاصة من أربع دول وهي (تشاد وإريتريا ونيجيريا والصومال)، ثم رفعت إدارة بايدن القيود الترامبية، ثم أعيدت القيود فور تسلّم زمام الإدارة في العهد الترامبي الثاني. ويتوقع مكتب الإحصاء الأمريكي حسب دراسة إحصائيىة أجراها عباس (2024) أن يصل إجمالي عدد السكان الأفارقة المولودين من قبل المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2060، إلى 9.5 مليون متكون من أفراد من 51 دولة. وتعد دولة نيجيريا، إلى جانب إثيوبيا ومصر وجنوب أفريقيا وغانا والمغرب، من بين أكبر 10 دول للمهاجرين الأفارقة في الولايات المتحدة، وماذا عسى أن يكون المجموع التراكمي للهجرة الأفريقية غير النظامية داخل القارة وخارجها.
وفي في العشر السنوات الأخيرة، شهدت الهجرة غير النظامية داخل وخارج القارة الأفريقية تزايدا كبيرا، حيث قطع نحو 331 ألف مهاجر غير شرعي الحدود إلى أوروبا بنسبة زائدة عن السنوات المتقدمة، حسب إحصائية في 2022. وارتفعت خيارات ومسارات الهجرة بين مهاجر داخل القارة الأفريقية بنسبة الـ53% بمتوسط عدد مهاجرين يقدر بنحو21 مليون مهاجر، والـ28% نسبة مهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي يقدر بنحو11 مليون مهاجر، والـ13% إلى دول الشرق الأوسط مهاجرين يقدر بــ5 ملايين مهاجر والـ6% نسبة إلى أميركا الشمالية يقدر بـ3 ملايين مهاجر ( شادي، 2023:7).
دوافع الهجرة غير النظامية
الدافع السايسي: تساهم في تنامي الهجرة غير النظامية الحالة السياسية المضطربة في دولة مصدر الهجرة وضعف البناء المؤسساتي الذي من مخلفاته ضعف الأداء السياسي على النحو الموجود في مالي وموريتانيا وليبيا وشمال نيجيريا والنيجر. وحسب تقرير حديث (العرب:2025) تعدّ الدول المرتبطة بالصراع مثل ليبيا ونيجيريا والسودان وإثيوبيا من بين البلدان التي تساهم في أعداد هائلة من المهاجرين غير الشرعيين. وقد تعرضت بعض هذه البلدان للصراع لعقود من الزمن، وهو الوضع الذي يشعر فيه الناس بعدم الأمان ويميلون إلى الابتعاد عن بلدانهم، ويصبح بعضهم لاجئين بينما ينتهي الأمر بالآخرين كمهاجرين غير شرعيين.
الدافع الاقتصادي والاجتماعي: ويأتي دور السببين الاقتصادي والاجتماعي في الهجرة غير النظامية من حيثيات مختلفة أهمّها تفشي البطالة، وضعف القدرة الشرائية، وتدني مستوى المعيشة في الأرض المصدرة للمهاجرين غير النظاميين. و يلاحظ الأطرش وعكوش (271-273) أنّ تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية، أو من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. ويرجع نيامي (2025) هذا السبب إلى أنّ بعض المهاجرين يحاولون الابتعاد عن أفريقيا بحثًا عن فرص حياة أفضل. لأنهم يعتقدون بأن الوصول إلى أوروبا هو السبيل الوحيد للتخلص من الفقر. وهناك أيضا عامل آخر، وهو “عامل ليبيا القريبة” حيث يتأثّر مهاجرو الدول القريبة من ليبيا بعامل “القرب” بين بلادهم وليبيا، إذ تعتبر ليبيا بوابة أوروبا. وهذا أكثر شيوعاً في مصر والنيجر وتشاد.
الدافع الأمني: من الأسباب الرئيسة المحفّزة للهجرة غير النظامية، تدني الحالة الأمنية في المنطقة جراء الأحداث المأساوية التي تعاني منها، من تهديدات أمنية كثيرة ضعّفت هياكلها السياسية، وانتشار الجماعات الإرهابية والمتطرفة والاثنيات الانفصالية، وإفلات الشبكات القانونية في القضاء الكلي على الجرائم المنظمة المهتمة بالمخدرات والاتجار غير الشرعي للسلاح والبشر، وربما تعمل كذلك في التجارة بالمهاجرين غير الشرعيين، والفشل الأمني في بعض مواقع المنطقة بسبب الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية كما في السودان ومالي والنيجر وشمال نيجيريا وبعض مناطق غرب جنوبها، كما شكّل فشل الأنظمة الحدودية وضعف آليات حوكمة الحدود والجمارك سببًا أمنيًّا قويًّا ورائدًا مهمًّا فتح باب الهجرة غير القانونية على مصراعيها خاصة بين دول الجوار.
العلاقة النيجيرية –الليبية وتنامي الهجرة غير النظامية بين الدولتين
إن العلاقة النيجيرية الليبية متوغلة في القدم شأن غيرها من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ولا زالت هذه العلاقة قائمة تحكمها رعاية المصالح البينية المشتركة بين البلدين بما يحقق الاستقرار السياسي والأمني والعدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي والتشارك العلمي والثقافي. وقد اشتركت الدولتان في علاقات ثنائية متنوعة في مجالات إنسانية واقتصادية وثقافية وإنسانية وترفيهية ما جعلت العلاقة الثنائية بين البلدين متنية لا تزعزعها عواصف الأحداث والخلافات الفرعية التي لا تعدّ إلا ظاهرة إنسانية عادية لا تدوم صداها ولا تمسّ أساسيات التعاون الحقيقي. ومن مؤشرات متانة العلاقة البينية بين دولة نيجيريا ودولة ليبيا خاصة في الاتفاقيات الثنائية الاقتصادية تلك الخطوة المفاجئة والجريئة المتمثل في قرار حكومة الوحدة الليبية للدخول في معترك المنافسة لنقل غاز نيجيريا إلى أوربا عبر أراضيها رغم الأوضاع الأمنية التي تعانيها دولة ليبيا ومع ذلك منحت حكومة الوحدة الليبية الإذن لوزارة النفط والغاز لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لصالح إنشاء مشروع أنبوب غاز من نيجيريا عبر النيجر أو تشاد إلى أوربا عبر ليبيا (الأناضول:2022).
لا شكّ أنّ تنامي الهجرة غير النظامية من نيجيريا إلى ليبيا أكثر بكثير من العكس ،وليس السبب في ذلك خفيًّا وهو كون دولة ليبيا المنفذ الأفريقي الأسهل للهجرات غير النظامية والمعبر الاستراتيجي إلى أراضي أوربا . ولا زالت الهجرات غير النظامية إلى ليبيا من نيجيريا مستمرة من أجل أنّ دوافع الهجرة من الوطن لا زالت قائمة سواءً الأمنية منها أو الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية الأمر الذي أدّى إلى الترحيل القسري الذي تبناه جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية الليبي وفق نظام «العودة الطوعية»، الذي تتبناه الأمم المتحدة. (UNHCR).ولا زالت التقارير تشير إلى استمرار تدفق المهاجرين غير الشرعيين من نيجيريا إلى ليبيا سعيًا للوصول إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. ويشير تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2022 أنّه يبلغ إجمالي عدد المهاجرين في ليبيا 704,369 شخصًا، يمثل النيجيريون الـ 4% منها( الوسط:2023).
بل ورد في تقرير مجلة الحرة الليبية (2024) أنّه أعادت السلطات الليبية 161 مهاجرا نيجيريا بينهم 75 امرأة وستة أطفال، إلى بلادهم في إطار برنامج العودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، معلّلة بأنها لن تمكّن أي أجنبي من البقاء في ليبيا إلا بصفة قانونية.وحسب تقرير المنظمة الدولية للجرة مكتب ليبيا (2022) فقد تم توقيف وإنقاذ 24,684 مهاجرًا في البحر وإعادتهم إلى ليبيا مع تلقى 9,370 شخصًا منهم مساعدة للعودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، بما في ذلك 300 مهاجر غير شرعي نيجيري ((2024: RT.
واستمرت عمليات الترحيل الطوعي للمهاجرين النيجيريين من ليبيا، حيث رحّل جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في ليبيا 165 مهاجرًا نيجيريًا في أكتوبر 2024 عبر مطار بنينا الدولي في بنغازي (الشرق الأوسط: 2024). وفي فبراير 2025، تم ترحيل عدد آخر من المهاجرين النيجيريين طوعيًا عبر مطار معيتيقة الدولي. ويظهر من خلال الأرقام استمرار ظاهرة الهجرة غير النظامية من نيجيريا إلى ليبيا، مع جهود مستمرة من قبل السلطات الليبية والمنظمات الدولية لمعالجة هذه القضية من خلال برامج العودة الطوعية وإعادة التوطين، خاصة وأنّ هؤلاء المهاجرين يتعرضون غالبًا للإساءة الجنسية والتعذيب والابتزاز والعنف والعمل القسري وتقييد الخدمات الصحية والحرمان من الغذاء والماء وفقًا لتقرير المنظمة الدولية للهجرة (العرب:2025).
انعكاسات الهجرة غير النظامية على العلاقة النيجيرية-الليبية
إن تدفق أعداد المهاجرين النيجيريين غير الشرعيين إلى ليبيا وترحيلهم رسميا من دولة ليبيا إلى بلادهم مؤشر قوي إلى تصديق فرضية أن للهجرة غير النظامية انعكاسات سلبية أثرت في العلاقة النيجيرية الليبية، حيث إنّه قد أدّت هذه الظاهرة غير القانونية إلى ظهور عدد من القرارات العالمية واتفاقيات السياسية والأمن الدولية التي تلتزم بها الدولتان لا سيما اتفاق الأمم المتحدة العالمي من أجل الهجرة الآمنة والنظامية (201821:) الذي ورد فيه التأكيد على “وجوب مراقبة طرق الهجرة غير القانونية التي قد تستغلها شبكات الاتجار بالبشر لتجنيد واستغلال المهاجرين المهرّبين وغير القانونيين، من أجل تعزيز التعاون على الصعيد الثنائي والإقليمي بشأن منع ارتكاب الجرائم والتحقق من مرتكبيها”. كما اعتنى القانون الدولي بفئة المهاجرين غير الشرعيين، وأفرد لها حماية خاصة من خلال عدة مواثيق واتفاقيات مهمة، منها الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والاتفاقيات التعاقدية التي تنظم أوضاعهم وتحمي حقوقهم من الانتهاك، ومن ذلك الاتفاقية الدولية لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئ وبروتوكولها الملحق لعام 1967، وإعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين 2016. (الأورومتوسطي:2021). ومن أبرز الانعكاسات السلبية التي خلفها هذه الظاهرة على العلاقات البينية في البلدين:
– التوترات السياسية: تسهم الهجرة غير النظامية في زيادة التوترات بين الحكومتين، حيث تتهم نيجيريا ليبيا بعدم اتخاذ إجراءات كافية لحماية المهاجرين وخاصة وهم يشاهدون الأحداث المأساوية التي يتعرّض لها النيجيريون في ليبيا. وقد تناقلت الأخبار ردود أفعال بعض الليبيين تجاه القرارات الناجمة من قرار الكاف بإلغاء مباراة ليبيا ونيجيريا في الجولة الرابعة للتصفيات المؤهلة لكأس أمم أفريقيا لكرة القدم 2025 نظرا لـ”الأحداث التي صاحبتها وأدت إلى مغادرة المنتخب النيجيري ليبيا.(الجزيرة:2024) مما يدلّ على أنّهم يحملون ضغائن مسبقة لا تبعد ربطها بظاهرة المهاجرين غير الشرعيين. وأيضًا، فإنّ ظاهرة عدم الاستقرار السياسي بليبيا في العهد ما بعد القذافي سبب رائد ساعد على انتشار الهجرة غير النظامية في ليبيا فاستغلّ ذلك المجرمون في تنفيذ مشاريعهم الخبيثة. والقصد أنّ ما يمر به المهاجرون غير الشرعيون – سواء من نيجيريا أو غيرها- أحدث توترات سياسية متكررة بين دولة ليبيا والبلاد المعنية، خاصة بعد ما ظهرت للعيان الظروف المأساوية لهؤلاء المهاجرين من معاملات قسريّة وعمليات العنف الغير إنسانية من قبل قوات الأمن الليبية. (الجزيرة: 2021)
– الأمن والجرائم: تشير الدراسات الإحصائية إلى أنّ تزايد الهجرة غير النظامية قد أدّى إلى ارتفاع معدلات الجريمة في المناطق الحدودية، مما ينعكس سلباً على الأمن في كلا البلدين. وقد أثبتت دراسة أجراها Chatham House (21-23 :2018) بعض الجرائم الإنسانية التي يتعرض لها المهاجرون النيجريون غير الشرعيين الذين يفدون من ولاية أندو النيجيرية إلى دولة ليبيا كدولة عبور إلى أوربا، وأسفرت عن انتهاكات أخلاقية لحقوق المهاجرين خاصة من فئة النساء اللاتي تمر بهنّ تجربة الابتزاز الجنسي، والإجبار على الاتجار بالزنى، وممارسات العنف التي تقع غالبًا بعملية تهريب النساء والضرب الموجع المصاحب للعنف الجنسي في الحدود النيجرية الليبية، بين أغاديز النيجرية وسبها الليبية. وقد لقي كثير من المهاجرين غير الشرعيين – من نيجيريا وغيرها- حتفهم في هذه الرحلة المحفوفة بالأخطار والجرائم الإنسانية المروعة. ومن بين الـ 602,000 مهاجر نيجيري عام 2016 فقد لقي الـ 27،000 منهم حتفهم في هذه الصحراء القاحلة. (Chatham House:22). ومما يؤكد هذا التقرير ما ورد في مقالة نشرت في العرب (2025) أنّه بين يناير ومايو سنة 2024، وردت أنباء عن وفاة أو فقدان 7115 شخصًا في البحر الأبيض المتوسط. ولا شكّ أنّ ثمت مهاجرين نيجيريين غير شرعيين في هذا المجموع الهائل لا سيما الذين يحاولون الابتعاد عن أفريقيا بحثًا عن فرصٍ أفضل لكونهم من بلاد ذات فرص عمل أقلّ.
– الاستغلال والانتهاكات: من الانعكاسات السلبية للهجرة غير النظامية بين البلدين أن يستغل ما يعانيه العديد من المهاجرين من ظروف قاسية في انتقادات دولية تؤثر على سمعة البلدين. فقد أسيء استغلال هذه الظاهرة في انتقاد سمعة دولة ليبيا من طرف دولة نيجيريا –مثلاً- وغيرها من دول المهاجرين غير الشرعيين، لا سيما في ظل ما تناقلته الأخبار الدولية عن فشوّ الانتهاكات الإنسانية ورواج سوق العبيد التي تتزعمها بعض المنطمات الإرهابية في دولة ليبيا، Accord,2019)). كما حصل من الطرف الليبي إدانة الطرف النيجيري الذي ربما ساهمت حكومته –بطريقة غير مباشرة- في الهجرة غير النظامية من أجل ضعف القرارات الحكومية المؤساستية، وانفلات السياسات الحدودية الناجعة التي تجرّم الظاهرة وتساعد على تقليل أنشطة الهجرة غير القانونية من قبل دولة الأصل، خاصة إذا كان المهاجرون من مناطق وبلدان ذات صلة بالصراع وانعدام الأمن الداخلي كما في بعض مناطق شمال نيجيريا وجنوب شرقها. (نيامي،2024(
– التحديات الاقتصادية: قد يسبب تضخم التكاليف التي تواجه الهجرة غير النظامية في ضغوط اقتصادية على كلتا الحكومتين، حيث قد يهدد الاستقرار الاقتصادي في البلدتين المصدرة للهجرة والمستقبلة لها. فالهجرة غير النظامية ليست رحلة مجانية مكفولة التكاليف، بل رحلة تستنزف من المهاجرين مدخراتهم المالية وربما اضطرّ بعضهم -كما هي الحال في دولة نيجيريا- إلى بيع ممتلكاته وأصول أمواله من عقار وسيارات من أجل تجميع الأموال في صالح الهجرة المحفوفة بالمخاطر بعثًا عن موطن اقتصادي أفضل. وفي نتائج دراسة اجراها الشناوي (757:2021)، فإنّ تعرّض المهاجرين غير الشرعيين خلال رحلتهم تلك لمصاعب جامة وتهديدات خطيرة لا ينجو الناجون منها إلا بعد دفعهم لثمن فادح يتحملونه من أموالهم من أهمّ الآثار السلبية للهجرة غير النظامية، مشيرًا إلى أنّ الدوافع الاقتصادية في مقدمة العوامل المحفزة للأفراد والجماعات على اللجوء لهذا النمط الخطير من أنماط الهجرة.
– التهديدات الاجتماعية:لا يمكن أن يختلف اثنان في أنّ الهجرة غير النظامية قد تؤدي إلى تغيرات في التركيبة السكانية، مما يخلق توترات اجتماعية داخل المجتمعات المحلية. وفي الجانب الاجتماعي والديموغرافي بين البلدين، فقد أثرت الهجرة غير النظامية سلبًا في البلدين، سواءًا دولة ليبيا بصفتها الدولة المستقبلة أو دولة عبور، أو دولة نيجيريا بصفتها دولة مصدر وإيفاد، خاصة في ظلّ ظاهرة ما يسمى بــهجرة العقول أو جابا سندروم (حسب المصطلح النيجيري) حيث تقوم الكوادر الثقافية والمعرفية النيجيرية بهجرة بلادهم إلى بلدان أخرى – بما فيها ليبيا- باعثين عن فرص عمل جذّابة في دولة الهجرة. ولا شكّ أن لهذا أثرًا اجتماعيا في البلد من تفشي البطالة والفقر وتدني نسبة العمال الاحترافيين، ولا نقول ما تحمله من ضعف الروابط الاجتماعية والتفكك الأسري في جانب الدولة المصدرة. وبالمقابل، تتضخم نسبة قضايا التفرقة الطائفية والفئوية ومشكلات عدم التوافق مع العادات والتقاليد السائدة في الدولة المستقبلة للهجرة أو دولة العبور. (الشناوي:659).
وفي ضوء ما سبق، تتطلب هذه التحديات تعاوناً وثيقاً بين نيجيريا وليبيا لإدارة الهجرة بشكل فعّال، وتحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال اتفاقيات بينية حاسمة يستفاد في زبرها من القرارات الدولية التي تعد دولتا نيجيريا وليبيا عضوين فعّالين فيها مثل منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الدول المصدرة للبترول(أوبك).
نحو حل ظاهرة الهجرة غير النظامية في الدولتين
تعتبر الهجرة غير النظامية بين نيجيريا وليبيا من القضايا المعقدة التي تتطلب استراتيجيات متعددة الأبعاد للتغلب عليها. وهنا بعض المقترحات التي يمكن أن تحد من مخاطر هذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية:
– تعزيز التنمية الاقتصادية: تجب معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى مغادرة البلاد بطرق غير قانونية بحثًا عن فرص أفضل، وتعزيز التنمية الاقتصادية من أجل الحد من هذه الظاهرة من خلال خلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة. كما تساهم الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة، والتكنولوجيا في توفير وظائف مستدامة وتقليل رغبات الشباب في الهجرة.
– مكافحة الفساد وتعزيز الاستقرار السياسي: فقد أفقد الفساد وضعف الإدارة الاقتصادية الكثيرين الثقة في مستقبل بلدان مصدر الهجرة خاصة في نيجيريا التي شكلت ظاهرة ما يسمى بـــ JAPA خطرًا اجتماعيا ألفه الصغير والكبير. وبالتالي، تجب إعادة النظر في منهجية مكافحة الفساد السياسي والاقتصادي من خلال تحسين الشفافية وتحقيق سيادة القانون، حتى تستقر بيئة الأعمال ويحصل تشجيع للاستثمارات المحلية والأجنبية وجذب الاستثمارات الأجنبية بواسطة توفير بيئة استثمارية جاذبة للشركات الأجنبية.
– نشر التوعية عن مخاطر الهجرة غير النظامية: وهذا دور ثنائي بين البلدين من خلال التوعية الاجتماعية عن مخاطر الهجرة غير النظامية، ونشر أخبار ضحايا الهجرة غير النظامية في أوغال الصحراء، وذكر تجاربهم الغير الإنسانية في الوسائل الإعلامية الرسمية في الدولتين حتى يساهم ذلك بشكل كبير في تقليل الهجرة غير النظامية، خاصة إذا تم دمجه مع سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة. فكثير من المهاجرين غير الشرعيين لا يدركون المخاطر التي قد يواجهونها أثناء رحلتهم، مثل الاستغلال والعبودية الحديثة والعنف والاعتقال والموت في الصحراء أو البحر. ويمكن تنشيط ثقافة التوعية عن طريق بيان المخاطر الحقيقية للهجرة غير القانوينة ، مثل الاحتجاز في معسكرات اللاجئين والإساءة الجسدية والاتجار بالبشر واستخدام التلفزيون والراديو ووسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت لنشر قصص حقيقية لمهاجرين واجهوا مصاعب خطيرة أثناء محاولة الهجرة، أو إٕنتاج أفلام وثائقية وحملات إعلانية، وبرامج حوارية لزيادة الوعي بين الشباب والفئات الأكثر عرضة للهجرة.
– تعزيز التعاون الإقليمي في أفريقيا جنوب الصحراء: لا تختص مأساة الهجرة غير النظامية بدولة سوى أخرى من دول الجوار في جنوب الصحراء، سواءً في ذلك الدولة المصدرة للهجرة والهجرة المستقبلة لها. فعليه، وجب تعزيز التعاون الإقليمي في أفريقيا جنوب الصحراء كأحد الحلول الفعالة لمواجهة الهجرة غير النظامية، حيث يمكن للدول الأفريقية العمل معًا لمعالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب إلى مغادرة بلدانهم بطرق غير قانونية. ويمكن في تحقيق التعاون المنشود تسهيل التجارة البينية والاستثمارات المشتركة بين دول المنطقة لتحفيز النمو الاقتصادي وإنشاء مشاريع تنموية إقليمية، مثل المناطق الصناعية والزراعية المشتركة، وتطوير البنية التحتية – الطرق والسكك مثلاً- لربط الدول اقتصاديًا وتحفيز النشاط التجاري ودعم اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)-التي تشتغل نيجيريا ودولة ليبيا في عضويتها- لزيادة فرص العمل داخل القارة.
– التعاون الأمني لمكافحة شبكات تهريب البشر: إن تحسين الأمن الحدودي يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليل مخاطر الهجرة غير النظامية من خلال ضبط حركة التنقل غير القانوني وتعزيز الهجرة المنظمة. ويجب على الدولتين تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين الدول لمكافحة مهربي البشر والعصابات الإجرامية التي تستغل المهاجرين، انطلاقا بإبرام الاتفاقيات البينية التي تنفّذ بعزم واحترافية على إدارة الحدود والممرات الصحراوية التي تُستخدم في تهريب البشر من خلال الاستعانة بتقنيات مراقبة الحدود والتكنولوجيا الحديثة لكشف عمليات التهريب.
– التعاون مع الشركاء الدوليين والمنظمات الإقليمية: يتطلب حل هذه الظاهرة تعاون الدول المعنية المستمر مع الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) ومجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (SADC)والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) والاتحاد الأوروبي لدعم برامج التنمية وغيرها من المنظمات التي تعنى بدعم اللاجئين والمهاجرين الذين يواجهون مشكلة الاستغلال والاتجار بالبشر والاحتجاز والعنف في أرض المهجر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع العربية
– الاتحاد الأفريقي(د.ت). الاطار المُنَقَّح لسياسة الهجرة في أفريقياو خطة العمل (2018 – 2027). الاتحاد الأريق،أديس أبابا.
– شادي،إبراهيم (2023). الهجرة السرية الإفريقية بين الحقائق والسياسات الأوروبية.مركز الجزيرة للدراسات.
– كريفيف الأطرش و فتحي عكوش(2016). الهجرة غير النظامية دوافعها وآليات معالجتها وطنيا ودوليا. مجلة الدراسات القانوينة والسياسية.
– فريدة حموم (2022). الهجرة غير النظامية في الساحل الأفريقي: أسبابها وتداعياتها على الأمن الجزائري. المجلة الجزائرية للعلوم الساياسية والعلاقات الدولية.
– عمرو محمد الشناوي (201).الآثار الاقتصادية والاجتماعية للهجرة غير النظامية. المعهد العالي للعلوم الإدارية، ببلقاس.
– نيامي (2025).أزمة الهجرة غير الهجرية مسأة أفريقيا المنسية.مجلة العرب، السنة 47،العدد 13357.
– مجلس الأمن، الأمم المتحدة (2015).صون السلام ولأمن الدوليين.-الجلسة 7508. نيورك.
– مهاجر نيوز(2023). ليبيا تعيد 161 مهاجرا نيجيريا غير شرعي إلى بلادهم في إطار برنامج للعودة الطوعية.
– جيهان عبد السلام عباس(2024). الهجرة الأفريقية غير النظامية.. قراءة في الدوافع والآثار وسيناريوهات المواجهة.
– محمد زغو(د.ت). المعالجة التشريعية لظاهرة الهجرة غير النظامية في الجزائر. كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة حسيبة بو علي الشلف.
– الشرق الأوسط(2025). ليبيا ترحّل 165 نيجيرياً إلى بلدهم… وتتأهب للمزيد.
– RT (2024). ليبيا تعيد أكثر من 300 مهاجر غير شرعي نيجيري إلى بلادهم.
– الجزيرة(2024). الكاف يقرر إلغاء مباراة ليبيا ونيجيريا بتصفيات كأس أمم أفريقيا.
المراجع الإنجليزية
Leah de Haan, Iro Aghedo & Tim Eaton. (2024). Tracing the ‘Contium of Violence’ between Nigeria and Libya.- Chatham House
(2019). Migration in Nigeria: A Country profile. UN Nigeria
Samuel K.O & Oladotun E.A. (2023). The Japa Syndrome and the Migration of Nigerians to the United Kingdom: an Empirical analysis. Springer Open
Lawal Olawale (2023). The Abidat and Arabu: The Nigerian Migrants in Libya and International Migration Law. Lajohis Journal of History and International studies
Accord (2019). The migrant crisis in Libya and the Nigeria experience.

أكاديمي نجيري وعضو الهيئة الاستشارية الشرعية في الهيئة الوطنية للتأمين، أبوجا – نيجيريا.